آليات الخطاب النحوي ووظيفتها في بناء دلالة بنيات التخطيب عند عبدالجبار الساكت .للكاتب والناقد الادبي سعيد فرحاوي
الناقد الأدبي سعيد فرحاوي الصويرة
_1_ أليات الخطاب النحوي ودورها في تقطيع النص الشعري عند عبدالجبار الساكت:
يمكن تقطيع هذا النص حسب المقاطع التالية:
المقطع الأول يشكله العنوان:
(ويبقى غيظنا فينا سرا دفينا)
اعتمدنا هنا على معيار ان العنوان يشكل المركز المنظم للنص ككل؛ لعدة أسباب؛ منها أنه وحده يستطيع ان يشكل نصا مستقلا بذاته قادرا على بناء وانتاج دلالة متكاملة بكل خصائصها. هنا حدد الموضوع (الغيظ) في صيرورة خاصة وبتجليات محددة يمكن للذات الجماعية ان تستمر في رسم حدود السر الذي يراه السارد مقصدية في مجال العالم الدفين؛ بصفته لغزا من ألغاز العتاب الذاتي ؛ المحصور في زمن ممتد بين عالمين:
_ أ- الماضي: الذي أشار إليه بمؤشر دلالي واضح؛ مادام انه مازال مستمرا وحاضرا بتراتب انطلق من الزمن السابق؛ ومازال حاضرا بشكل ممتد في الحاضر ؛ والقرينة هي :(ويبقى). وهي علامة تشويرية تحدد طبيعة التواصل المحدد في مجالين زمنين متلاصقين.
_ب_الحاضر: تدل عليه كلمة ويبقى؛ وهي دالة على الاستمرار والتلازم ببن السابق والقادم.
مقطع تحدده علامات تشويرية دالة تتمثل في العلامات الزمنية المتواصلة بين شقين متلاصقين؛ كما تحدده علامات تشويرية تمثل في الضمير الجماعي:(نا)؛ : غيظنا.
كما اعتمدنا على المؤشر الدلالي في عملية التقطيع وحصر العنوان في المقطع الأول؛ لأنه كعنوان يفيد دلالة تامة ومفيدة قابلة ان تستقل بذاتها بشكل منعزل لتنتج نصا متكاملا:بدلالة حصرها في الغيظ المحصور في الذات الجماعية الذي كان ومازال فينا سرا تاما في زمنين متلاحقين.
المؤشر الرابع الذي اعتمدناه في عملية التقطيع يمثله عامل ان العنوان قابل ان يشكل مركزا منظما للقصيدة؛ كما هو عامل موجه يحدد الأرضية المنطلق التي تبني القصيدة وتوجهها صوب الهدف المشكل المقصدية الأساس في إنتاج كتابة بتمفصلات متعددة.
المقطع الثاني يبتدئ من :
(احمله معك حيث ماكنت
تجرع مرارته كل يوم قطرات قطرات
اجترره وجعا على الأرصفة
وفي المقاهي والحانات)
انتهى المقطع الموالي عند السطر الأخير؛ هنا اعتمدنا على معايير مختلفة في عملية التقطيع. منها معيار الضمير؛ هنا تحول الشاعر من المتكلم الذاتي الجماعي إلى ضمير المخاطب المفرد :انت؛ تحول غير فيه الشاعر الوجهة من الذات الجماعية إلى ذات اخرى ليشركها ويستحضرها ان تعيش معه نفس الغيظ و طبيعة ماجعله دفينا بسرية تامة في زمن سابق ومازال حاضررا في حاضر متأسف عنه؛ أولا لأنه غيظ؛ وثانيا لأنه يشكل لغزا مدفونا في أعماق تتكلم بحصرة تدل بوضوح عن قلق داخلي دفين. لكن الشاعر تخلص من الماضي فترك المخاطب يتجرع مرارة هذا الغيظ في زمن محصور في الحاضر والمستقبل.
المقطع الثالث يبتدئ من :
(فهل رأى الشعب سكارى
مثل من يفشون السر هكذا
تصفيقا زغاريد وهتافات
في الملاعب والمحافل والحفلات
خمرة لو سقيت في مأتم
لانقلب البكاء على الفقيد إلى قهقهات
أو زاد مريد في زاوية منها رشفة
للرقص بعمامته شد وسطا ترهل بكسكس الهبات
أوشكى جائع جوعه لأحد بها انتشى
قال له انتظر مائدة كمائدة المسيح
تعدها في الغيب مبادرات).
في هذا المقطع تغير الضمير من المخاطب المفرد ومن الأنا الجماعية ليصبح المخا طب هو الآخر الغائب(الشعب) ؛ فتصبح الدلالة تبئر الكل بدون استثناء:الأنا الجماعية المخاطب المفرد والغائب الجماعي؛ يكون بذلك عامل التوظيف النحوي فاعلا عامليا في إشراك الكل في دلالة الشاعر التي حددها في موضوع الغيظ الدفين في سرية تامة على كافة الأزمنة:
الماضي/الحاضر و المستقبل.
هنا اعتمدنا على عامل الضمير(الغائب الجماعي) كمعيار محدد لتحديد الانتقال إلى مقطع آخر بدلالة مستقلة وفي نفس الوقت مترابطة مع دلالة باقي المقاطع.
اما المقطع الاخير فيتشكل من :
(ونبقى كلما أفقنا سقينا
فلا فطام عن الأم ولا خلاص من ساقينا
فإن أخرجنا السكر من صمتنا
ونطق الجرح فينا
أوذينا
فصبرنا كعادتنا ونسينا
فإلى متى عن الجنون صبرنا يلهينا).
هنا عاد إلى الضمير الذاتي الجماعي ليعيد تأكيد الكلام السابق وفي نفس الوقت لبعيد إغلاق النص بنفس الإشارة التي ابتدأ بها لكن بدلالة تتشاكل وتشترك مع معاني المقاطع السابقة؛ في افق بناء نفس شعري متماسك ومنسجم ببناء معماري محكَم ؛ ساهم قي إنتاج صياغات دلالية جد متنفصلة.
_2_البنيات التركيبية ووظيفتها في النظام التخطيبي:
بنيات الخطيب:
_أ_الزمن:
كما رأينا اشتغل الشاعر على تلولب الزمن؛ مستحضرا الماضي والحاضر والمستقبل بلعبة تشاركية لعناصر الضمير بصيغ بنائية دالة؛ الهدف منها إشراك الكل في موضوعه/الغيظ.
_ب_ المكان:
كل الأمكنة تشكل مجالات الغيظ لأنها مجالات تكلم الصمت وتسكت الكلام؛ كما هي إرهاصات لهذا الألم الدفين في أعماق تحتضنها معاناة العادة؛ كما تتحكم فيها تيارات صبر كله حمق وجنون؛ لذلك هي أمكنة تتلولب وتتعب وتحتضن لغز الجرح وسكون الأفق المتقطع والمتلاشي. امكنة متعددة تخفي ماعجزنا عن إلغائه وتجاوزه؛ هي تارة ملاعب وتارة أخرى محافل؛ كما هي أمكنة الحفلات؛ لكنها في ظاهرها مغشوشة وفي عمقها مزيفة وماكرة.
_الانا :
تتعدد وتختلف؛ في تعددها تتعد مظاهر الألم وفي تنوعها يستمر الغيظ بكل الجنون يؤسس الزمن الغادر والمخادع.
_3_خلاصة عبارة عن استنتاجات :
نخلص؛ من خلال ماسبق دراسته لنص عبدالجبار الساكت؛ ان النص يبني دلالته بعدة تمفصلات؛ مشتغلا على تنوع الضمير؛ تارة يستحضر الأنا المتكلمة الجماعية؛ كما ينتقل إلى الضمير المفرد المخاطب؛ بعدها يتحول الى ضمير الغائب الجماعي؛ بالامتداد والحضور في زمن مستمر؛ مرة يستحضر الماضي؛ ثم الحاضر بعدها المستقبل؛ في أفق بناء دلالة متمفصلة موضوعها هو الغيظ الدائم والحاضر في كل الصيرورات ؛ من أجل بناء تيمة يشترك فيها الكل بشكل توريطي؛ وفي نفس الوقت إقناعي؛ مركزا على انا شاعرية خفية؛ هي الذات الشاعرة بصفتها مرسلا للنص؛ تخاطب مرسل إليه خفي يتلقى الخطاب كله بشكل ضمني؛ كل واحد منهما يقوم بوظيفة محددة:
_أ_ الذات الشاعرة تقنع المتلقي المرسل إليه بعنف موضوعها.
_ب_مرسل إليه مطالب بالقيام بوظيفة تأويلية؛ يحاول من خلالها إعادة إنتاج النص ليصبح عنصرا تشاركيا في عملية إنتاج النص. وإعادة صياغته.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة























