أخر الأخبار
الرئيسية » الارشيف » بوسريف: الدين لا يخلو من الدماء .. و”الإرهابيون” صاروا آلهة

بوسريف: الدين لا يخلو من الدماء .. و”الإرهابيون” صاروا آلهة

موقع المنار توداي…..المصدر هسبريس…

يتحدث صلاح بوسريف، الشاعر والباحث في شؤون المعرفة، في هذا المقال الذي خص به هسبريس، عما سماه الدين الجديد، ويقصد به الدين الذي انْقَلَب على الدّين، وانْقَلَب على الله، وعلى ما جمع البشر من قِيَم وأخلاق كونية”، مبرزا أنه لا يمكن الجزم بأن “الإنسانَ ظَلَّ ضَالاٍّ إلى أن جاء الإسلام”.
وأورد بوسريف، ضمن مقاله، بأن البشر الذين يُجِيزُون القَتْل، في إشارة إلى “مقاتلي المنظمات الإرهابية، أصبحوا آلهة في سماءٍ جديدةٍ، ويعتبرون حياتَهُم حياة بلا معنى، وبلا قيمة، فيما هُم يَحْفَظُون حياتَهُم، مُقابل سَلْبِها ممن يُحَرِّضُونَهُم على القَتْل باسم “الشهادة”، وممن يَقْتُلونَهُم باسم “الكُفْر”.
وفيما يلي نص مقال بوسريف كما ورد إلى الجريدة:
الشطط في استعمال الدين
حِينَ أُلِحُّ على أنَّنا أمامَ دِينٍ جَدِيدٍ، فأنا لا أُنْكِر الخُرُوقات التي حَدَثَت في الدِّيانات التوحيدية نفسها. فالتاريخُ، في مصادره الأساسية، التي حاولتْ أن تكون قريبةً من الأحْداث، أو أخَذَتْها بنوع من الوصف والتحليل الخالِيَيْن من الحَذْف والزِّيادَة، أو من الإطْراء، والتَّضْخِيم الذي أضْفَى على هذا التاريخ بُعداً أسطورياً، بما في ذلك بعض ما نقرأه في «السيرة النبوية»، نفسها، فيه كثيرٌ مِمَّا يَفْضَح العُنْفَ والقَتْل، المُفْرِطَيْن، باسمِ الدِّين.
لا يَخْلُو التاريخ الإسلامي من هذا القَتْل والعُنْف، كما لا يَخْلُو من الشَّطَطِ في استعمال الدِّين، أو في اسْتِغْلالِه، سواء في حروب المسلمين وغزواتهم، أو في فتوحاتهم، أو في خلافاتِ المسلمين، فيما بينهم، في صراعهم حول «الخِلافَة»، أو حول السُّلطة، بالأحرى.
ما يعني أنَّ الدِّينَ لا يَخْلُو من الدَّمِ، وأنَّ الكثيرَ من نُصوصِه، والكثيرَ من تأويلاتِ هذه النصوص، وطريقة قراءتِها وفَهْمِها، وما كان يَصْدُرُ عن بعض الفقهاء والعُلماء من فَتَاوَى، أجَّجَتْ مَعْنَى الدِّينِ، وحَوَّلتْ ما فيه من هَواءٍ إلى نارٍ، وجَعَلَتْ من اللَّهِ ذَرِيعَةً لِقَتْل البَشَرِ والتَّنْكِيلِ بهم، أو اتِّهامِهِم بالزَّنْدَقَةِ والمُرُوقِ، لإقَامَة الحَدِّ عليهم، حتَّى ولَوْ كان الفِعْلُ، أو القَوْلُ والنَّصُّ موضوعَ الإدانَة، حَمَّالَ أوْجُه، ويَقْبَل أكْثَر من مَعْنًى، وأكْثَرَ من شَرْح وتأويلٍ.
اللَّهُ أصْبَح في هذا الشَّطَط، له أكْثَر من لِسانٍ، وله أكثر من يَدٍ. أصبح هو البَاطِشُ، وهو القاتِلُ، أو هو مَنْ يَأْذَنُ بالقَتْلِ، ويُشْهِرُهُ. ففي ما يَجْرِي من حُروبٍ، وفي ما يَحْدُثُ من تفجيراتٍ إرْهابِيَة، أو قَتْلٍ للنَّاسِ، القاتِلُ، حين يبدأ بـ «التَّكْبِيرِ»، أو بإشْهارِ اسم الله، في وَجْهِ ضَحاياهُ، فهو يُبَرِّر جريمَتَه بالاخْتِباء خلف «الخالِق»، ويعتبر عَمَلَه هذا جاءَه من الله، وأنَّ اللَّهَ هو مَنْ دَعاهُ لِيَنْشُر الحَقَّ في النَّاسِ، بِقَتْلِ مَن لَيْسُو على حَقٍّ.
ألَيْسَ هؤلاء، مِمَّنْ كانوا في أوَّلِ الدِّينِ، ومَنْ هُم في زَمَنِنا هذا، انْقَلَبُوا على اللَّهِ نفسِه، واسْتَعْمَلُوه لخَلقِ دِينٍ آخَر، باسْمِه، غير ما يمكن اعتبارُه جوهر الدِّينِ في أصله، أو في فكرته الأولى، التي ليستْ هي فِكْرَة الدِّين وَحْدَه، بل فِكْرَة النُّصوص الأولى، التي كان فيها الإنسان، وهو في بدايةِ مُواجَهَتِهِ للوُجود، يرْغَبُ في تَفادِي المُشَاحَنَة، والقَتْلِ، والخِلاف، رَغْبَةً منه في صوْنِ حياتِه، أي حياة الإنسان، ووَضْعِها في سياق «الخير»، باعتباره المبدأ الأساس الذي أدْرَكَ، هذا الإنسان، أنَّه مبدأ التَّوافُقِ، في «المجتمع»، ومبدأ التَّوازُن، في العلاقات بين أفراد هذا «المجتمع».
فـ «التربية»، في مفهوماتها البدائية، التَّأْسِيسِيَة الأولَى، كانت نوعاً من التوكيد على فكرة «الخير»، في مقابل الشَّر، وكانت، تكريساً للِتَّضامُن والتَّضَافُر، وبناء القِيَم التي تَحْمِي الحياةَ وتَحْفَظُها من الهَذْرِ والشَّطَطِ في استعمال السِّلاح والسُّلْطَةِ.
الكثير مما وَرَدَ في التراث السُّومَري، نَجِدُ ما يُقابِلُه، بنوع التَّحْريف، في التَّوْراة، كما نجده، ونَجِدُ غيرَه في كُتُبٍ أخْرى، جَرَتْ فيها هذه النصوص، والثقافات، والحضارات القديمة، التي طَمَسَها الدِّين، أو اعْتَبَرَها «أساطير الأوَّلِين»، مثل الصَّدَى. أو كما يقول الصديق الشَّاعِر العراقي، والباحث في التاريخ القديم، الدكتور خزعل الماجدي، في مقدمة كتابه «إنجيل سومر»: «إنَّ سومر هي البَذْرَة التي ظَهَرَتْ منها كُل حضارات العالم، وهي مُخْتَرِعَة الكتابة والدين والقضاء والسياسة والعلوم والشِّعر، ويرجع لها كل شيء لأنَّها نَسَجَتْ خيوط كل شيء ثم غادرت العالم، دون أن يترحَّم عليها أحد، بل دون أن يذكرها، فقد أُزِيلَ بِقَصْدٍ اسمها من التاريخ ولم يذكرها أي نص منذ الألف الثاني قبل الميلاد، وإلى ما قبل حواليْ مائة سنة، وحتَّى التوراة(التي سَطَتْ على تراث سومر) ذكرت اسمها مُحَرَّفاً مُصَحَّفاً تحت اسم (شنغار)».
لا يُمْكِن أن نَدَّعِيَ أنَّ الإنسانَ ظَلَّ ضَالاٍّ إلى أن جاء الدِّين، والمقصود بالدِّين، هُنا، الإسلام دون غيره، فَهَداهُ، وأنَّ الدِّين، هو العَصا التي قَادَتْ الإنسان في صَمَمِه وعَماهُ نحو الضَّوْء، وخَرَجَ به من الظَّلام الذي كان يُقِيم فيه. فالإنسانُ، منذ مَعْرِفَتِه لِنَفْسِه بنفسِه، كما قال سقراط، وهو يسعى لِبناء الحياةِ، والتشبث بها، في مُقابل الموت، أو العَدَم، الذي لم يَسْتَسِغْهُ، واعْتَبَر أنَّ الحياةَ هي بَقاء وخُلود، أو هكذا تَهَيَّأَ له، إلى أنْ اكْتَشَف أنَّ الإنسانَ ليس هو الإله، وأنَّ حالَةَ البَقاء، أو الخلود البشريّ الوحيدة التي أنْعَمَتْ بها الآلِهَة على الإنسان، كانت اسْتِثْناءً لا يقبل التِّكرار، وأنَّ الإنْسانَ مَنْذُورٌ لِقَدَرِه، ومصيره في الأرض، وعليه أن يَعرف كيف يُجْرِيَ هذا المصيرَ، ويُديرَه، دون تَبْذِيرٍ أو تَبْدِيدٍ، أو عَبَثٍ بحياتِه، وحياةِ الآخرين.
الدِّين، حين جاءَ، مهما تكن مصادِرُه، وطبيعتُه، أو ما جرى فيه أمورٍ، ما يزال الكثير منها موضع نَظَرٍ، لِيُذَكِّر، لا لِيُسَيْطِر. الدِّين جاء ليكون حياةً، لا ليكون إبادَةً وقَتْلاً وإلْغاءً. الدِّين جاءَ لِيَرْفَع من قيمة الإنسان، ويُكَرِّمَه، لا لِيَحُطَّ منه، ويَزْدَرِيه، أو يُلْغِي عقلَه وفِكْرَه، وذكاءه. كما أنَّ الدِّين وضع الإنسان أمام نفسِه، وجعلَه مسؤولاً عن أفعاله وأقواله، ولم يَجْعَلْهُ آلَةً، أو تابِعاً أعْمَى، يُؤْمَر دون تفكيرٍ، ودون رأي، ودون نقاش أو حوار، أو تشاوُر.
الدِّين الجديد، بالمعنى الذي ذَهَبْتُ إليه، هو هذا الدِّين الذي انْقَلَب على الدّين، وانْقَلَب على الله، وعلى ما جمع البشر من قِيَم وأخلاق كونية، هي، في جوهرها، نفس أخلاق البشر منذ قديم الزمن، وليست أخلاق المسيحية، ولا أخلاق الإسلام، ولا حتَّى أخلاق المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. كُل هذه الأمور التي باتَتْ اليوم معروفة، ولها نصوصها التي كتبها الإنسان، هي عَمَل الإنسان، وهو على الأرض، وهي تأكيد على حياة الإنسان على الأرض، لا حياة الإنسان في مَجرَّاتٍ وكواكب أخرى. إنَّ إلْغاءَ وُجود الإنسان على الأرض، واعتبار هذه الحياة التي نحن فيها، زائِدَةً، زائِلةً، لا قيمَة لها، هو إلْغاءٌ لله نفسه، الذي وضع الإنسان في هذه الحياة، ليكون هو نفسه الإنسان، وهو نفسه مُدَبِّر وُجوده، وهو نفسه من يَبْتَكِر ويخترع طريقة عيشه وحياته، ويتحمَّل، بالتالي، مسؤوليتَه كاملةً، لا أنْ يعتبر هذه الحياة عِبْئاً عليه، جَمْراً بين يَدَيْه، عليه أن يتخلَّصَ مِنْ لَظَاهُ، ليذْهَبَ إلى «الجنَّة»، لِيَنْعَم بما قرأَهُ عنها في «الكتاب».
الأرض جَنَّةٌ، «الخيرُ» فيها، هو الإيمان. والأرض جَنَّة، التآخِي، وحِفظ النَّفْس فيها، هو الدِّين نفسه. فلا جَنَّةَ في «الآخرة»، لِمَنْ اسْتَرْخَصَ الحياة، واسْتَهْتَر بها، وبحياة البشر، ووُجودِهِم.
شخصياً، لا تعنيني الجنَّةُ، إذا كان هؤلاء الذي يَفْتِكُون بأرواح البشر، مهما كان دينهم، ومهما كانت ثقافتهم ولغتهم، ومهما كان لونهم وجنسهم، هُم من سيملئونها، باعْتبارِهم شُهَداء. أفَضِّل أن أكون حَيْثُ يكونُ القَتِيل، لا حيث يكون القاتِل، هذا الذي اسْتباح حياة غيره، وأنْهاها، وكأنَّهُ هو من وَهَبَه هذه الحياة، وأنْعَم بها عليه.
بهذا المعنى، أُؤَكِّد أنَّنا خَرَجْنا من دِينٍ إلى دِينٍ، ومن فِكْرٍ إلى فِكْرٍ، ومن إنسانٍ إلى إنسانٍ، وأصبح الله نفسُه، في هذا الدِّين الجديد، بدون أُلوهَةٍ، لأنَّ البشر الذين يُجِيزُون القَتْل، ويُتِيحونَه، بسَخاء، أصبحوا هُم الآلهة، في سماءٍ جديدةٍ، هي الأرض نفسها التي يرفضونها، ويعتبرون حياتَهُم هذه، هي حياة بلا معنى، وبلا قيمة، في ما هُم يَحْفَظُون حياتَهُم، مُقابل سَلْبِها ممن يُحَرِّضُونَهُم على القَتْل باسم «الشهادة»، وممن يَقْتُلونَهُم، باسم «الكُفْر» والخُروج عن الدِّين والمِلَّة.