أخر الأخبار
الرئيسية » الارشيف » اغتيال العقل محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية…….. برهان غليون …….

اغتيال العقل محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية…….. برهان غليون …….







دفاعا عن استنبات
آليات الفهم الموضوعي, وإفشاء روح السجال الحضاري القائم على الانفتاح على منارات
الفكر الإنساني المنفلت من عقال الانزواء والتقوقع على الذات من جهة , أو
الإستيلاب الكلي والاندماج في ثقافة الآخر دون تفكر أمراجعة من جهة ثانية ,وضد أي
محاولة لعقد زواج وهمي في ما بين منظومتين ثقافيتين يحتكم كل منها إلى ميثاق قيمي
خاص , يحاول الدكتور برهان غليون مدير معهد دراسات الشرق المعاصر والاستاذ بجامعة
السوربون , في هذا الكتاب الوقوف عند حدود الاضافات النوعية , التي حملتها
المشاريع الاصلاحية التي تضاربت فيما بينها , حول أولويات وشكل النهضة
الموعود بها , انطلاقا من إعمال آلتي النقد والتفكير وأخد مسافة معينة من الطرح
السلفي للنضه لدى التأصيليين , ومن التناول العقلاني لعوائق التحديث عند
التحديثيين وهي محاولة يسعى صاحبها من خلالها إلى أن
>> يبين كيف أن محنة
الثقافة العربية ليست إلا مظهرا لمحنة الذات العربية وتشتتها بين التأكيد الشكلي
للذات , والرفض السلبي للآخر
<<.
ينقسم موضوع
الدراسة من داخل ثنايا المتن النظري للكتاب , إلى أربعة أقسام سنحاول الوقوف
بإيجاز قدر الامكان , عند الافكار الاساسية التي تعرضها علينا القراءة الفاحصة
للمضمون الدلالي لمؤلف
>>  اغتيال العقل <<.
زمن الفتنة أو
الوعي المنقسم
يأخذ التفكير في
الثقافة من داخل المشاريع النهضوية راهنيته و أهميته , من حيث كونها بعدا جوهريا ومحددا
ورئيسيا يتقاسم وعي الناس , ويؤثر في توجههم ومنظورهم للأشياء .
هكذا نجد السياقات
الاستشرافية للنهضة العربية منقسمة فيما بينها , 
بين الوفاء للثرات باعتباره إرث ثقافة الاجداد والسلف , وبين الاخد بمنارات
العقلانية والانفتاح على الاخر وهي النظرة التي يدافع عنها أنصار التيار المجدد و
المنفتح لدى النخبة العربية .                       
هو صراع إذن بين
معسكرين أو منظومتين  معرفيتين ينظر كل
واحد منهما إلى النهضة من منظوره الخاص ,يسعى فيه إلى بيان صوابية وجهة نظره بكل
الوسائل الإقناعية المتاحة التي من شأنها إثبات 
مكانة وأهمية نظرته للتاريخ.
        فإذا
كان الاتجاه التحديثي يجد نفسه في القول بمواكبة منطق العصر وروح التغيير الملازمة
لسير الحضارة عبر  مراحل التاريخ , ناعتا
الاتجاه الاخر (السلفي ) بالانغلاق على الذات وتمجيد الماضي , و الظلامية والتعصب
الديني  والعرقي , والكسل الفكري و
الاتكالية والادعاء الفارغ , وتعظيم الذات والعقلية السحرية وغيرها من الأوصاف
والنعوت.
فإن التيار
التراثي بدوره لم يأل جهدا, في الدفاع عن مشروعية الارتباط بالأصول و القيم
الراسخة , مادامت تشكل الرافد الأساسي للهوية وتعظيم الذات التي يسعى أعداء التراث
والهوية على حد تعبيرهم , ناعتينهم بالصليبية للغرب وخدمة المصالح الأجنبية
والاستيلاب الثقافي .
هذا السجال بين فصيلين  متنافرين
يحتكم كل طرف فيه إلى مرجعياته ورؤاه الفكرية , على النحو الذي يشهد عليه تاريخ
السجالات الفكرية التي دارت رحاها بين الثحديتيين والسلفيين, يحدها
برهان غليون حائلا
فيمل بيننا وبين الفهم الثابت والموضوعي لقضايا النهضة ؛ذلك أن الغاية في
المنهج السجالي تبقى هي إفحام  الخصم
وإرباكه, على حساب طلب الصواب والحقيقة في تجردها عن سياسة الحقيقة وعلم اقتصاد
اللغة , التي تعبث بأوراق الفهم  التي لا
تخدم لا هذا ولا ذاك  بقدر ما تخدم الفئة
المستفيدة من إدامة النقاش العمومي حول راهن ومصير الأمة على الشكل  الذي يبتغيه
>>
المنهج السجالي<< الذي يقوم على أربعة آليات رئيسية
هي :د
1)             
الاختلاط
المنهجي :
يتجلى في الخلط بين مدخلات مختلف الميادين , الفلسفية , العلمية
,و الاجتماعية عن طريق تعميم مفاهيم أحد المجالات على المجالات الأخرى.
كما يتبدى الخلط المنهجي أيضا  في
عدم احترام التخصص المعرفي للباحث أثناء مقاربة القضايا والإشكالات كحال الناقد
الأدبي الذي يحاول تعميم نتائجه المقرونة بالحداثة في الأدب على مجال  الحداثة الاجتماعية والسياسية بشكل عام.فتجنب
الخلط المنهجي يقتضي الانتباه وضبط المفاهيم ضبطا دقيقا , والتمكن من تمييز الخطاب
من الإديولوجيا, و الإديولوجيا عن العقل والعقلانية , وهذه الاخيرة عن الثقافة.
2)– السكولستيكية أو النقاش خارج الواقع
:
تعني السكولستيكية عند برهان غليون انغلاق العقل داخل دائرة أطروحات
وقضايا تبلورت في وضع وحقبة معينين , فأصبحت هي التي تتحكم برؤية العقل للواقع
وتمنعه من تحديد أدواته وطرائقه بالاحتكاك مع التجربة المتغيرة و الملاحظة
المباشرة , وتجعله لا يعيش  الواقع إلا على
مستوى القضايا  و الافكار المصاغة مسبقا
.ص51.
حينما تنصرف مجهودات قوى التغيير للارتقاء بالواقع المعيش , إلى مستويات
عليا  ودرجات أسمى , والانحصار في مجالات
التجديد المفاهيمي وتغليب منظورات ورؤى على حساب أخرى , دون الأخذ بإمكانات تنزيل
المشاريع الفكرية والايديولوجية على أرض الواقع , فإن ذلك يؤشر على خلل وقصور
كبيرين على مستوى نظرتنا لقضايا التحديث 
والنهضة الموعودة.

3)-الرؤية
التجزيئية :
عندما نحكم على مشكل ما , أو وضعية ما, انطلاقا من تحليله
وتفتيته إلى مجموعة عناصر, وإيلاء الاهمية فيها لعنصر واحد فقط على حساب الاخرى ,
يفرضه إما مجال تخصص الباحث ,أو العجز عن إدراك التناقض داخل وحدة المجموع, نكون
حين ذاك ننظر للأشياء بمقتضى النظرة التجزيئية التي من صورها , ربط التحديثي
للتخلف  العربي بوجود قيم بالية ,


زكرياء مهيمدة