هل أخنوش مع المواطنين أم الفراقشية؟! للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي
كتب اسماعيل الحلوتي
“الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة” وهو المثل الذي ينسحب إلى حد ما على المغاربة الذين يضعون ثقتهم في بعض الفاعلين السياسيين ويمنحونهم أصواتهم في الاستحقاقات الانتخابية، وخاصة منهم أولئك الذين يعتقدون أن الدور المحوري للحكومة يكمن في توفير الإطار التنظيمي والخدمي، الذي يتيح للمواطنين العيش في بيئة آمنة، والحرص الشديد على تحسين ظروف عيشهم وحماية قدرتهم الشرائية من الاحتكار والمضاربات، ولاسيما في أوقات الأزمات الاقتصادية، من خلال تدخلات متعددة المستويات، تشمل المراقبة الصارمة للأسواق الوطنية ودعم المواد الأساسية وغير ذلك كثير…
حيث أنه وبينما كانت أصوات الشجب والاستنكار تتعالى منددة بغلاء الأسعار، وتضع الكثير من الأسر أيديها على قلوبها، خوفا من أن يصدمها ارتفاع أسعار أضاحي العيد هي الأخرى، لاسيما في ظل ما باتت تشهده أسعار اللحوم الحمراء خلال السنوات الأخيرة من ارتفاع قياسي أضر كثيرا بالقدرة الشرائية للطبقات الفقيرة والمتوسطة على حد سواء، إلى جانب أسعار المحروقات التي أرخت بظلالها على باقي المواد الأساسية من خضر وفواكه وأسماك وغيرها. حيث أن ما لم يستسغه معظم المواطنين المغاربة هو أن تتوفر الأغنام بكثرة في بلادنا خلال السنتين الأخيرتين دون الحاجة إلى استيرادها كما في السابق، ومع ذلك مازال سعر لحم الغنم مرتفعا في الأيام الأخيرة، إذ يتراوح ما بين 120 و140 درهما للكيلو غرام الواحد، فيما يتراوح لحم العجل ما بين 90 و110 درهم للكيلو غرام الواحد، ونحن على بعد أسابيع قليلة من حلول عيد الأضحى، في سياق يتسم بضغط كبير على جيوب المغاربة التي أنهكها الغلاء الفاحش…
فإذا بعدد من النشطاء يتداولون بنوع من التهكم والسخرية فيما بينهم وعلى نطاق واسع شريط فيديو يظهر من خلاله رئيس الحكومة عزيز أخنوش في جلسة عمومية بمجلس النواب أثناء مناقشة الحصيلة الحكومية، وهو يتحدث بمنطق التاجر الكبير الذي لا يفكر عدا في الكسب السريع، موجها رسالة واضحة ومباشرة للشناقة والفراقشية، محذرا إياهم من مغبة الاستمرار في انتظار مزيد من الدعم أو ارتفاع الأسعار، والاحتفاظ بالقطيع بدل الشروع في البيع منذ الآن حتى لا تتراجع الأسعار مستقبلا، قائلا أمام البرلمانيين وتحت أنظار ملايين المشاهدين: إن “من يحتجز المواشي فهو مخطئ، وعليه الذهاب بها فورا إلى الأسواق، لأن دخول الجميع دفعة واحدة وفي الوقت ذاته للسوق، من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض أسعار الأضاحي” و”هادشي اللي بغا المواطن” وكأنه بذلك لا يريد للمواطن أن يكون راضيا ومسرورا !
وهو التصريح الذي بدا ملتبسا للكثيرين، مما أدى ببعضهم إلى الانبراء له وعدم تركه يمر مرور الكرام دون الرد عليه بشدة في ظل هذه الموجة من الغلاء المقلقة والمؤرقة، إذ لم يلبث أن فجر ردود فعل غاضبة في أوساط المواطنين وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، حيث هناك من اعتبره كلاما غير مسؤول من رئيس الحكومة لعدم مراعاته حساسية الظرف الاجتماعي في وقت مازالت فيه الأسعار حارقة داخل المتاجر والأسواق الوطنية، والقدرة الشرائية لغالبية الفئات الاجتماعية تتأكل بشكل لافت، متجاهلا الاحتقان الاجتماعي المتصاعد منذ تعيين النسخة الأولى من حكومته.
بيد أنه في المقابل لا يمكن نكران وجود مهتمين آخرين بالشأن العام ببلادنا، ممن رأوا في ذلك التصريح دعوة خالصة من أجل ضبط أسواق بيع الماشية، والتصدي لمختلف أساليب المضاربات التي تلهب الأسعار وتثقل كاهل المواطنين، مؤكدين أن الاحتفاظ بالقطيع في الحظائر لن يعمل سوى على تفاقم أزمة الأسعار وتعميق جراح المواطنين، وأن منطق العرض والطلب يقتضي تزويد الأسواق بأعداد وافرة من الأضاحي لتخفيف الضغط على المستهلك. خاصة أن أخنوش شدد في معرض كلمته على أن الدولة قامت برصد غلاف مالي يقدر بحوالي 13 مليار درهم لدعم مربي الماشية، أمام التحديات المناخية الصعبة. وزاد موضحا بأن هذه الاعتمادات صرفت جميعها بالفعل، ولم يعد هناك من وجود لأي دعم إضافي آخر، مما يعني أنه بات من الضرورة بمكان أن يسارع المهنيون إلى تسويق المواشي بدل إضاعة الوقت في انتظار المزيد من التدخلات الجديدة…
وسواء أراد فقط رئيس الحكومة عزيز أخنوش من خلال تصريحه، تحذير معشر “الكسابة” الذين استفادوا من الدعم العمومي من عاقبة التلاعب بالأسعار، أو أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد سوء فهم لكلامه الذي لم يكن واضحا بما فيه الكفاية، فإنه وبالرغم من فقدان المواطنين الثقة في حكومته، أبى إلا أن يصر على طمأنتهم بخصوص تطورات الأسعار، ويؤكد لهم حرصه الشديد على انخفاضها، مادام المهنيون قد تلقوا رسالته بكامل الوضوح، خاصة أن الرهان على تأخير عرض المواشي أو المضاربة بالزمن لن يكون إلا خاسرا أمام وفرة العرض، فضلا عن أن حكومته تتابع باهتمام وعن كثب حركية الأسواق من أجل ضمان وصول اللحوم إلى الأسر المغربية بجودة عالية وأسعار منصفة.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة






















