الزواج وتصدع القيم.. وكيف يمكن بناء وعي زواجي مستديم؟ للكاتب الصحفي محمد بادرة
كتب..ذ. محمد بادرة
أصبحت المشكلات الاجتماعية عامة والأسرية بشكل خاص في تزايد مستمر بحكم التغيرات والتحولات البنيوية التي عرفها مجتمعنا في العقود القليلة الماضية اضافة الى انفتاحه على ثقافة وأسلوب حياة المجتمعات الغربية والاستخدام الواسع للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي على نطاق لا محدود وبين جميع فئات المجتمع.
في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والمتغيرات القيمية وتأثيراتها على التماسك الأسري والترابط الزواجي أصبح موضوع الزواج موضوعا مركزيا في كل الدراسات الديموغرافية والاجتماعية والتربوية وخصوصا من طرف علماء الاجتماع الذين أولوا لموضوع الزواج والأسرة اهتماما بالغا وتوسعوا كثيرا في أبحاثهم النظرية والميدانية عن نشأة الأسرة واستمرارها، عن واقعها ووظائفها، عن أنساقها وبنائها، وركزوا أكثر على موضوعي الزواج و الطلاق نظرا الى التغيرات الواضحة التي طرأت على طبيعة الزواج وأهدافه والى المشكلات والأزمات والتحديات التي يواجهها بسبب التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي يتعاظم تأثيرها عاما بعد آخر وربما يعود هذا الاهتمام كذلك الى أن كثيرا من مشاكلنا ومشاغلنا وأحاسيسنا وعواطفنا تمتد جذورها في الحياة الأسرية التي نتشارك فيها جميعا بشكل أو بآخر، وأدرك الكثيرون من الذين يعملون في مجالات علم الاجتماع وعلم النفس والديموغرافيا والشريعة والتخطيط التنموي وكل الذين يتصدون لتشخيص مشكلات المجتمع وبناء برامج التغيير ومشاريع الإصلاح أن الانطلاق من فهم واستيعاب قضايا الزواج والطلاق وأزمة الأسرة ومعاناتها في هذا العصر أمرا لا مفر منه.
في ظل هذه المتغيرات الاجتماعية والثقافية الحالية أصبحت الأسرة أكثر المؤسسات الاجتماعية عرضة للتخلخل والاضطراب، فرياح العولمة تأخذ الأطفال وجميع أفراد الأسرة عبر وسائل الاتصال وشبكات التواصل الاجتماعي من عالم الأسرة الى عوالم افتراضية وتنزعهم من حياة العائلة الى أنماط حياتية مغايرة، كما أنها تخلخل الثقافات المحلية التقليدية التي تظفي التماسك والاستقرار على حياة الأسرة والمجتمع المحلي.
الزواج والطلاق في مجتمعنا كانا ولا يزالان من الظواهر الاجتماعية الأكثر حضورا وتأثيرا في علاقاتنا واتصالاتنا وتواصلنا وحتى في صراعاتنا وتشهدان على تحولات بنيوية متسارعة وكان لهما أبعد الأثر على منظومة القيم الاجتماعية وخصوصا ارتفاع معدلات الطلاق التي تتزايد بشكل مقلق وتأخر الزواج (العنوسة) نتيجة تغير أنماط الحياة الاقتصادية والاجتماعية في مجتمعنا المعاصر وتشير العديد من التقارير الوطنية الى تراجع مهول لمعدلات الزواج مع تزايد ملحوظ في تأخر سن الزواج والعزوف عنه حيث تبلغ نسبة العزاب الذين لا يرغبون في الزواج قرابة 51% وفي المقابل نجد ارتفاعا ملحوظا في قضايا الطلاق والتطليق حيث تسجل المحاكم المغربية معدلات قياسية تتجاوز 110 حالة طلاق يوميا أي ما بين 65 الف الى 70 الف حالة طلاق وتطليق سنويا يمثل فيها الطلاق بالتراضي أو الطلاق الاتفاقي نسبة تقارب ما بين 89% الى 96% من حالات الطلاق، أما التطليق (طلاق الشقاق) الذي تبت فيه المحاكم فتبدو نسبته ضئيلة جدا، كما تتصدر النساء قائمة طالبي انهاء العلاقة الزوجية بنسبة تقارب 58% وهو ما زاد من ارتفاع نسبة الأسر التي ترأسها النساء الى 20% على الصعيد الوطني بعدما كانت تقدر ب16% في عام 2014 أي ما يقارب خمس مجموع الأسر المغربية. أما عقود الزواج فتسجل محاكمنا الأسرية حوالي 250 ألف عقد زواج مع تراجع تعدد الزوجات داخل الأسر المغربية بنسبة لا تتجاوز0.3% من مجموع الزيجات.
هذه الأرقام والإحصائيات المعبّرة عن الوضعية المقلقة لظاهرتي الزواج والطلاق لها تأثير مباشر وخطير على التماسك الأسري والترابط الزواجي في ظل المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والقيمية. ان تراجع نسبة الزواج وارتفاع معدلات العنوسة بين الإناث والذكور يطرح على منظومات الدولة ومؤسساتها الاجتماعية والدينية البحث عن آليات ناجعة ومسارات واضحة للحد من ارتفاع أعداد ونسب الطلاق مع الرفع من سقف المكون الزواجي والبناء الأسري، ولتحقيق هذا الطموح الاجتماعي والإنساني لابد من معالجة أسباب الفشل في العلاقات الزوجية والحد من ارتفاع ظاهرة الطلاق والتي تتقاطع فيها التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي والجهل بأحكام الشرع ومقاصده والعنف الزوجي والمشاكل الاقتصادية والمالية والتدخلات السلبية للأسر والأقارب:
الجهل بأحكام الشرع ومقاصده
يعد الجهل بأحكام الشرع ومقاصده في مسألتي الزواج والطلاق من أخطر التحديات التي تهدد تماسك الأسرة ويسبب في هدم هذا “الميثاق الغليظ” حيث تتطلب أحكام الزواج والطلاق تفقها بالأحكام الشرعية ومقاصدها لتجنب السقوط في المحظور أو اتخاذ قرارات مصيرية مبنية على مفاهيم الجهل الشائعة ومن أمثلة ذلك أن موضوع الطلاق يحضر في مقرراتنا وكتبنا المدرسية والجامعية والثقافية عامة أنه أمر جائز شرعا ومباح تشريعا جهلا بأحكام الطلاق وأنواعه وجهلا بأحكام الزواج وواجباته وحين يستشهدون بالحكم الديني أو يأخذون بالرأي الفقهي يستندون الى فهومات خاطئة للقوامة ولأحكام الطلاق ويتساهلون في مسألة الطلاق ولو أن (أبغض الحلال الى الله الطلاق) وكأن حكم الطلاق جائز شرعا وحلال مباح كباقي أحكام الأكل والشرب والنوم !! مثل هذه التصورات التي يتناقلها أفراد المجتمع عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها لا تضع الزواج في منزلته الشرعية الحقيقية وتحول أحكامه وأحكام الطلاق الى مجرد أحكام عادية تجعل الكثيرين يستسهلون قرار الزواج كما يستسهلون قرار الطلاق وكأن الأمر يعني أداء غرامة وطي الملف نهائيا ودون استحضار الآثار المترتبة عن هذا الذي سماه الله تعالى بأبغض الحلال فكيف يبغضه الله تعالى ويستسيغه عبده ؟؟؟
اللبس في استخدام مفهومي الزواج والطلاق
يكمن اللبس في استخدام مفهومي “الزواج” و”الطلاق” في الخلط بين المعاني الشرعية والقانونية وبين الممارسات الثقافية والمجتمعية، فالزواج ليس مجرد “عقد مادي” جاف أو “شراكة تجارية” بل هو “ميثاق غليظ” والطلاق ليس مجرد “انهاء تعاقد”. ان الزواج والطلاق هما منظومتان متكاملتان تتضمنان مجموعة من الحقوق والواجبات وتتطلبان فهما دقيقا للمقاصد والحقوق وعليه يجب ازالة اللبس بين مفهومي الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية، كما يجب أن لا يطغى مفهوم الحرية الفردية باتخاذ قرار الزواج والطلاق على مفهوم المسؤولية الاجتماعية التي تحمي مؤسسة الزواج والأسرة. ويعد الزواج من الحريات العامة مما يقتضي ضرورة التمتع بكامل الإرادة والحرية في تقرير الزواج من عدمه وفي اختيار الشريك الذي سيقاسمه الحياة دون شرط أو قيد لكنه يقترن بتكوين الأسرة مما يستلزم مسؤوليات أخلاقية واجتماعية لضمان استقرار المجتمع والاسرة.
التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي :
وسائل التواصل الاجتماعي لها دور سلبي في تعزيز صور نمطية عن المرأة والحب والزواج مما يخلخل الاستقرار الأسري ويساهم في ارتفاع معدلات الطلاق بسبب ضعف وتراجع التواصل المباشر بين الزوجين وزرع الشكوك وانهيار الثقة وخلق الفجوة العاطفية وتسهيل الخيانة الزوجية المادية منها والرقمية، وساهمت هذه الوسائل الحديثة في افساد العلاقة الزوجية أو تحريض أحدهما ضد الآخر (التخبيب) وزرع الشكوك بين الزوجة والزوج وانتشار سلوكيات شاذة تهدد استقرار الحياة الزوجية الطبيعية ومعها يتراجع التواصل العاطفي لتحصل الفجوة العاطفية ثم “الطلاق العاطفي” وبعدهما الطلاق الفعلي .. وتروج وسائل التواصل الاجتماعي لنماذج “مثالية” للجسد الإنساني والحياة “المثالية” في العلاقات العاطفية المزيفة لدفع الأزواج الى مقارنتها مع شريكات حياتهم عبر تلك الصور النمطية مما يولد شعورا دائما بعدم الرضا فتتولد علاقة ندية بفعل انتشار التأثير السلبي لهذه الوسائل ولما تنشره من أفكار نسوية أكثر تطرفا ودعوة لحرية واستقلالية المرأة في اشباع غرائزها خارج مؤسسة الزواج وعلى حساب استقرار الحياة الزوجية وتماسك الأسرة.
التغيرات والتصدعات القيمية:
ان الأوضاع المستجدة في واقعنا الأسري والمجتمعي من قبيل ارتفاع نسبة التعليم في صفوف الإناث واقتحام المرأة لكل مجالات الحياة والعمل واتساع فرص اثبات الذات جعل مؤسسات مجتمعية أخرى ترى في هذا الاقتحام خللا للنظام القيمي وتهديدا للنظام الأسري التقليدي كما أن فرص ولوج المرأة العمل ونجاحها في بناء مشاريعها المهنية والاجتماعية حقق لها مساحة واسعة من الحرية والاستقلالية المادية والاجتماعية وانتقلت النظرة من الزواج كواجب اجتماعي وضرورة للإنجاب الى شراكة مبنية على الاستقلالية والمساواة وتكافؤ الفرص في تحقيق الذات وتقاسم الأدوار الأسرية في تحمل المسؤوليات مما عزز حضور وهيمنة الثقافة النسوية وثقافة الندية والصراع وهو ما يعكس التحولات القيمية التي تعرفها مؤسسة الزواج في مجتمعنا ويعكس عملية اعادة تشكيل لوظائفها ومعانيها داخل سياق اجتماعي وثقافي متغير وهو ما أثر على العلاقات الزوجية وعلى التماسك الأسري.
فهل يمكن بناء وعي زواجي مستديم للوصول الى تماسك أسري متين؟
رغم ما تشير اليه الإحصائيات الوطنية من ارتفاع في عقود الزواج (250 ألف عقد زواج سنويا) الا أن غياب الاستدامة وتزايد المشكلات والتصدعات التي باتت تتهاوى عندها هذه الرابطة الزواجية المقدسة تؤكد اليوم على أهمية ايجاد البرامج الوطنية المعززة لهذا الرباط والمؤصلة له والساعية نحو المحافظة عليه وديمومته وبقائه والتقليل من تأثير الظروف المادية والخلافات الأسرية والجوانب المتعلقة بالحرية الشخصية والاستقلالية واستخدام المنصات الاجتماعية من أن تؤثر سلبا على هذه الرابطة الإنسانية والأخلاقية المقدسة وذلك عبر ايجاد المبادرات الوطنية الداعمة لهذا الرابط والمحافظة على قدسيته والحفاظ على التوازن الأسري في التعامل مع هذه المعطيات التي باتت تشكل هوية الأسرة وتوجه مسارها وتضبط حركة ايقاعاتها .
اذا كانت الأحكام الشرعية ومدونة الأسرة تؤكدان على مدى تقديسها لهذا الرباط المقدس وتقديرها لهذه الشراكة الروحية والإنسانية والاجتماعية التي تربط طرفي الزواج فقد جاءت الكثير من التشريعات والقوانين المدنية الأخرى لتنظيم الحياة الزوجية في كل مراحلها لحماية ما يهدد كيان الأسرة أو يقوض أركانها ويحافظ على سلامتها من كل التأثيرات السلبية وينأى بالأسرة عن كل ما فيه الضرر على الأبناء والزوجين وعلى المجتمع بما يضمن تجنيب الأسرة كل مزالق الشطط والانحراف ووقاية الأبناء ورعايتهم وابعادهم عن شبح الخوف والقلق والضياع والتشرد الناتج عن طلاق الوالدين أو سوء التفاهم الذي قد يحصل بينهما.
أوجد المشرع المغربي من التشريعات والقوانين والأنظمة والأحكام ما يراعي عمق هذا المكون والأبعاد المرتبطة به لذلك جاءت مدونة الأسرة لضمان حماية الأسرة بوصفها من أعظم المرتكزات التي تحافظ على هيبة المجتمع المغربي وخصوصيته مع اليقين بأن المكون الأسري في عمقه واتساعه يتفاعل بقوة مع مسيرة البناء الإنساني والوطني والأخلاقي.. لذا يجب على كل المؤسسات الوطنية الوثيقة الصلة بمؤسسة الأسرة تحقيق الأهداف المرجوة لبناء مجتمع متماسك وأسرة قوية. ومن جملة ما يجب القيام به:
- أن تستهدف هذه المؤسسات الوطنية رفع وعي المقبلين على الزواج واكسابهم المهارات النوعية والناعمة في التواصل الزواجي وادارة الخلافات الزوجية والإدارة المالية للأموال الخاصة أو المشتركة أو المكتسبة واستثمارها وتوزيعها والمساواة في تحمل المسؤوليات.
- تصحيح المفاهيم الخاطئة عن الزواج وتعظيم الإرشاد الزواجي وربطه بالمسؤولية المجتمعية والفهم العميق بأن الزواج شراكة ومسؤولية مجتمعية ووطنية مما يتطلب نضجا نفسيا وعاطفيا ووعيا دينيا وأخلاقيا وفهما عاما بالقوانين والتشريعات وهو ما يتحقق عبر تطوير مهارات التواصل الفعال وادارة الخلافات الثنائية والمتعددة والتدريب على تقبل الاختلاف.
- تبني برامج وطنية نوعية تعزز الوعي المجتمعي بأهمية الزواج وترتقي بجودة الحياة الأسرية ودفع المؤسسات الاجتماعية الوطنية والمحلية الى تتبع الحالات الإنسانية الناجمة عن الخلل في العلاقة الزوجية أو في نظام الأسرة والقيام والأشراف على برامج تطبيقية وتكوينية اما على شكل حلقات عمل حضورية أو جلسات تفاعلية أو مجموعات عمل منفصلة لتحسين مهارات التواصل الإنساني عند المقبلين على الزواج أو حتى الطلاق ومعرفة طبيعة النفسيات المختلفة لتعزيز النظرة الايجابية للزواج وتطوير المهارات اللازمة لبناء علاقات زوجية ناجحة وتعزيز ثقافة الحق والواجب.
- نشر الوعي حول أهمية الزواج والمسؤوليات المصاحبة له عبر وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والدينية لتوضيح مفهوم الزواج كركيزة أساسية لبناء المجتمع وليس كشراكة مادية أو تجارية.
انه لابد من اعادة الهيبة للأسرة المغربية عن طريق تعميق قيم تكوين الأسرة والمحافظة عليها وتصحيح الصورة السلبية حول ما يعنيه الزواج من التزام ومسؤوليات وواجبات أسرية وتأكيد منهج التوازن في هيكلية بنائها والتجديد فيها بما يحفظ لها هويتها وما تنعم به من روح التسامح والتناغم والمشتركات الأخلاقية والاجتماعية والسلوكية وتقاسم المسؤوليات والتي هي انعكاس لقيم الدين في تحقيق الاستقرار والتوازن على مستوى النسق والبناء سواء أكان زواجي أو أسري .
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة





















