الكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي يكتب…من أجل برلمان نظيف وهادف!
كتب اسماعيل الحلوتي
على غرار التجارب السابقة، يجري خلال هذه الأيام من العام الأخير للولاية التشريعية للبرلمان، سباق محموم داخل الأحزاب السياسية قصد الظفر بتزكية الترشح للانتخابات التي تقرر إجراؤها يوم: الأربعاء 23 شتنبر 2026، لكن الملاحظ هو أن الأمور تكاد تسير على نفس الطريق، من حيث غياب معايير واضحة وموضوعية في انتقاء المرشحين بالنسبة لعدد من الأحزاب، في ظل انعدام الديمقراطية الداخلية وهيمنة سلطة الأمناء العامين وبعض المنسقين الإقليميين، إذ غالبا ما يتم الاعتماد فقط على درجة الولاء والقرب من مراكز القرار، بدل الكفاءة والاستحقاق والنزاهة…
فلا حديث يدور هذه الأيام بخصوص الحياة السياسية إلا عن كون الترشح للانتخابات يخضع لمنطق “الزعيم” أكثر من أي شيء آخر، مما يشعل فتيل الصراعات الداخلية وينعش اللجوء إلى “قلب المعطف” والهجرة إلى أحزاب سياسية أخرى، إذ طالما تتحول بعض التنسيقيات المحلية بمختلف جهات المملكة في مثل هذه المناسبات إلى ما يشبه “الإقطاعيات الانتخابية”، حيث تقوم بعض القيادات الحزبية هنا وهناك ببسط سيطرتها على مجريات الأمور، من خلال استقطاب الأعيان والكائنات الانتخابية القادرة على الفوز بالمقاعد أكثر من غيرها، والتفاوض معها بعيدا عن العيون والأجهزة المركزية للحزب…
لكن يبدو أن الأمور لن تستمر في المحطة الانتخابية القادمة خلال سنة 2026 على ما كانت عليه من ميوعة في السنوات الماضية، خاصة في سياق محاولات إصلاح المنظومة الانتخابية والتعليمات الملكية السامية الداعية إلى تخليق الحياة البرلمانية وإقرار مدونة الأخلاقيات في المؤسسة التشريعية بمجلسيها، تكون ذات طابع قانوني ملزم. حيث لم تنفك الدولة تنكب على محاولة تطويق الظواهر المسيئة للعملية الانتخابية من ترحال سياسي، استعمال المال وشراء الذمم وسواه، إضافة إلى شروع بعض الهيئات السياسية في إبعاد كل من تلاحقه شبهات فساد أو من هو متابع قضائيا عن لوائح الترشيح، ومراجعة السلوكات التي ساهمت في ارتفاع نسبة العزوف السياسي وعدم المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، وذلك بإحداث “لجان وطنية” تهتم بدراسة ملفات طلب الترشح، معتمدة في ذلك على معايير حقيقية تشمل الكفاءة العلمية والخبرة السياسية والاستقامة والسمعة الشخصية ومدى قدرة المرشح”ة” على تمثيل الحزب سياسيا وأخلاقيا، فضلا عن خلو السجل القضائي من أي سوابق عدلية…
فمما لا يعرفه الكثير من المغاربة هو أن عمر البرلمان المغربي يتجاوز اليوم الستين سنة، حيث يعود تأسيس المجلس الوطني الاستشاري إلى عام 1956، الذي يعتبر النواة الأولى للبرلمان. وخلال عام 1963 في عهد الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه، تم إحداث أول برلمان مغربي مكون من مجلسين: مجلس النواب ومجلس المستشارين.
وما لا ينبغي تجاهله هنا، هو أنه بمجرد اندلاع الاحتجاجات الشبابية بمختلف المدن المغربية في أواخر شهر شتنبر 2025، بقيادة حركة “جيل Z” التي نقلت أنشطتها من الفضاء الرقمي إلى الشارع، للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية والخدمات الاجتماعية في قطاعي الصحة والتعليم، وتحقيق العدالة الاجتماعية وخلق فرص شغل للعاطلين ومكافحة الفساد، حتى سارعت الحكومة في اجتماع المجلس الوزاري المنعقد في أكتوبر 2025 تحت رئاسة العاهل المغربي محمد السادس، إلى التفاعل مع مطالب الشباب عبر الرفع من ميزانية قطاعي التعليم والصحة لعام 2026 بما يناهز 140 مليار درهم، لتحسين الخدمات الاجتماعية، حيث تضمنت الخطة خلق أزيد من 27 ألف منصب شغل لتعزيز الموارد البشرية، تأهيل 90 مستشفى، واتخاذها إجراءات عملية لتشجيع الشباب على الانخراط في الحياة السياسية والمشاركة في الانتخابات، والسماح لهم كذلك بالترشح في لوائح مستقلة…
إذ تم الحرص في إصلاح المنظومة الانتخابية على إيلاء تمثيل فئة الشباب اهتماما خاصا، لاسيما أولئك الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة، من خلال إقرار تحفيزات تساعدهم في تحمل مصاريف الحملات الانتخابية، بمنحهم دعما ماليا يغطي ثلاثة أرباع (75 في المائة) من مصاريف الحملات الانتخابية. وهو ما اعتبره عديد المهتمين بالشأن العام المغربي، تعبيرا صادقا عن مدى وعي السلطات العمومية بما يشكله الشباب من رأسمال حقيقي، وأن الاهتمام بهذه الفئة الاجتماعية يندرج ضمن استراتيجيات وطنية، تجعل منهم قاطرة للتنمية وحاملين لمشعل مغرب المستقبل، المغرب الحديث والمتطور.
فهناك كذلك من يرى في هذه الإصلاحات خطوة إيجابية في إطار التحضير للانتخابات المقبلة، وتعكس انطلاقة جديدة في اتجاه تعزيز البنية التنظيمية والقانونية للبلاد، وأن التمويل المباشر للشباب يمثل حافزا حقيقيا لانخراطهم في غمار السياسة والمشاركة في العملية الانتخابية، مما قد يؤدي إلى انتعاشة سياسية، من شأنها التأسيس لمنطق جديد يساهم بفعالية في القضاء على الريع وخلق مؤسسات في مستوى تطلعات الجماهير الشعبية، وخاصة فيما يتعلق بالبرلمان.
إن المواطنين بحاجة اليوم إلى انتفاضة حقيقية ضد كل تلك المهازل السابقة والطقوس الدورية لإعادة إنتاج نفس النخب المستفزة وغير المؤهلة لإحداث التغيير المأمول، وهم أشد حاجة إلى برلمان فعال وديمقراطي وأكثر انفتاحا على المجتمع، برلمان نظيف وهادف، برلمان خال من الفاسدين والانتهازيين، الذين يرجحون مصالحهم الذاتية والحزبية الضيقة على المصلحة العليا للوطن والمواطنين. برلمان يحظى باحترام الشعب ويمارس مهامه التشريعية والرقابية بنزاهة وشفافية، يتكون من كفاءات سياسية وقانونية، تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار… فهل يتحمل الناخبات والناخبون مسؤوليتهم بوعي في اختيار ممثليهم، بعيدا عن الشعارات البراقة أو الإغراءات المادية وغيرها؟ !
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة






















