أخر الأخبار
الرئيسية » الارشيف » وجوه من تراثنا الشعبي يكتبها لموقع المنار توداي في حلقات ذ/ ابراهيم الحجري حلقة اليوم مع “عبد القادر الغياط”

وجوه من تراثنا الشعبي يكتبها لموقع المنار توداي في حلقات ذ/ ابراهيم الحجري حلقة اليوم مع “عبد القادر الغياط”

عندما كنا صغارا كنا نحسب أن هذا الرجل ينزل من كوكب آخر ليغرس في الناس
الولع بالقصبة ويحببهم في رقصاتها البوهيمية,كنا نعتقده فعلا جاء من عوالم مسكونة
بالرهبة ليعزف مواويل غريبة تحير الناس وتستثير الخلايا المجهولة في حواسهم, وبعد
ذلك عرفنا أن الناس يهوون طريقته في العزف لذلك رسخوا صورته في أدمغتنا بتلك
الطريقة ,عهدناه رجلا بشوشا كبير الخلقة محبوبا لدى الكل، لذلك فان العرس الذي
يحضره يكون محجا ضخما للشغوفين بحب الغيطة، والطبقة التي تهوى القصبة وتتفانى في
عشقها ,لم يكن يعزف مدة طويلة، لكنه حينما يوقظ رغباته ويتأبط قصبته المتواطئة يحس
ان كل الدنيا تعزف بجانبه وكل الكائنات تشاركه هذا الحوار العميق الخفي,وحينما
ينفخ في القصب روحه ينسى انه تحول الى جني أحمر يكسر الازمنة والحواجز ويخترق
النفوس الجائعة ليوقظ فيها ارتجاجا عصيا وعنيدا, يقوم الناس من أماكنهم يجدبون يطلقون
الأعنة لأعضائهم كي تخرج كثيرا عن صوابها المعهود خاصة اذا ما لعبت الكأس
بالرؤوس,يتصبب جسد عبد القادر عرقا …ويبدأ جولته عبر جنبات الخيمة المنصوبة
للفرح,تهب النساء الى خيمة الرجال استجابة لدعوة عبد القادر وصيحة ألحانه المجنونة
التي تخرج الافاعي والثعابين من غيرانها,وينشغل الرجل عن هبوب النساء وتمردهن
بالفرجة التي أيقظها عبد القادر في الخيمة مثل العاصفة,وبالحال التي انتفضت
بداخلهم فجأة فيحرر الجسد من عقال الطقوس ويجيب دعاء الروح وتنتفي الجنسانية …ويصبح
الكائن موحدا لا فرق سوى في طريقة التفاعل مع هذه العواصف الملحونة من الجنون..عبد
القادر رجل طيب مضحك ..مشراب :كثير شرب الخمر… (زرايدي) بمعنى الكلمة ويحب الكرم
ومن الناس الذين يلتزمون بتطبيق المثل الشعبي القائل :”اللي ما يجلس معاك في
المائدة وما تديم نو فايدة رفاقتو غير زايدة” .غير انه عندما يعاشر القصيبة
كما يسميها المولوعون تشعر انه كائن بوجه خفي وغامض كل دمه يسكن في لحظة الاشراق
بكل وجهه,أما عروق عنقه فتصبح جذوع اشجار بيروفية ضخمة,أما عيناه فتنتفخان
وتنغلقان تاركتين المجال لتقوس حاجبيه وتقطب جبينه وتعرقه الغزير, وكلما سخن
السيناريو واستعرض الحال فيه كان لازما أن يتحرر عبد القادر من جاكتته …الكويرية
السوداء المبقعة نظرا لتقادمها… ويتقدم أكثر نحو طوابير النساء ليحسسهن بانه
يضعهن في الحسبان ويفترض مشاعرهن وكأنه يقول لهن: أنا أغني لكن وأعزف لعيونكن…؟
لذا تولد لدى النساء عشق مسعور له,حتى ان بعضهن كن يحرجنه بالمطاردة الى درجة ان
بعض ممن هامت به عشقا كن يدخلن الى داره التي يخصصها للتمارين …طالبات ان
يستمتعن بوجه خاص وراغبات في ان ينفردن به من دون باقي الناس بلحظات انسجام مع
الفنان العجيب وغريب الاطوار… وبما ان الوجبة كان يقدمها عبد القادر حصة ممتعة
ومثيرة ,فقد تأخر الى الهزيع الاخير من الليل,لانه  حدث وافتتح عبد القادر حصة الليل فيعلم الله كيف
سيؤول الامر ,فحصة عبد القادر تترك الى ما بعد تناول العشاء وطقس الحناء (طبق يوضع
فيه سكر ومنديل أبيض تعرض فيه الهدايا والعطايا والتبرعات لصاحب العرس)وبعد ان
يؤدي عبد القادر لحونه المجنونة تكون الخيمة قد اصبحت جحيما من الفوضى فيها الساقط
اكثر من الواقف وفيها تعم جلبة دكناء وهتاف رهيب يدعو عبد القادر الى ان يعيد عيطة
العلوة… لكن عبد القادر اذا انتهى لا يعود …واذا ما توقف يستحيل ان
يستأنف..يثمل كل الحضور ويبقى عبد القادر صاحيا حتى الصباح….و كأن الخمرة والكيف
والسجائر لم يعد لها من سبيل إلى دماغه… يفك الشجارات ويصلح ذات البين ويقوم
الخواطر بعد أن تفسد وتقسو.
وحده عبد القادر كان لا يعير اهتماما للمال , كان يحب الفن الذي اختاره ويتفانى
من أجل الارتفاع به مضحيا بمصالح أخرى… رغم كثرة عياله وتواضع حالته الاجتماعية …كما
أنه كان يساهم في شد لحمة الفرقة التي يشتغل في إطارها رفقة الشيخة مليكة ومشيطة
عازف الكمان وشعيبة الطعارجي وغيرهم , الفرقة التي كان صيتها قد اكتسح دكالة
برمتها خلال فترة الثمانينات على الخصوص , وأواخر السبعينات, فجأة فطن عبد القادر
إلى أن الطريق التي يسلكها لم تعد تستهويه , خاصة أمام كبر الأطفال وتعدد مطالبهم,
فقرر أن يعود إلى الأسرة ويغير السبيل, أخبر زملاءه وفرقته وجمهوره أنه سيغادرهم
مدة قصيرة ثم يعود …وبعد أن اختفى مدة طويلة كان قد اختار مهنة السياقة بدل
حرفته الأولى التي لم يجن منها غير صرة (شبكة) من المشاكل …وكان قد عشق مدينة
أكادير واتخذها مقاما له , وبعد فوات الأوان كان لحظتها عبد القادر قد نسيه الناس
ولم يعودوا يطمعون في عودته عاد ليتنسم الناس بطلعته .. صار الغياط غليظا كث
الشارب شديد الوقار عليه آثار النعمة جاء هذه المرة غير متأبط للقصبة بل ممتطيا
شاحنة رست عليها سمكة… أخبرهم عبد القادر أنه التزم بحياة أخرى ولن يعود …دخل
عبد القادر تجربة الاحتراف بعد أن أصدر ألبوم خاصا بإحدى شركات التوزيع بالبيضاء
وقد التقيته بعد سنوات بمدينة طانطان , فحدثني بحميمية عن تجربة مع الفن وتجربته
مع السياقة وغرائب البحر والطريق إلى البيضاء , وقد دردشنا أيضا حول علاقته بالفن
,إذ بعد لحظات أخرج من جيب سترته القصبة أو الغيطة … وأمام ذهولي بدأ يعزف
ويعزف كما لو كان في أيام زمان , فعرفت أنه يعز هذه الآلة العجيبة ولا يطيق لها
فراقا … عبد القادر عند المرأة رمز لفحولة مستحيلة لذلك كانت المسحورات منهن بفن
الغيطة يلتمسن من أسرار قصبته العليا والسفلى الكثير من اللذة والنشاط ويشبعن
الكثير من الفضول. وفي دكالة رغم البعاد , تظل دكالة في القلب , كما يظل عبد
القادر وجها له مكانته في قلوب أهلها , إنسانا صنع الفرجة للناس الدكاليين , وزف
آلاف المشاعر من الفرح إلي قلوبهم .

                              
بقلم إبراهيم الحجري