المساعد التربوي بين الصياغة الإدارية العامة ومبدأ تحديد الإختصاص
بقلم ذ،سعيد عطوش
في إطار المخطط الإقليمي للتكوين المستمر لسنة 2025 بمديرية أكادير إيداوتنان، تم إصدار وثيقة تعلن عن تنظيم دورة تكوينية لفائدة المساعدين التربويين تحت عنوان: “تقوية القدرات التدبيرية”. ولا أحد يختلف حول أهمية التكوين المستمر داخل المرفق العمومي، بل هو رافعة أساسية لتحسين الأداء وتطوير الكفاءات. غير أن التوقف عند بعض المصطلحات الواردة في الوثيقة، وعلى رأسها عبارة “القدرات التدبيرية”، يفتح نقاشاً قانونياً هادئاً حول حدود الصياغة الإدارية ومدى انسجامها مع مبدأ تحديد الاختصاص في القانون الإداري المغربي. الموضوع هنا لا يتعلق بالتشكيك في مشروعية التكوين، وإنما بمحاولة فهم الدلالة القانونية لعبارة قد تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تحمل أثراً مهماً حين توضع في سياق النظام الأساسي الجديد لموظفي وزارة التربية الوطنية. أولاً: مبدأ الشرعية وتحديد الاختصاص في القانون الإداري المغربي القانون الإداري المغربي يقوم على قاعدة واضحة: الإدارة لا تتحرك إلا في إطار ما يسمح به القانون. وهذا هو جوهر مبدأ الشرعية. ومن داخل هذا المبدأ يبرز عنصر أساسي هو تحديد الاختصاص. فالاختصاص ليس مجرد توزيع داخلي للمهام، بل هو عنصر قانوني جوهري يترتب عليه تحديد المسؤولية وصحة القرار الإداري. إذ يجب أن يكون واضحاً: من يملك سلطة اتخاذ القرار، وفي أي نطاق، وبناءً على أي سند قانوني. وأي تجاوز غير واضح لهذه الحدود قد يطرح إشكالاً يتعلق بالمشروعية، حتى وإن تم بحسن نية أو بدافع تسهيل العمل. ثانياً: موقع المساعد التربوي في النظام الأساسي الجديد النظام الأساسي الجديد ينص على أن المساعد التربوي يساهم في التدبير الإداري والتربوي، ويساعد في تنفيذ المهام الموكولة للمصالح المعنية. غير أن الصياغة جاءت عامة، واستعملت ألفاظاً مثل “المساعدة” و”المساهمة”، دون الدخول في تفاصيل دقيقة لطبيعة هذا التدخل وحدوده. وهنا يكمن الفرق الذي يجب التوقف عنده: هناك فرق بين أن يساهم إطار ما في تنفيذ مهمة تحت إشراف المسؤول المختص، وبين أن يمارس مهمة ذات طبيعة تدبيرية بشكل مستقل. الفرق قد يبدو بسيطاً من الناحية اللغوية، لكنه من الناحية القانونية يرتبط مباشرة بمسألة توزيع السلطة وتحمل المسؤولية. ثالثاً: الإشكال التأويلي لعبارة “القدرات التدبيرية” عندما ترد في وثيقة رسمية عبارة “تقوية القدرات التدبيرية”، فمن الطبيعي أن يُطرح السؤال: ما المقصود تحديداً بهذه القدرات؟ هل الأمر يتعلق بتطوير مهارات تنظيمية داخل نطاق الدور المساعد للمساعد التربوي؟ أم أن الأمر قد يُفهم على أنه توسيع لدوره ليشمل مهام ذات طابع تدبيري أصيل؟ الإشكال ليس في نية التوسيع أو التطوير، بل الإشكال ليس في نية التوسيع أو التطوير، بل في أن الغموض الاصطلاحي قد يفتح الباب أمام تأويلات مختلفة، خاصة في غياب تحديد دقيق لمجال هذه القدرات. وهنا يبرز مبدأ الأمن القانوني، الذي يقتضي أن تكون وضعية الموظف واضحة، وحدود مهامه محددة، حتى لا يتحمل مسؤوليات لم تكن منصوصاً عليها بشكل صريح في وضعيته النظامية. رابعاً: المثال التطبيقي وإشكالية التخصص الوظيفي في بعض المؤسسات التعليمية، يُلاحظ إسناد مهام ذات طابع انضباطي أو رقابي إلى المساعد التربوي، مثل معالجة حالات التأخر، أو السماح للتلميذ بالدخول إلى الفصل بعد تدخل تربوي. وهذه مهام ارتبطت تقليدياً بأطر الحياة المدرسية، التي ولجت الوظيفة وفق شروط تكوين ومستوى دراسي معينين يتناسبان مع طبيعة السلطة التربوية الممارسة. الإشارة إلى هذا المثال لا تهدف إلى إصدار حكم أو توجيه اتهام، وإنما إلى طرح سؤال قانوني واضح: هل الأمر يتعلق بمساعدة تنفيذية تتم تحت إشراف الإطار المختص؟ أم أننا أمام ممارسة فعلية لاختصاص يتطلب تأهيلاً خاصاً وتكليفاً محدداً؟ مبدأ التخصص الوظيفي يفترض وجود تناسب بين مستوى التأهيل وطبيعة المهام، خصوصاً حين يتعلق الأمر بقرارات ذات أثر انضباطي مباشر. وفي غياب ضبط تنظيمي دقيق، قد تختلط الأدوار، وتظهر منطقة غير واضحة بين الدعم والممارسة الفعلية للاختصاص. خامساً: بين المرونة التدبيرية وحدود المشروعية لا يمكن إنكار أن تدبير المؤسسات التعليمية يفرض قدراً من المرونة، خاصة في ظل ضغط الموارد البشرية وكثرة المسؤوليات. لكن هذه المرونة يجب أن تبقى في حدود ما يسمح به القانون. توسيع الأدوار بشكل ضمني، دون سند تنظيمي واضح، قد يخلق وضعيات ملتبسة تمس بمبدأ تحديد الاختصاص. ولهذا فإن دقة الصياغة الإدارية ليست مجرد تفصيل شكلي، بل هي ضمانة أساسية لحسن سير المرفق العمومي. كلما كانت المفاهيم واضحة، كلما تقلص مجال التأويل، وتعزز الأمن القانوني داخل المؤسسة. خاتمة الوثيقة موضوع النقاش هي في الأصل إعلان عن دورة تكوينية، غير أن بعض العبارات الواردة فيها تفتح نقاشاً مشروعاً حول حدود استعمال المفاهيم العامة في الخطاب الإداري. المسألة لا تتعلق برفض التكوين أو الاعتراض على تطوير الكفاءات، بل بضمان انسجام هذا التطوير مع: مبدأ الشرعية، ومبدأ تحديد الاختصاص، ومبدأ التناسب بين المهام والتأهيل. توضيح المقصود بعبارات مثل “القدرات التدبيرية” لا يخدم فقط المساعد التربوي، بل يحمي الإدارة نفسها، ويضمن وضوح الأدوار داخل المرفق العمومي التعليمي، بما يعزز الاستقرار المؤسسي ويحفظ التوازن في توزيع المسؤوليات.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة























