إبحار في الماضي من أجل الاكتشاف، رؤية للحاضر المتآكل بفعل الضربات البعيدة؛ هذا ما تتناوله “ليلى العثمان” في رواية “خذها لا أريدها” (الصادرة عن دار الآداب في عام 2008)، وتعرض فيه حاضر الابنة “لبنى” التي تشهد الخلافات بين الأم والأب، تلك الخلافات التي تؤدي لل(هو ذلك اليوم الذي تصورت أن أمك نفضتك عن صدرها كما تنفض حشرة عالقة بجسدها. كان صرير ثورتهما وحوارهما العاصف يدوي كالريح ويساقطك في الزاوية كزهرة مفتتة. حتى دموعك استعصت، مفسحة المجال لعينيك كي تتربصا بهما بانتظار أن يهدآ ويرحما طفولتك الموشكة على التفتت. أبوك أطلق سهم قراره: “سآخذها معي”. أمك صرخت بملء غضبها: “خذها لا أريدها”).
الروائية الكويتية “ليلى العثمان” من مواليد أكتوبر 1943، لها ما يقارب الـ 20 عملًا بين الرواية والقصة القصيرة. بدأت الكتابة للزوايا الأدبية والاجتماعية في الصحف الكويتية عام 1965 وهي ما تزال طالبة.
ساهمت في إعداد وتقديم برامج أدبية واجتماعية في الإذاعة والتليفزيون الكويتيين، وتولت مهام أمين سر رابطـة الأدباء الكويتية لدورتين. ولها جائزة تحمل اسمها، وتُمنح للشباب المبدعين من دولة الكويت.
اختيرت روايتها “وسمية تخرج من البحر” الصادرة في عام 1986 ضمن أفضل مئة رواية عربية في القرن الواحد والعشرين، والتي رصدت فيها التحولات التي طرأت على المجتمع الكويتي بعد دخوله إلى حقبة النفط من خلال قصة حب يائسة بين “عبد الله” و”وسمية”. وتحولت الرواية فيما بعد إلى عمل تليفزيوني.

تبدأ رواية “خذها لا أريدها” في مغسلة الموتى بعد وفاة “بدرة” أم “لبنى”، تتابع عينا “لبنى” يد الغاسلة، وهي تعبث بجسد الأم المتوفية بلا حساب، تقلب الجسد وهي تتمتم بكلمات الوعظ والأدعية كما يلزم للمهنة لكن دون أي رحمة بالجسد الساكن بين يديها؛ تنهار “لبنى” وتطالبها بالتوقف عن معاملة جسم والدتها بتلك الطريقة المهينة.
تلك الافتتاحية المظلمة تنتقل بنا للإبحار في ذاكرة “لبنى” ومشاهدة سنوات من القطيعة بينها وبين الأم، تلك القطيعة التي أوشكت على الانتهاء لكن الموت المفاجيء للأم لم يمهل الابنة. ويتداعى الاسترجاع لنعرف آثار الجملة “خذها لا أريدها” على حياة البنت، والتي كانت آخر ما نطقت به الأم في حضرة “لبنى”؛ فتتحول مشاعر البنت إلى ضيق وحنق تجاه الأم، ما يلبث أن يتحول إلى كراهية صريحة بعد معرفتها بزواج الأم من رجل آخر، كراهية يترجمها رفض “لبنى” لطلب الأم باللقاء بعد سنوات طويلة من البعد.
“لا صورة لحنان أمكِ تؤجج ذاكرتك. كل الصور تغيب إلا صورة الفراق الأخير و(خذها لا أريدها)“.
ترفض “لبنى” الزواج من ابن عمها أو أي شاب في مثل عمرها وتفضل الزواج برجل في عمر أبيها مما يشير لتأثير رعاية الأب طوال تلك السنوات، تظل لثلاث سنوات دون إنجاب، ثم تنجب ابنة وتسميها “عفاف”، وتستمر الرواية في تناول العلاقة بين الأم و”لبنى” و”عفاف”، والتداخلات بين ثلاثة أجيال متباعدة عن بعضها البعض.
في الرواية ترصد “العثمان” الانفصال بين أفراد الأسرة الواحدة وآثاره على الأبناء، عقدة الطفولة المترتبة على ذلك الانفصال، حيث تظل جملة “خذها لا أريدها” تتأرجح في يأفوخ البطلة طوال الرواية، لا تؤثر على العلاقة بالأم فحسب، بل تطغى على خياراتها في الحياة، وتتحكم تلك الجملة على عدد كلماتها المحدود في مصير “لبنى”.
استخدمت “ليلى العثمان” لغة بسيطة للوصف، تتغير أحيانًا للهجة خليجية أو شامية بحسب الشخصية المتكلمة؛ فهي تنتقل بين الأم العراقية والأب الكويتي والصديقة الفلسطينية.
السرد يتم من خلال أصوات متعددة؛ الأنا المتكلم من خلال البطلة “لبنى”، والصوت الداخلي (صوت الضمير لـ”لبنى”) وأحيانًا صوت الأب، لكن استخدام صوت خارجي وداخلي للبطلة “لبنى” لم يحمل أي داعٍ، وكان يمكن الاستغناء عنه بسهولة؛ لأن الجمل تجري على لسان نفس الشخص، بل إنه كان مربكًا في بعض المناطق.
تستكمل “العثمان” أحداث الرواية في استعراض علاقة “لبنى” بصديقة الدراسة “ماري” الفلسطينية، وهي الصداقة التي انقطعت بعد سفر “ماري” إلى “عمان” بصحبة الأهل وزواجها هناك، لكن الرسائل بين “لبنى” و”ماري” لا تزال تمد تلك الصداقة بالروح وتمثل السند الأخير لـ”لبنى” في مواجهة الحياة. تمرض “ماري” وتموت وتنسج الكاتبة مشهد الختام في مقبرة مسيحية؛ حيث تصف مشهد دفن “ماري”.
الموت يحاصر أحداث الرواية؛ موت الأم والصديقة والزوج والأب. يحضر الموت دومًا فجأة في الرواية، يمثل ذراعًا للكاتبة تستطيع منه إيقاظ المشاعر المدفونة باستخدام صدمات الموت، تعي من خلاله البطلة درجات الاختلاف والمفارقات. تعي مشاعر الحياة من خلال الاصطدام بذلك الموت المتكرر، والموت أيضًا هو الختام المنتظر لعذابات البطلة “لبنى”؛ فينزلق السؤال والرغبة على لسانها بينما تشاهد وداع صديقة عمرها “ماري”:
“ظللت أستعيد زفاف ماري وأتذكر موت أمي ويناوشني السؤال: أي الموتين أجمل ؟ وهل يحق لي أن أتمنى موتًا كهذا وأوصي بمثل هذا الزفاف؟!“طلاق وانفصال البنت عن والدتها وهي في السادسة من عمرها.