اليسار المغربي والتجربة اليتيمة في الحكم.. فهل يتكرر سيناريو التناوب؟ للكاتب الصحفي ذ/ محمد بادرة
كتب … ذ/ محمد بادرة
رغم تآكل الثقة بالمؤسسات الحزبية وانحسار زخم الديموقراطية الذي رافق فترة الربيع العربي وتضاؤل الآمال التي كانت معقودة على المجتمع المدني للضغط والبناء من أجل تحقيق الإصلاحات الجوهرية ومحاربة الفساد … رغم كل هذه الانتكاسات ما تزال تجربة التناوب السياسي في المغرب التي قادها الزعيم اليساري الاشتراكي الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي بين سنتي 1998-و-2002 تثير الإعجاب والتقدير لأنها لعبت دورا كبيرا في إرساء قواعد الانتقال الديموقراطي والحقوقي في بلادنا وفي توسيع نطاق المشاركة السياسية في عملية صنع القرار عبر ثقافة المشاركة التي يكون فيها المواطنون وكل الفاعلين السياسيين يشعرون بأنهم مسؤولون على احداث تغيير وتأثير في السلطة السياسية ومن ذلك:
أ- القطع مع الموروث السياسي القديم بثوابته وثقافته وتقاليده المتجسدة في “تحكم” النظام السياسي وأحزابه الإدارية في المشهد السياسي وترسيخ دولة المؤسسات عبر تقليص دور وزارة الداخلية في الإشراف المباشر على الانتخابات ونقل تدبير الشأن العام تدريجيا للأحزاب السياسية…
ب- تطوير وتحسين آليات الديموقراطية المحلية للمجالس المنتخبة كمؤسسات تمثيلية تشرف على التدبير المحلي والموازنات المحلية مما يسمح بإدارة مباشرة لشؤون المواطنين وضمان ديموقراطية الحكم المحلي.
ج- تعزيز وتوسيع فضاء الحريات العامة من خلال مراجعة قانون الجمعيات، وتغيير قانون الصحافة، والمصادقة على ظهير يوليوز 2002 المتعلق بالتجمعات العمومية، مما عزز من حرية التعبير وحرية التنظيم، وتشكيل هيئات ومؤسسات كان من أهمها (الهيئة المستقلة لتعويض ضحايا الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري – الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري– المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية- التحضير لمدونة الأسرة…)– تعديل القانون الانتخابي والانتقال من الاقتراع الأحادي الى الاقتراع باللائحة مما قلص من استعمال المال الفاسد – التمثيل السياسي للمرأة في غرفتي البرلمان … غير أن نجاح هذه التجربة اليسارية في الحكم تتطلب بيئة سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية ومؤسسية توفر لها امكانية الاستمرارية والنمو بعيدا عن الانقطاع والتراجع ولذا طرحت الكثير من الأسئلة المربكة والمشككة عن هذه التجربة وخصوصا ما يتعلق بطبيعة ولادتها، والأجندة التي رسمت لها، والأهداف التي سعت اليها، وجيوب المقاومة التي واجهتها..
لكن الشحنة المعنوية التي ضخها تنصيب حكومة التناوب التوافقي في نفوس المغاربة عام 1998 شكلت بارقة أمل باعتبارها النسخة المغربية في الإصلاح السياسي والمؤسسي كإدخال اصلاحات بنيوية شاملة على مؤسسات الدولة، وتوسيع الحريات، وضمان استقلال القضاء، ونشر ثقافة المواطنة، وتجذير تيار التنوير والحداثة، واصلاح التعليم ومؤسسات التنشئة، وتأسيس دور فاعل للمجتمع المدني كقوة مضادة لمواجهة الفساد، وتفعيل حقوق المرأة وحمايتها .. هي تجربة سياسية يسارية رائدة فتحت البلاد على مصراعيها أمام مسيرة البناء الديموقراطي والاصلاح المؤسساتي والانتعاش الاقتصادي مما سيؤسس لقطيعة فعلية مع أصناف من الممارسة السياسية التي زجت ببلدنا سابقا في متاهات مظلمة أهدرت كل فرص اللحاق بركب التقدم والتنمية المستديمة، كما نوّهت وباركت المؤسسات الدولية الحقوقية والسياسية والنقدية والاقتصادية والإعلامية هذه التجربة المغربية الرائدة في الانتقال الديموقراطي واعتبرتها اجراء عمليا لانقاد البلاد من “السكتة القلبية”، فلماذا ثم تقويض بنيان هذا الحلم الديموقراطي ؟؟؟
اليسار الاشتراكي وتجاوبه مع المبادرة الملكية في الانتقال الديموقراطي
منذ سنة 1992 بدأت تروج وسط أحزاب المعارضة المكونة للكتلة الديموقراطية (الاتحاد الاشتراكي – الاستقلال – التقدم والاشتراكية – منظمة العمل ) أفكارا تدعو الى التوافق ولكن التوافق – حصرا- مع جلالة الملك الحسن الثاني وليس مع الأحزاب الإدارية استنادا الى الشرعية التاريخية لكل من جلالة الملك والحركة الوطنية. ولتوفير سبل النجاح الديموقراطي لهذه التجربة جاء دستور 1996 كبالون اختبار لنوايا الأحزاب الوطنية التي دعت الى التصويت ب(نعم) في اطار هذا التوافق وحيث جاء في التقرير الذي عرضه الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي أمام اللجنة المركزية للحزب يوم 4 شتنبر 1996 من أجل اقناع القواعد والقيادة الحزبية باتخاذ موقف ايجابي من مشروع الدستور لأن ( توفير الجو المناسب يتطلب من جانب الاتحاديين اعطاء اشارة قوية موجهة لمخاطبينا السياسيين … والى المستثمرين المحتملين) وترجم هذا التوافق على مستوى نتائج الانتخابات البرلمانية التي أسفرت عن أغلبية نسبية للأحزاب الثلاث (الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والتقدم والاشتراكية) ولإخراج حكومة بقيادة يسارية تحالفت أحزاب الكتلة ذات الأغلبية البرلمانية مع أحزاب اخرى لتشكيل حكومة نعتت في حينها بحكومة التناوب الانتقالي.
وفي ظل هذا المناخ السياسي التوافقي بدأ حزب التقدم والاشتراكية يعتمد على استراتيجية ترتكز بالأساس على تفادي كل موقف من شأنه ان يجعله عرضة للتهميش وكان يشارك حلفاءه في صياغة المطالب السياسية والدستورية ويوافق دون تردد على كل المبادرات التي تعرضها المؤسسة الملكية في الميدان السياسي مدافعا (عن الحكم مع جلالة الملك عوض أن يحكم الملك بغيرهم) وكسب نتيجة لهذه المواقف نتائج هامة على عدة مستويات في البرلمان وفي الحكومة (في البرلمان الأول كان ممثلا بعضو واحد -فقط – وهو أمينه العام المرحوم علي يعته ثم بنائبين برلمانيين ثم أصبح له فريق برلماني…) وفي الحكومة تقلد مسؤولية عدد من الوزارات ذات الثقل الاجتماعي (التعليم – الصحة- التعمير..) وكان الأستاذ علي يعته يصرح دوما باستعداده للمشاركة في الحكومة ولكن مع حلفائه (الاتحاد الاشتراكي – الاستقلال ) لكنه بعد ذلك شارك أمينه العام الحالي في الحكومة “الاسلامية ” التي قادها عبد الاله ابن كيران وبعده سعد الدين العثماني .
كانت مشاركة الأحزاب اليسارية في تجربة الحكم خطوة فريدة وغير مسبوقة في العالم العربي وكانت محطة سياسية فارقة تهدف لإشراك أحزاب المعارضة اليسارية في السلطة وتكريس الانتقال الديموقراطي بتوافق مع الملك الراحل الحسن الثاني ولكن رغم انجازاتها في الإصلاح السياسي والحقوقي الا أن حصيلتها أثارت جدلا بين من اعتبرها مرحلة انتقالية ناجحة ومن قلل من انجازاتها الاجتماعية..
وبعد اجهاض هذه التجربة الفريدة في الحكم عادت الأحزاب اليسارية المغربية لتعيش اليوم حالة من الجمود جعلت مستقبلها على المحك في ضوء تمثيليتها الضعيفة و”المذلة” في البرلمان بغرفتيه مما جعلها تفقد وزنها العددي والقيمي في المشهد السياسي .. لقد تجرعت الأحزاب اليسارية هزائم تلو الأخرى في الاستحقاقات الانتخابية وأرجع البعض هذه الهزائم السياسية والانتخابية الى غياب الرؤية الموحدة والقدرة على المنافسة على أساس برامج سياسية واجتماعية وثقافية مما أدى الى انقسامات داخلها وأجهض مشروعها السياسي وغرقت في التشتت والعزلة لحساب تيارات اخرى
فهل يمكن أن “نحلم” بتكرار تجربة التناوب اليساري على الحكم (الحكومة)؟
تكرار تجربة حكومة التناوب (1998_2002)بمساراتها الدقيقة غير مرجح بشكله التقليدي نظرا لاختلاف السياق الدستوري والسياسي الحالي (دستور 2011) عن فترة التسعينيات (دستور 1996)ومع ذلك تبقى فكرة التوافق السياسي بين المؤسسة الملكية والأحزاب التاريخية لتدبير المرحلة ممكنة.. لكنها لا يمكن أن تكون الا في اطار تحالفات حزبية مختلفة أو في اطار أقطاب حزبية رئيسية (قطب اليسار الديموقراطي – القطب الاصلاحي المحافظ – القطب الليبيرالي الاجتماعي) أي على أساس “التعددية السياسية” التي هي عنوان بداية تنمية الحياة الديموقراطية وليس على أساس “التعددية العددية” التي كلفت بلادنا اضرارا اجتماعية وسياسية باهضة !!!
كما يعود صعوبة تكرار “حلم” حكومة التناوب مع اليسار الى:
1- اختلاف السياق التاريخي والسياسي حيث أن تجربة عام 1998 كانت في اطار ما يسمى بالتناوب التوافقي لإنهاء صراع تاريخي بين المؤسسة الملكية والمعارضة اليسارية في المغرب بينما الوضعية السياسية الحالية مؤطرة في ظل دستور جديد (دستور 2011) الذي عزز من صلاحيات الحكومة والبرلمان وفيه يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب الفائز في الانتخابات ويمنح صلاحيات أوسع لرئيس الحكومة.
2- تغيير الخريطة السياسية حيث لم يعد حزب الاتحاد الاشتراكي هو الحزب الأقوى كما كان عليه الأمر في السبعينيات الى حدود بداية الألفية الثانية اذ أصبح اليوم حزب القوات الشعبية يعيش وضعية سياسية وتنظيمية هشة وصفها المتتبعين بالشأن السياسي بالوضعية الكارثية (تفكيك تنظيمي – تراجع انتخابي..) وحلت محله أحزاب أخرى اكتسحت المشهد السياسي الوطني كأحزاب العدالة والتنمية والأحرار والأصالة والمعاصرة في قيادة الحكومات مما يغير من قواعد التناوب التقليدي.
3- طبيعة التوافق: بالأمس كان التوافق مع المؤسسة الملكية لإنجاح مشروع التناوب الديموقراطي واليوم ومع دستور 2011 وقانون الأحزاب فالسعي للوصول الى رآسة الحكومة يتطلب تحالفات حزبية بين الأحزاب أو الاقطاب الحزبية تتقاسم على الأقل وحدة المرجعية الأيديولوجية ووحدة البرنامج السياسي ووحدة الرؤية الاستراتيجية المتعارف عليها في التحالفات التي تتشكل في الأنظمة الديموقراطية كما قد يكون التوافق في شكل تحالفات موسعة تضم فرقاء سياسيين مختلفين ايديولوجيا لكنها تظل محكومة بضرورات تدبير (الارث السياسي والاجتماعي الثقيل) ومواجهة الاستحقاقات الكبرى.
4- جيوب المقاومة حيث لا تزال جيوب المقاومة (الحرس القديم) تعمل لإسقاط كل عمل سياسي أو حكومي يعارض أو يهدد مصالحها وتنصب الفخاخ أمام كل مشاريع قوانين تحارب اقتصاد الريع والامتيازات وقد كان عبد الرحمان اليوسفي يردد دائما في أكثر من مناسبة ما كان يسميه (جيوب المقاومة) والتي كانت في حالة استنفار قصوى وكانت تحشد أنصارها ضد تجربة التناوب لأنها لمست فيها معولا سيهدم ما حصلّته من امتيازات وما راكمته من ثروات وأي استكانة أو جمود من طرفها سيفقدها موقعها وقلاعها التي حصنتها ورعتها.
فهل يمكننا الحلم بعودة اليسار المغربي الى سدة الحكومة؟ …
الى حين أن يتحقق هذا الحلم يمكننا ان نردد مع فيلسوف الأمل “ارنست” قولته الشهيرة (الغد يحيا في اليوم والناس تتطلع اليه على الدوام ) ونعني بها أن العودة المأمولة لأحزاب اليسار لن تكون الا على أساس الدفاع عن القضايا الاجتماعية والحقوقية والثقافية للمواطنين وليس الاندفاع بقوة الى “السوق” السياسية بطريقة مرتجلة !!!
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة





















