أخر الأخبار
الرئيسية » الارشيف » قصة ………الرسالة التي……….

قصة ………الرسالة التي……….

  

 كانت
المفاجاة غير سارة للفقيه سيدي عبد الباري ، اذ حمل اليه العطار رسالة غير مالوفة
، لعلها مكتوبة بلغة النصارى..حروفها غير عربية وتبدو كاثار ارجل دجاج على عجين
…بهت الفقيه وهو يحاول ان يداري خيبته غير المسبوقة ، فقد كان سيد مواقفه خلال
عشر سنوات ، يقرا رسائل اهل الدوار ، ويكتب اجوبتها …يكتب ( حجاباتهم وحروزهم
ويبث في خلافاتهم ويفك طلاسم ارثهم)..عشر سنوات جعلته يصبح وريثا في كل شيء
:” الحاجة اللي ما شافهاش ليه فيها الربع ..واللي شافها  ليه فيها النصف..”كما يقول العطار بلحاج للفقيه
ممازحا ..انه علبة سوداء للدوار …ولكنه اليوم عاجز عن قراءة هذه الرسالة ..يا
ويلتاه ماذا سيقول ؟؟؟؟
    تفحص الرسالة المغلقة ، وقرر فضها بعنف ، وكانه
ينتقم منها …استل قلبها بيد مرتعشة..كانت ورقة انيقة موشومة بورود جميلة : حمراء
وصفراء ..وبحبر ازرق ناصع ..وكلمات اكيد انها ليست عربية …كانت عيناه تنزلقان
بدون توازن بين اسطر الرسالة …ماذا ساقول للعطار ؟ ماذا سافعل ؟ هل ستهزمني هذه
الراسلة اللعينة وتدمر كل ما بنيته خلال عشر سنوات ؟؟؟
    وشرع
يهمهم : ” ابنك يسلم عليكم ، ويخبركم بانه بخير وعلى خير ، وانه مشتاق اليكم
..و…و….”.احس العطار بامر ما …الرسالة تبدو طويلة  وما قاله الفقيه لا يتجاوز  جملا ..
– هاذ الشي للي كاين
الفقيه ؟؟ قال العطار مستغربا..
– صافي هاذ الشي للي في
الرسالة (رد الفقيه وهو يغمغم : الله يصفيها ليه )…
  عاد العطار الى بيته وهو يجتر حيرته ..واذا به
يصادف طفله عمر عائدا من المدرسة ، فاعطاه الرسالة قائلا : باشر لي هذه البرية (
الرسالة )..
 تسلمها عمر وهمهم : هاذي مكتوبة بالفرانساوية ..
– بالفرانسوية ؟ صرخ
الاب …
 رد عمر : ايه الفرانساوية ..تعالى تشوفها في
الكتاب اللي كنقراو فيه..
فتح عمر كتابه المدرسي
للسنة الثانية ابتدائي ، فحملق الاب في صفحاته ونظراته في رحلة بين الرسالة وصفحات
الكتاب ، ثم غمغم :” والله فرانسوية ..وصرخ : واش الفقيه كيعرف الفرانسوية
؟؟؟”. رد عمر :” معليمنا كيطير فيها ..ناخذ ليه الرسالة …فردد العطار
:” رجلي على رجلك”..
  في الطريق كانت تتقاذف العطار عدة افكار بلا
لون ولا طعم ..ينتظر ان تنقشع سحبها على يدي المعلم..وفي المدرسة ، داخل احدى
القاعات ، جلس الثلاثة ، وشرع المعلم في فك لغز الرسالة :
–  هذه الرسالة موجهة لي اعمي العطار ..
– علاه ولدي كيعرفك
بعدا؟؟؟؟(قال العطار كالمحتج).
– هو سمع علي وعلى
المدرسة الجديدة في الدوار في رسالة شي صاحبو..
– واش كيكول ليكاسي
المعلم ؟ قال العطار.
* رسالة ابن العطار الى
المعلم :
               ” السيد المعلم المحترم ،
انا لا اعرفك وانت  ربما لا تعرفني ..ابن
العطار، هاجرت منذ سنوات الى فرنسا للعمل في مهن مختلفة ، وقد استقر بي المال في
النهاية بالمخبزة العصرية بليل ..كل ما عدت الى دوارنا احس انه يتدهور اكثر ، واحس
بهيمنة الفقيه عليه اكثر فاكثر …فقد خرب عقول النساء والرجال والاطفال ..وتحكم
في رقاب الجميع وكرس الشعودة والسحر باسم الدين ..وساهم في الفساد القائم
بالبلدة…قد تظن اني ابالغ …؟؟؟ انت جديد بالدوار …ربما لم تكمل سنتين …الم
يبدا ذلك الكذاب في محاربتك ؟؟؟هل تعلم سبب تاخر وجود مدرسة بدوارنا ؟؟؟ انه هو
عينه وبعض من يشبهونه….وهل تعلم لماذا كتبت اليك هذه الرسالة وبالفرنسية
بالضبط؟؟لانه يحتكر قراءة رسائل جميع اهل الدوار …فلا احد يعرف القراءة او
الكتابة ..حتى انا لم اكمل تعليمي – في تلك المدرسة البعيدة عن دوارنا –وظل مستواي
ضعيفا الى ان استدركت ذلك هنا بفرنسا بمساعدة بعض الاصدقاء والاساتذة ، الذين
ساعدوني على متابعة دروس ليلية لتعلم الفرنسية والعربية….وذلك في اطار تاهيلي
لعملي الجديد…
  هل تعلم ماذا سيحدث ؟؟ ستصل الرسالة الى والدي
، وسيحملها الى الفقيه الذي سيعجز عن قراءتها …ولكنه سيكذب على ابي …وحين يعلم
اخي عمر بالامر سيحملها اليك …وستخبرهم انت بكذبة الفقيه…حينها سيغضب ابي –
سيكتشف كذب الفقيه لاول مرة بعد عشر سنوات – وسيثور ضده…ولكن حذاري ستصبح في
مرمى الفقيه وسيعلن عليك الحرب بالحق والباطل…بالدين والدنيا ..فهل انت مستعد لذالك
؟؟؟؟ ربما هذه ليست قضيتك …فان لم تكن مستعدا لها فاكذب كذبة بيضاء على الوالد
واخرج من مملكة الفقيه سالما ….
   اريد جوابا منك عما سيحدث…وسلم على والدي
واخي عمر وكل العائلة واهل الدوار الا ذاك المنحوس….
                 صديقك الذي لا تعرفه: سالم).
       بعد ان سمع العطار مضمون الرسالة صرخ
:”الفقيه حرامي وكذاب وقليل الدين …”    
بعد صلاة العصر افشى
العطار الخبر بين الناس بتواطؤ شديد ، وخلال صلاة المغرب كان الفقيه وحيدا في
المسجد ، والناس صلوا جماعة بدار المعطي ….وفي تلك الليلة تعشى الفقيه بقليل من
التمر والخبز….وبعد ايام خوى لبلاد……

                                     عبد الجليل
لعميري