الرئيسية » الارشيف » إلى أصحاب المعالي: الشعب يعاني……….

إلى أصحاب المعالي: الشعب يعاني……….

لحظة تاريخية تلك التي يتحرر فيها الناس من عبودية الطغاة، ولكنها ليست تاريخية بالمطلق بالنسبة إلى أسرة بسيطة ينتحرُ أحد أفرادها هربًا من الظلم الواقع عليه؛ تعلمون لماذا؟ لأن المجد يُبنى على أكتاف هؤلاء وتبقى أسرهم تمثالًا ومزارًا سنويًا لإحياء ذكرى البطل الذي غادر وبقي أطفاله يرزحون تحت نير البؤس إلى أبد الأبدين.
من منا لا تزال ذاكرته حية تحتفظ بأسماء أبطال فجروا ثورات؟ غير أن معظمنا لا يتوه عن وجوه السادة الذين بنوا الثروات وأصبحوا أصحاب المعالي من دون أن يجدوا حلًا لشعب يعيش بلا كهرباء ولا حتى جردل ماء!
لا تتصوروا أن المسألة عادية؛ لأننا هنا نؤرخ لأسياد ولا نرثي حتى العبيد الذين كانوا وقودًا للثورات، وبالتالي سحقًا لكل الثورات التي لم تؤسس لكرامة إنسانية ومساواة وتمكن لعدالة اجتماعية تمحو الطبقية البغيضة.
نحن كفلسطينيين جزء من هذه العقلية العربية التي لا تزال تبقي على صناعة الأصنام حتى في زمن الإسلام، وكأنه بات يروق لنا أن نعيش دور الضحية؛ فهو أيسر في تبرير الخنوع والاستسلام إلى الجلاد.
والتوطئة هنا لم تكن لغاية الدعوة للثورة على النظام السياسي القائم، حتى لا يساء فهم مقصدي من هذا المقال؛ لكني وددت التأصيل إلى شيء مهم، من دون أن اعتمر العمامة، وهو أن العدل أساس الكون. وأقول ذلك عملًا بوصية التذكير؛ فلعل الذكرى تنفع المؤمنين المنشغلين في جباية مخالفات السير والغرامات المالية، وتحصيل الضرائب، في وقت لم يجد فيه غالبية الناس مأوى أو مصدر رزق يعتاشون منه.
ولعل حادثة المواطن صاحب الخص المشهور بـ”روتس الغلابة” لبيع الذرة على كورنيش غزة، الذي تناول جرعتي سم فئران، في محاولة منه للانتحار انتقامًا من ذاته على ضوء عدم قدرته على استعادة مقتنياته المصادرة من بلدية غزة كمخالفة على إقامته في مكان عام، تدفعنا للتفكر في مثل هذه العقوبات المتخذة بحق المخالفين من الطبقة الكادحة.
أدركُ تمامًا وجوب تطبيق القانون والنظام على الجميع دون استثناء، ولكنني أنحاز إلى هذه الشريحة العريضة التي قتلها العوز؛ فأخذت أركانًا في بعض الشوارع العامة لغاية تسديد رمق صغارها الذين لا تعلم عنهم شيئًا لا وزارة الشؤون الاجتماعية ولا البلدية، ولا تعنيها أن تعرف عنهم شيئًا شريحة السادة!
ولذلك يا سادة؛ كان من باب أولى أن يُراعى الغلابة وأن يعطوا الفرصة في العيش، تمامًا كما تُعطى الفرصة للمستثمرين حتى يعززوا فرص تنمية ثرواتهم على امتداد الشريط الساحلي. وإلا، فمن باب أولى أن يحاكمكم الغلابة؛ لأن ملكيات عامة محتكرة لصالح البرجوازية، فهل من أحد رفع ضدكم قضية؟
ولأن ليس من سمع كمن رأى، كان لزامًا على القيادة السياسية أن تنزل إلى العامة تمامًا كما كان أصحاب الْعَمَائِمِ يخبرونا عن سيرة ابن الخطاب عبر المنابر، حين كان يعسعس بين الناس لقضاء حوائجهم. فكم من سيدة في غزة صنعت مثلما صنعت تلك السيدة في زمن الخليفة حين كانت تقيد النار تحت قدر فارغ من الطعام لتوهم صغارها بأنها تعد لهم أكلًا؟! وكم من أب هرب صباحًا من عيون صغاره الذين يبتغون المصروف ولا يملك ما يعطيهم؟! وكم من مريض لا يقوى على صرف روشتة الدواء، وأناس لا تقوى على دفع تكاليف العزاء؟! هل تعرفون شيئًا عن هؤلاء يا قادة، للأسف لا؛ لأن التقارير التي تصلكم لا توافيكم بتفاصيلنا الدقيقة.
تأسيسًا على ما سبق، أقول إننا كفلسطينيين لسنا في صدد التأريخ لشخص انتحر احتجاجًا على الظلم، ولا نبتغي إقامة تمثال مشابه للذي صنعه النرويجي “جينس غاليستشيوت” ليجسد المعنى الحقيقي لمقولة “العدالة دائمًا تسير على أكتاف الفقراء”؛ لأننا شعب يحب الحياة ما استطاع إليها سبيلًا كما قال درويشنا، ولا ندفع باتجاه الثورة، ولكنها طرقة على جدار الخزان فاسمعوا لعلكم ترحمون.
واعلموا أن الغلابة فينا ليسوا طموحين إلى حد أن يصبحوا سادة، ولا يتطلعون إلى امتلاك جيبات تويوتا أو همر ولا السفر إلى جزر القمر، هم يبتغون بسطة صغيرة تدر عليهم دخلًا في حدود ثمن علبة حليب أو كيس حفاظات. لا يقصدون بذلك هدم مظهر المدينة الحضاري؛ لأن الحضارة هي بناء القيم الإنسانية قبل إعمار الوطن.
إليكم يا بناة الحضارة أصحاب المعالي: الشعب يعاني!
المصدر التقرير نيوز…....