بوانو على خطى كبيرهم! للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي
كتب اسماعيل الحلوتي
على غرار كبيرهم الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق عبد الإله ابن كيران، الذي ما انفكت خرجاته الإعلامية تستفز المشاعر وتثير الكثير من الجدل، يحرص رئيس المجموعة النيابية للحزب عبد الله بوانو على استغلال تدخلاته بمجلس النواب في دغدغة عواطف المواطنين قصد استمالتهم، محاولا بذلك إعادة التوهج ل”المصباح” الذي فقد بريقه إبان قيادة الحكومة على مدى ولايتين متتاليتين، أذاق خلالهما للمغاربة كل أشكال القهر والمرارة والظلم، من حيث سوء التدبير، القرارات اللاشعبية والإجهاز على أهم المكتسبات الاجتماعية، فضلا عن الإخلال بالوعود بخصوص تحسين ظروف العيش، تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، الحد من معدلات الفقر والبطالة والهدر المدرسي ومكافحة الفساد…
فلا أحد اليوم من المتتبعين للشأن العام ببلادنا وغيرهم يمكن له أن ينكر أن عبد الله بوانو عضو مجلس النواب ورئيس المجموعة النيابية لحزبه “العدالة والتنمية”، بات من أكثر نواب الأمة نشاطا على مستوى طرح الأسئلة الكتابية والشفوية وغيرها، حيث استطاع فرض اسمه على مختلف وسائل الإعلام بعد تمرسه على العمل النيابي واكتساب الجرأة على الكشف عن عديد القضايا وتفجير عدة فضائح في الشهور الأخيرة، ومن بينها الكشف عن معطيات صادمة حول بعض الأدوية التي تشترى بدرهمين ونصف فقط من دولة الهند وتباع للمغاربة بأزيد من خمسين درهما، وعن فضيحة الصفقات المشبوهة للأدوية بوزارة الصحة، التي شملت اتهامات بتضارب المصالح، إثر تفويت إحدى الصفقات لوزير آخر في الحكومة، وما إلى ذلك من التجاوزات على مستوى المصحات الخاصة…
بيد أن ذلك لا يشفع له التمادي في خطابه الشعبوي المقيت، بحثا عن “البوز” واستمالة أصوات البسطاء الانتخابية، حيث لم يعد يلج المؤسسة التشريعية بصفته ممثلا للأمة، تتمثل أدواره الأساسية ليس فقط في التعبير عن إرادة المواطنين والدفاع عن مصالحهم، بل في صياغة القوانين التي تنظم حياتهم في مختلف المجالات ومناقشتها والتصويت عليها، مراقبة وتوجيه عمل الحكومة عبر آليات دستورية كالأسئلة الكتابية والشفوية، المشاركة في لجن تقصي الحقائق وملتمسات الرقابة، ثم دراسة وتقييم مدى نجاعة البرامج والسياسات العمومية التي تطبقها الدولة في سبيل تلبية احتياجات المجتمع…
فمن بين الأشياء التي تعاب على “بوانو” تلميذ ابن كيران المطيع، أنه أصبح يسير على نهجه في محاولة استغلال كل كبيرة وصغيرة من الأحداث لأغراض سياسية وانتخابية ضيقة، حيث أنه وكما سبق لكبيرهم الأمين العام للحزب أن أثار جدلا واسعا خلال نفس الفترة من السنة الماضية (شهر يونيو) إثر تطاوله على المؤسسة العسكرية والزج بها في معارك انتخابية، متجاوزا بذلك حدود الوقار الواجب لقائدها الأعلى الملك محمد السادس، إثر تعبيره الصريح خلال اجتماع الأمانة العامة للحزب في 31 ماي 2025 عن رفضه مشاركة عناصر من الجيش الإسرائيلي في مناورات “الأسد الإفريقي” التي جرت فوق التراب الوطني، معتبرا أن الأمر “لا يجوز شرعا ولا ديمقراطيا ولا وطنيا”.
أبى هو الآخر إلا مهاجمة الحكومة من خلال إقحام حادث أمني مرتبط باحتجاجات حركة “جيل زد” في سياق نقاش سياسي، أثناء الجلسة الشهرية التي انعقدت يوم الاثنين 8 يونيو 2026 بمجلس النواب، وكانت مخصصة لمساءلة رئيس الحكومة عزيز أخنوش حول موضوع “دور منظومة التربية والتكوين في بناء المغرب الصاعد”. إذ أنه وفي إطار مداخلة برلمانية اتسمت بنبرة حادة ونظرات متوعدة وحانقة، وجه انتقادات شديدة اللهجة لرئيس الحكومة أخنوش، عبر مجموعة من الملفات الاجتماعية والاقتصادية، واعتبر اختيار موضوع الجلسة لا يعكس أولويات المواطن، في ظل استمرار غلاء الأسعار وانهيار القدرة الشرائية، وخاصة أزمة أضاحي العيد…
والأخطر من ذلك تحذيره من تصاعد منسوب الاحتقان الاجتماعي في عديد القطاعات، واتساع دائرة الغضب والاحتجاجات، إذ قال بلغة الواثق من نفسه “منذ عام 1981 لم تشهد شوارع المغرب إطلاق الرصاص ضد المحتجين إلى أن جاءت هذه الحكومة” في إشارة إلى ما شهدته مدينة القليعة ليلة فاتح أكتوبر 2025 من أحداث دامية خلال احتجاجات حركة “جيل زد” الشبابية، إثر اندلاع مواجهات عنيفة بين قوات الأمن و”المتظاهرين”، تخللتها أعمال تخريب وإحراق سيارات ومنشآت عمومية، والهجوم على مركز للدرك الملكي في محاولة الاستيلاء على الأسلحة والذخائر، مما خلف مقتل شابين وإصابة عدد آخر من المتظاهرين ورجال الأمن…
وهو ما أثار حنق الكثير من المواطنين الذين منهم من يرى أن ليس هناك من مثل ينطبق على بوانو أفضل من ذلك الذي يقول “ياكل مع الذيب ويندب مع السارح”، أما أعضاء مكتب مجلس النواب فقد قرروا ردا عليه بإصدار بلاغ حول مداخلته الخطيرة، تعبيرا عن إدانتهم لما ورد فيها من تصريحات رعناء واتهامات باطلة، تمس مؤسسة الدرك الملكي، التي اضطر عناصرها إلى إطلاق النار على بعض الملثمين، دفاعا عن النفس وحفاظا على ممتلكات المركز…
فانطلاقا مما حدث يمكن القول “من كثر كلامه كثر سقطه” وهي حكمة تعني أن كثرة الكلام تؤدي حتما إلى ارتكاب عديد الزلات والأخطاء الفادحة. ولنا أن نتساءل هنا كيف لرجل قضى أزيد من عشرين سنة من العمل النيابي في البرلمان، وقاد حزبه الحكومة على مدى عقد من الزمن، أن يتجرأ على الدولة ويتهمها بإطلاق الرصاص على أبنائها لمجرد أنهم طالبوا فقط بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، حسب رأيه؟
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة





















