مجرد سمكة…؟
المنارتوداي…ذ/مصطفى فاكر….
وقفت أمامها غارقا في بحر من الذهول، كل حواس جسدي انتفضت لها فجأة في وقت من دون أن أنبس ببنت شفة كنت أراقبها ،عيناي أخذتا تمعنان النظر فيها ، أذني تركت كل شيء و ذهبت لتسرق صمتها شعرت أن إحساسي يرسل عباراتها الصامتة إلى عقلي و تتسلل بها إلى قلبي ، أكاد اجزم أن كل من حولي لم يلتفتوا إليها البتة ، كانت كائنا ضعيفا و لم أدرك مدى روعتها و قوتها إلا في تلك اللحظات.
سمكة يحتويها حوض أسماك تتلون بألوان عدة باهرة تسر الناظرين الجميع يعتبرونها سمكة زينة و كفى، لمنها تحمل معاني بشرية نادرة لن تصدق ان تراها في هذا المخلوق الضعيف و لن تصدق ان تلك السمكة تحارب و تصارع داخل هذا الحوض السمكي.
ذلك الحوض الذي نظن أنها سعيدة فيه و لكن الحقيقة انها سجينة بين جدران مصممة و هي تعافر و تعاقر لعلها تستطيع ان تهرب من بين براثنها ، تفكر و تفكر هل تخرج الى حياتنا و تواجه مصيرها المحتوم بالموت منعا من الماء ام تبقى و تستسلم الى مصيرها في ذل و انكسار؟
إنها كالذي يفكر في المفاضلة ما بين الموت و الانتحار رايتها تنظر للسمك القليل الذي يجاورها و الصدفات المزيفة المتناثرة عن يمينها و يسارها كل شيء هادئ مستكين و لكن كانت هناك ثورة في الاعلى في الافق البعيد ،ذهبت لاعلى الحوض لترى ماذا يحدثفوجدتها نافورة ضخ الماء لهذا الصندوق الزجاجي إذن هذا هو شريان الحياة لهذا الوحش الكاسر الذي يحبسها بين زواياه الاربع، إن هذا هو هدفها إنها كي تعيش حرة يجب أن تقطع هذا الشريان و تقاوم.
تبادرت هذه الافكار الى عقلها في لحظة صمود الباقون من حولها كما هم لم يتحركوا و لم يعترضوا ،ظلوا ينظرون اليها و يستنكرون ما يحدث احيانا يشفقون عليها و يتداولون العبارات:” يل لها من حمقاء” “ماذا تفعل المجنونة ؟” ” لماذا لا تعيش مثلنا و ترضى بحالها ؟”. لكنهم لا يعلمون انها تريد ان تتحرر ،تريد أن تحيا حياة طبيعية امنة وسط البحار و الانهار وسط هذا الكون الفسيح ،تريد ان تمارس طقوس حياتها ،بذأت تستجمع قواها و تتخذها زادا لها في رحلة التحدي لذلك الشريان رايتها تذهب الى النافورة بكل قوتها تقف أمامها تتحداها تواجهها تحاول الصمود ،و لكنها قذفتها بقوة حاولت مرة أخرى و دون جدوى ،مرة ثالثة و دون جدوى ،تصرخ و تحاول من جديد و تطلب الاستعانة من السمكات المستسلمة حولها.لكن لا حياة لمن تنادي ،شعرت أنها تنظر إلي تقول لي : انقذني.
فجأة وجدتها تنزوي في أحدأركان الحوض شعرت أن قواها قد خارت ضاعت جهودها هباء. انتصرت عليها قوة دفع المياه الى النافورة كنت أنتظر اللحظة التي ستعاود فيها المقاومة انتظرت دقيقة دقيقتين و أكثر ،ضاع الامل مني و لكنه ظل متوهجا بضوء خافت من بعيد . و بالفعل حققت ما تمنيت زو فعلت المستحيل ،رأيتها بكل قوة تعاود المقاومة ثانية ،علمت أن جزاء هذه الصامدة ان تتحرر من قيدها ، أخذت حوض االسمك و أنا أودعها فرحا حزينا في آن واحد :فرحا لتحريرها و حزينا لكوني لن اراها ثانية تلك التي اعطتني حكما و معاني ستظل خالدة و باقية معي مدى الدهر . تلك التي تفوقت على مفاهيم البشر امسكت الحوض و جعلت مياهه تنزلق بين احضان النهر و انزلقت السمكة معها الى عالمها الطبيعي اتلى الحرية و المجد و العزة و الكرامة ،شعر قلبي بفرحتها و كأنها تقول لصديقاتها في الكون البهيج لقد غبت عنكم طويلا في غيابات الحياة لكني كنت أسير في درب التحدي ذلك الدرب الذي علمني ان الارادة تصنع المعجزات.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة























