أخر الأخبار
الرئيسية » اخبار » إشكالية الماء في مرآة خطاب العرش..للكاتب عزيز لعويسي

إشكالية الماء في مرآة خطاب العرش..للكاتب عزيز لعويسي

بقلم: عزيز لعويسي

 يحتفي المغاربة قاطبة، بالذكرى الخامسة والعشرين لاعتلاء الملك محمد السادس العرش، والتي تعكس خلفها مساحة زمنية تمتد لربع قرن من الزمن، تغير معها وجه المغرب تماما، لما تحقق فيها من إصلاحات عميقة ومنجزات  ومبادرات تنموية رائدة، كان من ثمارها النهوض بواقع التنمية الاجتماعية والبشرية وتحسين مؤشراتها، وصون  الوحدة الترابية، وتعزيز مكانة المغرب كفاعل وازن، وشريك مسؤول وموثوق في محيطه الجهوي والدولي؛

 وبقدر ما نثمن ما تحقق من مكاسب ومنجزات ومبادرات، بقدر ما نرى أن صعوبات وتحديات كثيرة لازالت تعترض البلاد، تحتاج إلى “المزيد من الجهد واليقظة، وإبداع الحلول والحكامة في التدبير”، لعل من أبرزها وأخطرها “التحدي المائي” الذي شكل حيزا معتبرا في خطاب العرش، وفي هذا الإطار، إذا كان الملك محمد السادس وجه البوصلة كاملة نحو “إشكالية الماء”، فلأن الوضعية المائية الوطنية، باتت أكثر تعقيدا، وتفرض دق ناقوس الخطر، في ظل تعاقب سنوات الجفاف، وتأثير التغيرات المناخية، وتزايد الطلب على الماء، بسبب الضغط السكاني والإجهاد المائي في المجال الفلاحي، فضلا عن التأخر في إنجاز بعض المشاريع المبرمجة في إطار السياسة المائية، مما انعكس وينعكس سلبا، على الاحتياطات المائية السطحية والجوفية، بكل ما لذلك، من تداعيات مباشرة على العديد من المناطق خاصة بالعالم القروي؛

 ولم يكتف الملك محمد السادس بتشخيص الوضع ورصد الأسباب المتحكمة في “إشكالية الماء”، بل وقدم بعض الحلول الممكنة التي من شأنها الإسهام في تجاوز الأزمة المائية والتخفيف من حدتها، منها “التشديد على ضرورة التنزيل الأمثل، لكل مكونات البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027″، و”التحيين المستمر لآليات السياسة الوطنية للماء، وتحديد هدف استراتيجي، في كل الظروف والأحوال، وهو: ضمان الماء الشروب لجميع المواطنين، وتوفير 80 في المائة على الأقل، من احتياجات السقي، على مستوى التراب الوطني”، إضافة إلى المضي قدما في اتجاه “استكمال برنامج بناء السدود، مع إعطاء الأسبقية لمشاريع السدود، المبرمجة في المناطق التي تعرف تساقطات مهمة”، وطبقا لمنظوره الاستراتيجي الإداري والطموح، دعا الجالس على العرش، إلى “تسريع إنجاز المشاريع الكبرى لنقل المياه بين الأحواض المائية : من حوض واد لاو واللكوس، إلى حوض أم الربيع، مرورا بأحواض سبو وأبي رقراق”، وهذه الرؤية الملكية الاستراتيجية، من شأنها التمكين من “الاستفادة من مليار متر مكعب من المياه، التي كانت تضيع في البح”، وتوزيع أمثل للموارد المائية على المستوى الوطني، بشكل يخدم العدالة المجالية المائية؛

 وعلاوة على الحلول المذكورة، واعتبارا لمركزية  آلية “تحلية مياه البحر” في مواجهة “إشكالية الماء”، خاصة في ظل تعاقب سنوات الجفاف وتزايد الطلب على الماء،  فقد دعا الملك في خطاب العرش، إلى “تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر، حسب البرنامج المحدد لها، والذي يستهدف تعبئة أكثر من 1,7 مليار متر مكعب سنويا.“، مما “سيمكن المغرب، في أفق 2030، من تغطية أكثر من نصف حاجياته من الماء الصالح للشرب، من هذه المحطات، إضافة إلى سقي مساحات فلاحية كبرى، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي للبلاد”؛

 وبقدر حرص جلالته على عقلنة استعمال الموارد المائية وضمان استدامتها، عبر الرهان على عدة حلول مبتكـرة، بقدر حرصه على استثمار قدرات المغرب في مجال الطاقة النظيفة في مجال تحلية مياه البحر، على غرار محطة الدار البيضاء لتحلية الماء، التي يرتقب أن تكون أكبر مشروع من نوعه بالقارة الإفريقية، والثانية في العالم التي تعمل 100 في المائة بالطاقة النظيفة”، والمحطات الأخرى المبرمجة ومشاريع الطاقة المتجددة المرتبطة بها، والتي يتعين الالتزام بإنجازها في الآجال المحددة، وفي هذا الإطار، وتعزيزا للتضامن الجهوي وخدمة للعدالة المجالية في المجال التنموي، دعا الملك، إلى “التعجيل بإنجاز مشروع الربط الكهربائي، لنقل الطاقة المتجددة، من الأقاليم الجنوبية إلى الوسط والشمال، في أقرب الآجال”؛

 رؤية الملك محمد السادس في مجال الماء، لا تتوقف فقط عند عتبات تقديم الحلول العملية التي من شأنها المحافظة على الموارد المائية وضمان استدامتها، بل وتتجاوز ذلك، إلى مستوى الدعوة إلى “تطوير صناعة وطنية في مجال تحلية الماء” عبر “إحداث شعب لتكوين المهندسين والتقنيين المتخصصين”، و”تشجيع إنشاء مقاولات مغربية مختصة، في إنجاز وصيانة محطات التحلي”، وصناعة استراتيجية من هذا القبيل، من شأنها الدفع في اتجاه خلق قطاع اقتصادي محرك للتنمية، وبناء تجربة مغربية رائدة في مجال سياسة الماء والطاقات النظيفة، يمكن تسخيرها لخدمة قضايا التنمية في إفريقيا، التي تعد الأكثر تأثرا بالتغيرات المناخية، وفي ذلك، دعما صامتا للقوة الناعمة المغربية في محيطها الجهوي والدولي، وفي هذا الإطار، فالجامعة المغربية ومؤسسات التكوين المهني، مدعوة إلى تقديم عروض بيداغوجية، داعمة للتوجهات الملكية الاستراتيجية في مجال سياسة الماء؛

 ومهما كانت نجاعة الحلول والاستراتيجية الداعمة لسياسة الماء، تبقى المحافظة على هذه الثروة الحيوية، “مسؤولية وطنية تهم جميع المؤسسات والفعاليات”، وهي أيضا “أمانة في عنق كل المواطنين” كما أكد الملك في خطاب العرش، وفي هذا الصدد، واعتبارا لأدوارها ومسؤولياتها في ضبط المشهد الوطني المائي الوطني، فقد دعا جلالته السلطات المختصة “للمزيد من الحزم في حماية الملك العام المائي، وتفعيل شرطة الماء، والحد من ظاهرة الاستغلال المفرط والضخ العشوائي للمياه” و”التنسيق والانسجام، بين السياسة المائية والسياسة الفلاحية، لاسيما في فترات الخصاص، مع العمل على تعميم الري بالتنقيط”، فضلا عن الدعوة إلى “اعتماد برنامج أكثر طموحا، في مجال معالجة المياه، وإعادة استعمالها؛ كمصدر مهم لتغطية حاجيات السقي والصناعة وغيره” و”تشجيع الابتكار، واستثمار ما تتيحه التكنولوجيات الجديدة في مجال تدبير الماء”.