كتب ..ذ/ العربي البقالي
  قراءة في تحولات العمل النقابي وأسئلة الوحدة المهنية ومآلات التجزيء داخل المدرسة المغربية لم تعد المشكلة في كثرة الأعياد والمناسبات التي أخذت تتناسل داخل منظومتنا التعليمية، من عيد المدرس إلى عيد المدير، وما قد يستجد من مناسبات تحمل أسماء فئات أو مواقع مهنية أخرى، فالمشكل أعمق من مجرد تعدد الاحتفالات، وأبعد من نقاش شكلي حول جدوى إحداث هذا العيد أو ذاك، إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو: ماذا بقي من الروح الجماعية التي كانت تؤطر نساء ورجال التعليم؟ وأين اختفت تلك الفكرة النبيلة التي جعلت من الانتماء إلى المدرسة العمومية قاسما مهنيا وإنسانيا مشتركا، يتجاوز اختلاف المهام والرتب والأطر والمسؤوليات؟ المفارقة أن هذه المناسبات، التي كان من المفترض أن تشكل لحظات للاعتراف بالمجهودات المهنية وتعزيز التضامن بين مختلف مكونات الأسرة التعليمية، أصبحت تعكس، في بعض تجلياتها، تحولات مقلقة في الوعي المهني والنقابي، فبدل أن تكون مناسبة لاستحضار المشترك، بات بعضها مدخلا لإبراز الاختلافات، وتكريس الحدود بين الفئات، وإعادة ترتيب العاملين داخل المنظومة وفق انتماءات جزئية لا تضيف بالضرورة شيئا إلى جوهر قضيتهم المشتركة، ولعل أكثر ما يثير الانتباه في هذا المشهد أننا أصبحنا نحتفي بالعناوين أكثر مما ننشغل بالمضامين، وننفق من رصيدنا الرمزي في صناعة المسميات أكثر مما نستثمره في الدفاع عن الكرامة المهنية وتحسين شروط العمل والارتقاء بأوضاع نساء ورجال التعليم، بل إن هذه المناسبات لم تمنح الشغيلة، في كثير من الحالات، حتى امتياز يوم عطلة، لكنها نجحت، على مستوى الخطاب والتمثلات، في توسيع المسافة بين مكونات الجسم التعليمي، وكأن المطلوب منا أن نتعلم كيف نختلف حول أسماء الاحتفالات قبل أن نتفق حول واقع المدرسة العمومية ومستقبل العاملين فيها. * من عيد يجمعنا إلى مناسبات قد تفرقنا * كان الاحتفاء بعيد المدرس، في معناه الرمزي، تعبيرا عن الاعتراف بمهنة التربية والتعليم، وعن تقدير المجهود الذي تبذله مختلف مكونات المنظومة في بناء الإنسان وصناعة المستقبل، لم يكن ضروريا أن تتطابق المهام والمسؤوليات حتى يجتمع المدرس والمدير والمفتش والإداري والمختص التربوي حول فكرة واحدة: نحن، رغم اختلاف مواقعنا، ننتمي إلى الجسم المهني نفسه، ونتقاسم مسؤولية مشتركة تجاه المدرسة العمومية، لم تكن تلك الوحدة تعني إنكار خصوصية كل فئة أو التقليل من أهمية أدوارها، وإنما كانت تعني أن الاختلاف الوظيفي لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة مهنية، وأن تعدد المسؤوليات لا يلغي وحدة المصير، فالمدرسة ليست مجموع أفراد يعمل كل واحد منهم داخل حدود اختصاصه فحسب، بل هي مؤسسة جماعية تتكامل فيها الأدوار، وتتوقف فيها جودة النتائج على مستوى التنسيق والتعاون والانسجام بين مختلف المتدخلين، غير أن ما نشهده اليوم يوحي بأن هذا التصور يتراجع أمام نزعات جديدة، تقوم على إبراز الخصوصيات الفئوية، وتوسيع المسافة بين المكونات المهنية، والبحث عن اعتراف منفصل لكل فئة، حتى عندما يكون هذا الاعتراف مجرد عنوان احتفالي لا يغير شيئا من واقعها المادي أو المهني، وهنا ينبغي التمييز بين أمرين أساسيين: فمن حق كل فئة أن تعبر عن خصوصيتها، وأن تطالب بالاعتراف بأدوارها، وأن تدافع عن حقوقها ومكتسباتها، وليس من العدل أن نطلب من فئة مهنية أن تتنازل عن مطالبها باسم الوحدة، لكن الوحدة المهنية لا تتحقق أيضا بتحويل كل اختلاف إلى هوية مستقلة، وكل مطلب إلى معركة منفصلة، وكل مناسبة إلى إعلان ضمني عن تمايز جماعة عن بقية الجماعات، إن الخطر يبدأ عندما تتحول الخصوصية من وسيلة لفهم الحاجيات المهنية إلى أداة للفرز والإقصاء، وعندما يصبح الاعتراف بالفئة أهم من الاعتراف بالعمل الذي تؤديه، وعندما ننسى أن القيمة الحقيقية لأي موقع مهني لا تستمد من اسمه، بل من مسؤولياته، وكفاءاته، وشروط ممارسته، وأثره في المنظومة. *العمل النقابي: من بناء المشترك إلى تدبير الاختلافات؟* إذا أردنا فهم هذه التحولات، فلا بد من العودة إلى الوظيفة التاريخية للعمل النقابي داخل قطاع التعليم، فقد تأسس الوعي النقابي، في جوهره، على فكرة أن الأفراد، مهما اختلفت مواقعهم وقدراتهم، يظلون عاجزين عن مواجهة اختلالات الشغل بمفردهم، وأن القوة الحقيقية للشغيلة تنبع من قدرتها على التنظيم الجماعي، وتوحيد المطالب، وتنسيق النضالات، وبناء ميزان قوى يسمح لها بانتزاع الحقوق وتحسين الأوضاع، لم يكن العمل النقابي، في تجاربه الأكثر ارتباطا بروحه التقدمية والديمقراطية، ينظر إلى العامل باعتباره وحدة معزولة تبحث عن خلاصها الخاص، بل باعتباره جزءا من جماعة مهنية تتقاطع مصالح أفرادها وتتداخل شروط عملهم، وكانت الفكرة المركزية واضحة: لا يمكن الدفاع عن كرامة الفرد بصورة مستدامة خارج الدفاع عن كرامة الجماعة، ولا يمكن حماية المكتسبات إذا جرى تفكيك الشغيلة إلى مجموعات متنافسة يستنزف بعضها بعضا، لهذا ارتبط العمل النقابي تاريخيا بمقاومة الفردانية، وبمناهضة تحويل المطالب المهنية إلى امتيازات خاصة، وبالدفاع عن التضامن باعتباره شرطا للفاعلية وليس مجرد قيمة أخلاقية، وكان الاختلاف داخل التنظيم النقابي يفترض أن يكون مدخلا لإغناء النقاش وتطوير المطالب، لا مبررا لإضعاف العمل المشترك، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زال العمل النقابي يؤدي هذه الوظيفة بالوضوح نفسه؟ أم أن جزءا من الممارسة النقابية أصبح بدوره متأثرا بمنطق التجزيء الذي كان يفترض أن يقاومه؟ إن ما نلاحظه في بعض التعبيرات المهنية والنقابية هو تزايد النزوع نحو الدفاع المنعزل عن المصالح الفئوية، وتضخم الخطابات التي تجعل من الانتماء الجزئي نقطة الانطلاق ونقطة الوصول، وتراجع القدرة على بناء سردية مشتركة تستوعب اختلافات الشغيلة داخل أفق موحد، وقد أصبحت بعض المطالب تقدم أحيانا وكأنها انتصار لفئة على حساب أخرى، لا باعتبارها جزءا من مسار أوسع يرمي إلى إصلاح المنظومة وتحسين أوضاع العاملين فيها، ولا يعني هذا الحكم أن العمل النقابي فقد وظيفته التاريخية بالكامل، أو أن الدفاع عن الملفات الفئوية أصبح أمرا غير مشروع، بل المقصود هو التنبيه إلى خطر تحول الوسيلة إلى غاية، بحيث يصبح التنظيم منشغلا بتدبير التوازنات الفئوية أكثر من انشغاله ببناء وحدة الشغيلة، ويصبح النجاح مقاسا بقدرته على انتزاع مكسب خاص، لا بقدرته على تحسين الوضع العام وتقوية التضامن بين مختلف المكونات، إن النقابة التي لا تستطيع تحويل المطالب المتفرقة إلى مشروع مهني مشترك، ستجد نفسها عاجلا أم آجلا أمام شغيلة متفرقة، يسهل استنزافها، ويصعب عليها فرض مطالبها الكبرى. *الفردانية المقنعة بخطاب الحقوق* ليس أخطر أشكال الفردانية ذلك الذي يعلن صراحة أن المصلحة الشخصية فوق كل اعتبار، بل ذلك الذي يتخفى وراء شعارات الحقوق والإنصاف والاعتراف، ثم ينتهي إلى جعل المصلحة الجزئية معيارا وحيدا للحكم على القضايا المهنية، فالحقوق لا تتناقض مع التضامن، والاعتراف بالخصوصيات لا يتعارض مع الوحدة، والدفاع عن المطالب الخاصة لا يعني بالضرورة التخلي عن المطالب المشتركة، غير أن الخلل يظهر حين تتحول هذه المبادئ إلى أدوات لتبرير الانغلاق، وحين يصبح كل طرف مقتنعا بأن معركته وحدها تستحق الأولوية، وأن ما عداها يمكن تأجيله أو تجاهله، في مثل هذه البيئة، لا يعود السؤال: كيف نطور المنظومة بما يضمن الكرامة المهنية للجميع؟ بل يصبح: ماذا ستربح فئتي؟ وما الذي يميزني عن الآخرين؟ وكيف أضمن أن يظهر اسمي أو إطاري أو موقعي في واجهة الاهتمام؟ وهكذا، شيئا فشيئا، تتراجع فكرة المصير المهني المشترك، ويحل محلها سباق رمزي بين الفئات، تتنافس فيه الجماعات على الاعتراف والظهور، حتى عندما لا يترتب على هذا الاعتراف أي تحسن فعلي في الأجور أو التعويضات أو ظروف العمل أو الحماية الاجتماعية أو فرص التكوين والترقي، إنها فردانية مقنعة بخطاب جماعي، لأن الفرد لا يتحرك هنا بصفته الشخصية وحدها، بل داخل جماعة صغيرة تجعل من مصلحتها الخاصة مركزا لكل شيء، وبذلك تنتقل الفردانية من مستوى الفرد إلى مستوى الفئة، دون أن تتغير فلسفتها الأساسية: البحث عن المكسب الأقرب، ولو جاء ذلك على حساب البناء الجماعي الأوسع، وقد يكون هذا الشكل من الفردانية أكثر خطورة من الفردانية الصريحة، لأنه يمنح التجزيء شرعية أخلاقية ظاهرية، ويجعل كل انغلاق قابلا للتبرير باسم الإنصاف، وكل تنافس قابلا للتسويق باسم الاعتراف، وكل ابتعاد عن المشترك قابلا للتقديم باعتباره دفاعا مشروعا عن الحقوق،لكن الحقوق لا تقاس بكثرة الأسماء التي نحملها، ولا بعدد المناسبات التي نخصصها لأنفسنا، بل بمدى قدرتنا على تحويل الاعتراف الرمزي إلى كرامة مادية ومهنية فعلية. *من أزمة الأجور والكرامة إلى معارك المسميات* لنتأمل واقع نساء ورجال التعليم بعيدا عن ضجيج الشعارات والمناسبات، هناك أسئلة جوهرية ما زالت تنتظر أجوبة حقيقية: كيف يمكن تحسين القدرة الشرائية للشغيلة التعليمية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة؟ كيف يمكن ضمان شروط عمل تحفظ الكرامة الإنسانية والمهنية؟ كيف يمكن معالجة الخصاص في الموارد البشرية، وتوفير التجهيزات الضرورية، وتخفيف الأعباء الإدارية والتربوية؟ كيف يمكن إرساء عدالة مهنية في التعويضات والترقيات والمسارات المهنية؟ وكيف يمكن جعل المدرسة العمومية فضاء منتجا للمعرفة، ومنصفا للعاملين والمتعلمين على السواء؟ هذه هي القضايا التي ينبغي أن تحتل مركز النقاش العمومي والنقابي، إنها قضايا لا تتوقف عند فئة دون أخرى، وإن اختلفت آثارها وتفاصيلها من موقع مهني إلى آخر، وهي قضايا تتطلب تفاوضا جادا، وتخطيطا بعيد المدى، وتنسيقا بين مختلف المكونات، وقدرة على بناء مطالب قابلة للترافع والانتزاع،لكننا نجد أنفسنا، في بعض الأحيان، أمام مشهد مختلف: نقاشات مستفيضة حول الأسماء والمسميات، وحول من يستحق مناسبة مستقلة، وحول الفروق الرمزية بين المواقع المهنية، بينما تتراجع الأسئلة الكبرى إلى الخلفية، وكأن تغيير عنوان الاحتفال يمكن أن يعوض غياب التحسن في شروط العمل، أو كأن الاعتراف اللفظي بفئة ما قادر على إخفاء الاختلالات التي تعيشها، إننا لا نقلل من القيمة المعنوية للاحتفاء بالمهن، ولا من حاجة الإنسان إلى التقدير والاعتراف، لكننا نرفض أن يتحول الاحتفاء إلى بديل عن الحقوق، وأن تصبح الرمزية غطاء على واقع يحتاج إلى إصلاح، وأن يجري استهلاك الطاقة الجماعية في معارك لا تغير من جوهر الوضع المهني شيئا،فما جدوى أن نضيف مناسبة جديدة إلى الروزنامة المهنية، إذا كانت الشغيلة لا تزال تنتظر إنصافا في التعويضات، وتحسينا في الأجور، وظروفا لائقة للعمل، وعدالة في المسارات المهنية، وحماية من الضغط والاستنزاف؟ وما جدوى أن نتوسع في الاحتفال بخصوصياتنا إذا كنا نتراجع في الدفاع عن المشترك الذي يمنح لهذه الخصوصيات معناها؟ إن المدرسة العمومية لا تحتاج إلى مزيد من العناوين بقدر ما تحتاج إلى مشروع يعيد الاعتبار للعاملين فيها، ويمنحهم أسبابا واقعية للثقة في المستقبل. *وحدة الشغيلة لا تعني إلغاء الاختلاف* قد يعترض البعض على هذا الطرح بالقول إن لكل فئة مهنية خصوصياتها، وإن المدير ليس مدرسا، وإن الإداري ليس مفتشا، وإن تعدد الأدوار يقتضي تعدد أشكال الاعتراف والاحتفاء، وهذا اعتراض له وجاهته من حيث المبدأ، لكنه لا يحسم النقاش في جوهره، فلا أحد يدعو إلى صهر جميع المكونات المهنية في قالب واحد، ولا إلى تجاهل الفوارق المرتبطة بالمسؤوليات والتكوين وطبيعة المهام، إنما المطلوب هو التمييز بين التنوع الذي يغني المنظومة، والتجزيء الذي يضعفها، بين الاعتراف بالتخصص، وتحويل التخصص إلى جدار عازل، بين الدفاع عن الحقوق الخاصة، وتقديمها باعتبارها بديلا عن الحقوق المشتركة، إن الوحدة المهنية ليست تطابقا في الأدوار، بل اتفاقا على المبادئ التي ينبغي أن تحكم العلاقات بين أصحاب هذه الأدوار، وهي ليست صمتا عن المظالم، بل قدرة على معالجة المظالم دون تحويلها إلى مادة للصراع بين الشغيلة نفسها، وحين تطالب فئة معينة بتحسين تعويضاتها، فإن المطلوب ليس أن تنظر إليها بقية الفئات باعتبارها منافسا ينتزع نصيبا من موارد محدودة، بل أن يفتح نقاش حول معايير الإنصاف والعدالة، بما يمنع تحويل الحقوق إلى لعبة صفرية يكون فيها انتصار طرف مرادفا لخسارة طرف آخر، وحين تطالب فئة بالاعتراف بخصوصية مهامها، فإن المطلوب هو نقاش موضوعي حول طبيعة تلك المهام ومسؤولياتها وشروط ممارستها، لا سباق لإنتاج تسميات جديدة أو مناسبات مستقلة،فالمنظومة التعليمية ليست سوقا للرموز، ولا فضاء لتبادل الاعترافات الشكلية، وإنما مؤسسة عمومية تتكامل داخلها وظائف متعددة، وإذا كانت هذه الوظائف تختلف، فإنها تلتقي في النهاية عند هدف مشترك هو ضمان تعليم ذي جودة، وصون كرامة العاملين، وتحقيق العدالة في الحقوق والواجبات. *كيف يستفيد منطق التجزيء من تراجع التضامن؟* لا يحتاج إضعاف العمل الجماعي دائما إلى قرار مباشر يستهدف النقابات أو يضرب وحدتها، فقد يحدث الأمر تدريجيا، حين تتسع المسافة بين الفئات، وتتراجع الثقة المتبادلة، وينشغل كل طرف بملفه الخاص، وتتحول الخلافات الداخلية إلى أولوية تفوق الخلافات المرتبطة بالسياسات العمومية وشروط العمل وعندما يصل المشهد إلى هذه الدرجة، تصبح الشغيلة أكثر قابلية للتشتت، وتفقد مطالبها القدرة على التراكم، فبدل أن تتجمع الجهود حول قضايا مركزية، تتوزع على ملفات متفرقة، ويصبح من الصعب بناء ضغط نقابي مستمر أو صياغة رؤية إصلاحية، متماسكة، ليس المطلوب هنا افتراض وجود مخطط واحد يفسر كل مظاهر التجزيء، بل فهم أن النتيجة الموضوعية لهذا التجزيء قد تكون إضعاف القدرة الجماعية على التفاوض والتأثير، مهما كانت النوايا المعلنة لأصحابه،فحين ينشغل كل مكون بإثبات اختلافه عن الآخرين، تتراجع القدرة على اكتشاف ما يجمعه بهم، وحين تصبح المعركة الرمزية أكثر حضورا من المعركة المطلبية، تتراجع المساحة التي يمكن أن يلتقي فيها الجميع حول مطالب عادلة وقابلة للتحقيق، ومن هنا، فإن الدفاع عن وحدة الشغيلة ليس حنينا رومانسيا إلى زمن مضى، ولا محاولة لتجاهل التغيرات التي عرفها القطاع، بل هو ضرورة عملية لحماية الحقوق، فالمصالح المهنية لا تصان بالشعارات وحدها، وإنما تحتاج إلى تنظيم قوي، ووعي نقدي، وقدرة على بناء التحالفات، وتنسيق المطالب، وتدبير الاختلافات بصورة ديمقراطية، وإذا كان العمل النقابي قد عرف تحولات عميقة بفعل تغير البنيات المهنية، وتعدد المسارات الوظيفية، وتبدل انتظارات الشغيلة، فإن المطلوب ليس إنكار هذه التحولات، بل تجديد الأدوات النقابية بما يجعلها قادرة على استيعابها دون السقوط في فخ الانغلاق الفئوي. *النقابة بين تمثيل الفئات وبناء المشروع المشترك* تواجه النقابات التعليمية اليوم سؤالا مركزيا: كيف يمكنها أن تدافع عن المطالب الخاصة لمختلف الفئات، دون أن تتحول إلى مجرد فضاء لتجميع الملفات المنفصلة؟ إن التمثيل النقابي لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الملفات التي يتبناها التنظيم، أو بقدرته على إصدار بيانات تستجيب لمطالب مجموعات مهنية متفرقة، بل ينبغي أيضا أن يقاس بقدرته على بناء رؤية مشتركة للقطاع، وتحديد الأولويات، وربط المطالب الجزئية بمشروع إصلاحي أوسع، وإقناع الشغيلة بأن التضامن ليس عبئا على حقوقها، وإنما أحد شروط الدفاع عنها، ولا يمكن تحقيق ذلك عبر الدعوة المجردة إلى الوحدة، أو مطالبة الفئات بالصبر والتنازل عن مطالبها باسم المصلحة العامة، فالوحدة التي لا تعترف بالمظالم الحقيقية تتحول إلى غطاء لإدامة الاختلالات، والتضامن الذي لا يترجم إلى إنصاف ملموس يفقد صدقيته بمرور الوقت، لذلك، فإن المطلوب هو وحدة قائمة على العدالة، لا وحدة قائمة على إسكات الاختلافات، وحدة تسمح لكل فئة بالدفاع عن حقوقها، مع الالتزام بمبدأ عدم تحويل المطالب إلى أدوات للإقصاء أو الانتقاص من حقوق الآخرين، وهذا يقتضي من النقابات أن تراجع بعض أنماط اشتغالها وأن تنتقل من منطق تدبير ردود الفعل إلى منطق بناء المشروع، كما يقتضي منها أن تجعل الحوار الداخلي وسيلة لتقريب وجهات النظر، وأن تعيد الاعتبار للتثقيف النقابي الذي يربط المطالب اليومية بتاريخ النضال العمالي وقيم التضامن والعدالة الاجتماعية،إن النقابة التي لا تنتج وعيا جماعيا، ولا تساعد منخرطيها على فهم ترابط مصالحهم، تخاطر بأن تتحول إلى وسيط لتدبير المطالب الفردية والفئوية، بدل أن تكون قوة منظمة قادرة على تغيير شروط العمل. *أعياد بلا مكاسب: مفارقة الاعتراف الرمزي* ثمة مفارقة تستحق التأمل: تتزايد المناسبات والعناوين، بينما لا يتحقق بالضرورة أي تحسن موازٍ في الأوضاع المهنية، وكأننا نعيش توسعا في الاعتراف الرمزي يقابله بطء في تحقيق الاعتراف المادي، فالاحتفاء بالمدرس لا يغني عن توفير شروط العمل اللائق، والاحتفاء بالمدير لا يعوض تمكينه من الوسائل البشرية والمادية اللازمة لتدبير المؤسسة، والاعتراف بأدوار الإداريين والمفتشين والمختصين لا يتحقق بمجرد تخصيص يوم لهم، بل يتطلب إنصافا في الحقوق، وتقديرا فعليا للمسؤوليات، وتحسينا لبيئة العمل، إن المشكلة ليست في الاحتفال ذاته، بل في تحويله إلى إنجاز قائم بذاته، فالرمزية تكون ذات معنى حين ترتبط بسياسات واضحة، وحين تفتح المجال لتقييم الأوضاع المهنية، واستحضار التحديات، والالتزام بإجراءات ملموسة لتحسينها، أما حين يصبح الاحتفال مناسبة لإعادة رسم الحدود بين الفئات، دون أن يترتب عليه أي تحول في واقعها، فإنه يخاطر بأن يفقد وظيفته الأصلية، وأن يتحول إلى مجرد استهلاك رمزي للانتماء المهني، ولا يستقيم أن نطلب من الشغيلة أن تحتفي بذاتها في مناسبات متتالية، بينما لا تجد في هذه المناسبات فرصة حقيقية لطرح الأسئلة المتعلقة بالكرامة المهنية، والاستقرار، والإنصاف، والتكوين، والتحفيز، وجودة الحياة داخل فضاءات العمل، فإذا كان لا بد من الاحتفاء، فليكن مناسبة لتجديد الالتزام تجاه المدرسة العمومية، ولتقييم ما تحقق وما لم يتحقق، ولتذكير المسؤولين بأن الاعتراف الحقيقي لا يقاس بعدد الكلمات التي تقال في حق العاملين، بل بما يتغير في حياتهم المهنية واليومية. *المدرسة العمومية أكبر من الفئات والمسميات* إن المدرسة العمومية مشروع مجتمعي قبل أن تكون مجالا لتوزيع المهام والمسؤوليات، وهي فضاء تتقاطع فيه جهود المدرسين والمديرين والإداريين والمفتشين والمختصين ومختلف العاملين، ضمن شبكة من العلاقات التي لا يمكن اختزالها في مجرد تواجد أفراد داخل مؤسسة واحدة، ومن هذا المنطلق، فإن أي خطاب مهني يعزل فئة عن محيطها، أو يضع خصوصيتها في مواجهة خصوصيات الآخرين، يساهم، عن قصد أو من دونه، في إضعاف التصور الشامل للمدرسة، فالقيمة الحقيقية لكل مكون تظهر في علاقته بالمكونات الأخرى، وفي قدرته على المساهمة في تحقيق الأهداف المشتركة، ولا يمكن بناء مدرسة قوية بشغيلة متنافرة، كما لا يمكن تحقيق الجودة في التعليم من خلال فئات تشعر بأن الاعتراف بها يتطلب التقليل من شأن غيرها، إن الجودة نفسها تفترض التعاون، وتبادل الخبرات، وتكامل الوظائف، والثقة المتبادلة، والقدرة على العمل ضمن مشروع تربوي مشترك، وإذا كنا نريد مدرسة قادرة على مواجهة تحديات المستقبل، فعلينا أن نبدأ بإعادة بناء الروابط المهنية داخلها، وأن نمنح للعلاقات الإنسانية والمهنية ما تستحقه من اهتمام، وأن نعيد الاعتبار لفكرة أن الكرامة لا تتجزأ، وأن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى امتياز محصور في فئة دون أخرى، فالمدرسة التي لا يستطيع العاملون فيها الدفاع عن مصالحهم المشتركة، ستجد صعوبة في بناء ثقافة جماعية لدى المتعلمين. ومنظومة التربية التي يتراجع فيها التضامن بين العاملين تخاطر بأن تنقل إلى داخل المؤسسة التعليمية منطق التنافس الضيق، بدل قيم التعاون والمسؤولية المشتركة. *نحو استعادة المعنى الحقيقي للعمل النقابي* إن استعادة الروح الجماعية لا تتحقق بالدعوة إلى إلغاء المناسبات أو منع الفئات من التعبير عن خصوصياتها، فذلك سيكون معالجة سطحية لظاهرة أعمق، المطلوب هو إعادة ترتيب الأولويات، وإعادة الاعتبار للمضمون على حساب الشكل، وللحقوق على حساب المسميات، وللعمل الجماعي على حساب الانغلاق الفئوي، ويقتضي ذلك، أولا، أن تعيد النقابات بناء خطابها على أساس ترابط المصالح المهنية، وأن تقدم الملفات الفئوية ضمن رؤية شاملة لا تجعل من مطالب فئة ما نقيضا لمطالب فئة أخرى، ويقتضي، ثانيا، إرساء حوار مهني ديمقراطي يسمح بتشخيص الاختلالات داخل مختلف الأطر، وتحديد معايير واضحة للإنصاف، وتجنب المقارنات التي تؤجج الصراعات دون أن تقدم حلولا عملية، ويقتضي، ثالثا، إعادة الاعتبار للتكوين والتثقيف النقابي، حتى لا تختزل الممارسة النقابية في البيانات والاحتجاجات الظرفية، بل تصبح فضاء لإنتاج الوعي بالمصالح المشتركة، وبالعلاقة بين الحقوق الفردية والقوة الجماعية، ويقتضي، رابعا، ربط كل مناسبة مهنية بجدول أعمال حقيقي، يتضمن قضايا الكرامة المهنية، وشروط العمل، والعدالة في التعويضات، وتكافؤ الفرص، وتطوير المسارات المهنية، وتحسين الخدمات المقدمة للمتعلمين، وأخيرا، يقتضي الأمر شجاعة نقدية تسمح لنا بالاعتراف بأن جزءا من أزمة العمل النقابي لا يرتبط فقط بالسياسات الحكومية أو اختلالات التدبير، بل يرتبط أيضا بتحولات داخل الوعي المهني نفسه، حين يتراجع الاستعداد للتضامن، وتتقدم الحسابات الضيقة، ويصبح الانتماء الفئوي بديلا عن الانتماء إلى قضية تعليمية مشتركة، فالنقد الذاتي ليس إضعافا للعمل النقابي، بل شرط لتجديده، والاعتراف بمظاهر التجزيء ليس انتقاصا من نضالات الفئات، بل محاولة لحمايتها من التحول إلى صراعات جانبية تستنزف طاقتها وتضعف أثرها. وخلاصة القول، لا تنتصر الفئات حين يخسر الجسم كله، لسنا ضد الأعياد، ولا ضد الاعتراف بخصوصيات المهن، ولا ضد حق أي فئة في الدفاع عن مطالبها، نحن ضد أن تتحول المناسبات إلى بديل عن الحقوق، وضد أن تصبح المسميات وسيلة لإعادة إنتاج الحدود بين نساء ورجال ينتمون إلى المنظومة نفسها، وضد أن يختزل العمل النقابي في تدبير الاختلافات الفئوية دون القدرة على بناء أفق مشترك، لقد كان عيد المدرس، في دلالته الجامعة، يذكرنا بأننا نلتقي عند رسالة مهنية وإنسانية تتجاوز اختلاف المواقع، أما اليوم، فإن التوسع في المناسبات المنفصلة يطرح علينا سؤالا جوهريا: هل ما زلنا نملك القدرة على رؤية أنفسنا جزءا من جسم واحد، أم أننا نتجه نحو منظومة تتعايش داخلها فئات متجاورة، لكنها متباعدة في الوعي والمطالب والانتظارات؟ إن الخطر لا يكمن في أن تكون لكل فئة مطالبها، بل في أن تفقد هذه الفئات القدرة على رؤية ما يجمعها، ولا يكمن في تعدد المناسبات، بل في أن يصبح تعددها انعكاسا لتراجع التضامن، ولا يكمن في اختلاف المواقع المهنية، بل في أن يتحول هذا الاختلاف إلى مبرر للانغلاق والتنافس على الاعتراف الرمزي، بينما تظل القضايا الكبرى معلقة، إن المنظومة التعليمية لا تحتاج إلى سباق جديد حول من يستحق عيدا خاصا، بقدر ما تحتاج إلى نقاش عميق حول من يستحق الإنصاف، وكيف يمكن ضمان الكرامة المهنية للجميع، وما الذي ينبغي تغييره حتى تستعيد المدرسة العمومية دورها ومكانتها،فالمطلوب ليس أن نتخلى عن خصوصياتنا، بل أن نمنعها من ابتلاع المشترك، وليس أن نتنازل عن حقوقنا، بل أن ندافع عنها بمنطق يربط الخاص بالعام، والفرد بالجماعة، والمطلب الآني بالمشروع الاستراتيجي، إن النزعة الفئوية، حين تقترن بالفردانية وتتحول إلى نمط في التفكير والممارسة، تصبح آفة قادرة على استنزاف الرصيد التاريخي للتضامن، وعلى تفكيك ما تبقى من وحدة الشغيلة التعليمية، وعندما يحدث ذلك، لن يكون هناك منتصر حقيقي، لأن الخسارة ستتجاوز الفئات المتنازعة لتصيب القدرة الجماعية على الدفاع عن الحقوق، والتأثير في السياسات، وصناعة مستقبل أفضل للمدرسة العمومية، فلنحذر من أن نربح أسماء جديدة ونخسر معنى الانتماء، وأن نضيف أعيادا إلى تقويمنا المهني بينما نحذف من وعينا قيمة التضامن، فحين يصبح الجزء أهم من الكل، لا يعود السؤال من يحتفل اليوم، بل من سيدافع غدا عن الجميع، وإذا استمر هذا المسار، فقد نجد أنفسنا أمام منظومة كثيرة العناوين، قليلة المكاسب، متسعة الانقسامات، وعاجزة عن تحويل قوتها البشرية إلى قوة جماعية قادرة على التغيير، إن مستقبل العمل النقابي لن تصنعه كثرة المسميات، بل قدرته على إعادة بناء الثقة، واستعادة المعنى، وتوحيد النضال حول الكرامة والعدالة والإنصاف، فإما أن نعيد الاعتبار للمشترك، وإما أن نترك التجزيء يلتهم ما تبقى من قوتنا، وحينها لن ينفعنا أن يكون لكل فئة عيدها، إذا لم يعد للجسم التعليمي ما يجمعه.