بقلم مصطفى فاكر الشماعية
لم يعد يفصلنا عن موعد الاستحقاقات الانتخابية 2026 سوى بضعة أشهر لنعرف الغث من السمين ،ولنميز الصادق من الكاذب ،حيث طفقت سلاحف السباق تؤتث المشهد السياسي وعقدت الأحزاب السياسية مؤتمراتها الوطنية،لتجديد الثقة وتكريس مفهوم التعيينات و الزعامة الابدية في مراكز القرار بدل الكفاءة و الاستحقاق .
المشهد السياسي في المغرب تسوده سحب كثيفة من الإحباط و اليأس بحيث لم يعد الهم منصبا على من سيتولى قيادة الحكومة الجديدة ،ومن سيتحمل عبء خسارة الاستحقاق،لأن الخسارة ستكون خسارة الوطن نفسه في حاضره و مستقبله، وستتحول الاحلام الوردية بمغرب جميل تسوده العدالة الاجتماعية،و تتقلص فيه الفوارق الطبقية إلى كابوس إجتماعي وقنابل موقوتة قابلة للإنفجار في أي وقت ،ومن أي مكان من مغربنا الحبيب ،إن لم يستنكف السفهاء من هذا الوطن عن تدمير الاقتصاد .
هذا اليأس لم يأت من فراغ،بل هو حصيلة حصاد لسنوات عجاف وتراكم لإخفاقات كثيرة في قطاعات عديدة أصابها العقم وفقر الدم.فالمشهد السياسي بكل مكوناته أغلبية و معارضة لم يعد قادرا على إنتاج الامل و أصبح جثة هامدة تنخرها أمراض البنيات المتعفنة و المتآكلة.
إن المؤسسات الدستورية بسلطاتها الثلاث :القضائية و التشريعية و التنفيذية أصابها الصدأ و الورم الخبيث،أعجاز نخل خاوية ،جسم بلا روح عاجزة عن القيام بوظيفتها الفضلى ،محمولة على نقالة من الوعود الزائفة.
لقد تحولت السياسة في نظر أغلبية المواطنين إلى مسرح للمهزلة،يتهافت فيه الجميع إلى كسب مكاسب شخصية ،و يمارس فيه طقوس المذلة و المهانة،هذه الصورة القاتمة التي أصبحت عند الناس ،دفعت نسبة المشاركة في الانتخابات إلى أن تعرف أدنى مستوياتها العددية ،حيث انتشر العزوف و الاستهجان بين صفوف المغاربة .
في مقابل هذا الانحدار السياسي هناك إعلام منخور ومشوه،لايهمه في الوطن سوى ما يقتاته من فتات زهيد ودراهم معدودة:محللون و إعلاميون يبيعون ذممهم و أقلامهم لمن يغدق عليهم ،فيطمسون الحقائق بثقافة سطحية تبريرية مما يغذي دوامة من الإهمال و اللامبالاة،و ينخرط البعض من مؤسسات الدولة و الاحزاب السياسية و التنظيمات النقابية و المجتمع المدني في تحقيق الثراء الفاحش و البذخ الدسم ،في حين أن الاغلبية المطلقة تعيش على عتبة الفقر.
المغرب في هذا المسار يسير بخطى حثيثة نحو منطقة البركان،ولن تنجو من حممها وقذائفها فئة دون أخرى أو طبقة بعينها،فالمغرب كما قال الملك محمد السادس يسير بسرعتين مضاداتين:سرعة يقودها السياسيون و من في فلكهم وأزلامهم في القضاء على معارضيهم و مناوئيهم مستغلين في ذلك كل إمكانيات الدولة حتى تبقى لهم وحدهم،و سرعة شعب في لم الشتات و تجميع القوة من أجل التغيير.
إن الفطن من الناس أمام هذا الوضع يشعر بالخجل،خجل عميق من انتمائه لهذا الوطن يقوده المفسدون،و ينتخب فيه الجهلاء و الاميون،خجل من هذا الوطن السعيد الذي يغرق في الوهم،لكن هذا الخجل لا يعمي البصيرة عن رؤية الهوية المغربية الاصيلة،تلك التي تختزن في ذاكرتها رموزا عظيمة من الشموخ و الكرامة ونظافة اليد .شخصيات و مواقف لاتزال حية في الذاكرة،يفتخر بها الشرفاء و النزهاء في هذا الوطن الغالي.
إنه شعور بالالم وهو استجابة طبيعية لواقع مترهل و بئيس ،و حزن لا يفارق النفوس اليقظة ،وليس أمام المرء إلا أن يحول هذا الالم إلى أمل يغير كثير من الاشياء،يغير الظلم و النهب و الاحتقار ويحول الاحساس بالعجز إلى قومة داخلية تعيد ترتيب الاولويات و تقطع دابر الجلاد الاكبر الذي اوكل الى الضحايا أنفسهم مهمة جلد ذواتهم و إلى إدمان التفاهة ،بل المطالبة بها و استجداؤها إذا قل عطاؤها مع دفع ثمنها بكل رضا.