أخر الأخبار
الرئيسية » الارشيف » “زبما” بحيرة مهددة بالتلوث والاندثار….

“زبما” بحيرة مهددة بالتلوث والاندثار….





تعتبر بحيرة
(زيما) من أقدم الوحدات الانتخابية والسياحية بالمنطقة , حيث تقف شاهدة على تاريخ
يرجع إلى ملايين السنين , هذه البحيرة المائية المقدسة ,قاومت لتضل شامخة , لكن
نتيجة موقعها المنخفض داخل سهل ” احمر” ولامبالاة المسؤولين أصبحت مهددة
بالتلوث والاندثار .على بعد                                        كيلومترين من مدينة الشماعية في اتجاه الغرب توجد بحيرة ” زيما ” وهي
عبارة عن سبخة ممتدة على مساحة 6000هكتار تحيط بها مجموعة من التلال تمدها بالمياه
عبر أودية موسمية , وتحيط بها نباتات طبيعية دائمة الخضرة تتحمل الملوحة والجفاف .   هذا إلى جانب موقعها
على محور  هجرة الطيور مابين أوروبا وأفريقيا الذي يسمح لها باستقبال نوع نادر من
الطيور : النحام الأحمر (
flamants rose ) يقضي بها فصل الشتاء
والربيع . وأنواع أخرى من الطيور البرية التي تتخذ منها مقرا دائما إضافة إلى ما
تحتوي عليه من جمبري نادر (
crevette olartmia).             
هذه البحيرة
المائية المقدسة التي ظل اسمها وفيا لجذوره الامازيغية , تروي إحدى الاساطير , أن
أصلها هو الكتاب الذي حمله معهم إلى المغرب رجال رجراجة السبعة الذين وفدوا على
الرسول (ص) , وتضيف الاسطورة , أنه بعد قراءة الكتاب من طرف “سيدي واسمين ”
أحد رجال رجراجة السبعة على المصامدة بوضع شاكر و إيمانهم بما تضمنه , أراد كل
منهم أن يكون الكتاب بيده, فلما رأى ”سيدي واسمين” حبس الكتاب وذهب به ودفنه بأرض
أخرى وأخفاه عن جميع القوم . فلما رجعوا إليه بعد أيام قليلة وسألوه عنه , وقدم معهم
ليخرجه إليهم من محل دفنه , فإذا هو ينبع منه ماء كالثلج ,…فداروا بذلك المحل,
ودعوا الله أن يجعل البركة والانتفاع في ذلك الماء , فصار ملحا أجاجا , وانتفع به
المسلمون من بعدهم وسميت ” فيضة زيما” .                                                
الاسطورة ,شاعت ووجدت
من يروج لها , والبحيرة لبست لبوسا متعددة , فتحولت إلى امرأة , رمز  للعطاء والخصوبة …. يجثم قبرها تحت نخلة
ناطحة بسعفها السماء , وزكرشت أغصانها بملابس داخلية لنساء وفتيات يعتقدن بأن
التخلي عن هذه المتعة , هو تخلي عن سوء الحظ , وجلب لحسن الطالع, تباركه الزيارة
وتضمنه ” لالة ” زيما .
هكذا تحولت
الاسطورة علم جغرافي إلى مزار وهمي يمنح البركة ويسر سبل النجاح في الحياة, وتفنن
الانسان في إبداع أهازيج تضفي طابع القدسية , ونحت لها أسماء لا علاقة لها بأصل
الكلمة الامازيغي الذي هو , من مادة رم , بمعنى الماء الأجاج .
مع توالي الزيارات
للمزار الوهم ( النخلة ) وتعثر الاحلام المعلقة عليه , أصبحت بحيرة (زيما) بمؤهلاتها
الطبيعية والسياحية تمارس جاذبية خاصة على قاطني مدينة الشماعية , و المناطق
المجاورة لها , وأصبح فضاؤها الممتد , بنباتاته الدائمة الخضرة, وطيوره البرية
المتنوعة , يشكل المتنفس الوحيد لمدينة تم السطو على كل حدائقها , ومساحتها
الخضراء , التي حولت , إما إلى أسواق عشوائية , أو عمارات من الاسمنت , أفقدت
الدينة جماليتها , وشوهت تصميمها الهندسي و المعماري . كما أصبح هذا الفضاء , قسما
مفتوحا للدروس الميدانية , الخاصة بالتاريخ الجيولوجي للمنطقة , و للطريقة التي
بها استخراج معدن الملح من البحيرة .
اليوم , بحيرة (
زيما ) ذاكرة منطقة أحمر , وأهم علم جغرافي بها , أصبحت مهددة بالتلوث والاندثار ,
حيث وقعت ضحية تسيير وتدبير المسؤولين 
المتعاقين على الشأن العام لمدينة الشماعية , والاستغلال المفرط وغير
العقلاني لخيراتها , فرغم تواجدها على بعد كيلومترين من المدينة , ورغم صمودها في
وجه عوامل التعرية , واللامبالاة , فإن السؤال المطروح  هو , إلى أي حد ستستطيع هذه البحيرة , الوقوف في
وجه التيار  ؟
تتواجد بحيرة
(  زيما ) في المنطقة الاقل انخفاضا داخل
المجال الحضري لمدينة الشماعية , مما يتطلب من المسؤولين , عن الشأن المحلي – يقول
أحد المهتمين بالمجال البيئي – استحضار هذا المعطى , أثناء تفكيرهم في مشروع شبكة
الصرف الصحي ومخرجها , حفاظا على هذا المجال الايكولوجي , وعلى مصدر عيش العمال المشتغلين
به .
السياسة
الارتجالية للمسؤولين عن المدينة , جعلتهم , – يقول أحد الاعضاء- يتسرعون في إنجاز
المشروع دون دراسة مسبقة , وانطلاقا من نفس البلدية – يضيف نفس المسؤول – قرروا أن
يكون المخرج في  اتجاه البحيرة , دون
استحضار  انعكاساته السلية , وهكذا  أصبحت مياه شبكة الصرف الصحي تكون جداول وبرك من
المياه العفنة , تؤثر على صحة المواطنين , وتقلق راحتهم , وخاصة عند هبوب الرياح
الجنوبية الغربية .
كما تؤثر على
التوازن البيئي المحلي , ذلك أن تسرب هذه المياه العفنة إلى الفرشة المائية
المتسمة بضعف عمقها ( ما بين 3و10 أمتار ) يؤدي إلى تلويثها , وإلى التأثير على
صحة المواطنين , الذين ما زالوا يعتمدون في شربهم على مياه الآبار .
هذا إلى جانب
تأثيرها على بحيرة (زيما) , التي تتغذى آبارها من نفس الفرشة المائية , والتي من
الممكن أن تغمرها مستقبلا هذه المياه العفنة , بحكم عامل الانحدار , وخاصة
بعد  فشل مشروع محطة التصفية , الذي أنجز
هو الآخر بدون دراسات مسبقة للمياه والتربة , مما جعل المصالح التقنية الإقليمية  تتدخل وتوقف المشروع .
لم يقف تهديد
البحيرة عند هذا الحد , بل تعداه إلى اجتتات الحزام الاخضر الذي كان يحيط بها ,
ذلك أنه في بداية الثمانينيات تم التفكير في غرس حزام أخضر, للمحافظة على هذا المجال
الحيوي , وحمايته من التعرية , وقد كلل هذا المجهود بالنجاح ,لكن الرغبة في تدمير
البيحيرة , والعديد من العمال,ففي كثير من الأحيان يلوح المسؤولون من منجم استخراج
الملح-أمام كل حركة مطلبية مشروعة للعمال ـ 
بتراجع الانتاج وإغلاق المنجم , بينما يصر العمال على أن الانتاج متوفر
وبالامكان اتلزيادة فيه إذا توفرت الآليات,وتوفير شروط عمل أحسن ( ترسيم,أغلبية العمال,والزيادة
في الاجور,والرفع من التعويضات …..).
إن ما تتعرض له
بحيرة “زيما” من تهديد , هو في الواقع –  يقول أحد المهتمين بتاريخ المنطقة – تدمير
لذاكرة مدينة الشماعية ومنطقة أحمر فبحيرة زيما يضيف –  نفس المهتم – يعود تكوينها إلى الزمن الجيولوجي
الثاني , وتكويناتها, عبارة عن رواسب هورية في غالبيتها مالحة , مما يفسر تواجد
الملح بها , عكس ما أشارت إليه الاسطورة , واسمها الذي ظل وفيا إلى جذوره
الامازيغية , يدل على تواجد الامازيغ بالمنطقة ,قبل أن يستوطنها
“”الحمريون”” كما تؤكد ذلك العديد من المصادر التاريخية ,
التي تتحدث عن تواجد “المصامدة ”و “رجراجة”.
فقد شكلت بحيرة
(زيما ) مسارها التاريخي , ممرا رئيسيا يربط بين ززمور وأغمات من جهة وأسفي و
مراكش من جهة أخرى , وشهدت مرور العديد من القوافل التجارية التي كانت تتخدها محطة
للاستراحة .
هذا إلى جانب
كونها , كانت شاهدا على مجموعة من الاحدات التاريخية , التي جرت بالقرب منها , مثل
حركة السلطان محمد بن عبد الله في النصف الثاني من القرن 18م , والتي عين خلالها
” هدي بن الضو” قائدا على منطقة “احمر” وأسس مدرسة للأمراء
بالشماعية , لا زالت إلى اليوم قائمة تعاني من الاقصاء والتهميش ولامبالاة المسؤولين
, وحركة السلطان الاول صيف 1886م, التي توقفت بفضاء البحيرة واستقبل خلالها
السلطان , وفود القبيلة ومساهمتهم في تمويل الحركة .
ولم تخل كتب
الرحالة الأوروبيين , من تدوين مشاهد عن بحيرة (زيما) وعن أهميتها الطبيعية
والاقتصادية , فالرحالة الانجليزي “أرثر ليرد ” الذي زار المغرب سنة
1872م , يشير في كتابه (المغرب والمغاربة )إلى أنه بعد مغادرته لقصر حاكم احمر ,
عثر في طريقه إلى أسفي  ,على مساحة مكسوة
بالثلوج , و لكن تبين أنها مكسوة بالملح , وهي تستطع تحت الشمس , كانت تروج
التجارة بين بالمغرب وقلب إفريقيا , ويقول – المؤلف – أنه قاس ارتع بحيرة الملح
هذه, فوجد أن ارتفاعها عن سطح البحر يبلغ 1250 قدما .
أما الرحالة
الفرنسي ” أوجين أوبان”الذي زار المغرب سنة 1902م, فيقول عنها , في
كتابه ( مغرب اليوم ) …تضفي قدرا من البهجة ولو برهة قصيرة على هذا المشهد الوحش
…).
خارج فضاء بحيرة
(زيما) وعلى امتداد منطقة احمر تنتشر العديد من الزوايا والمدارس التقليدية
العتيقة , التي تشهد وتائقها , على ما كانت تدخله بحيرة (زيما) من بهجة دائمة على
هذه المؤسسات وطلبتها , مثل ” زاوية سيدي الحاج اتهامي الأوبيري ”
ومدرسة الامراء بالشماعية .
إن بحيرة (زيما
)المهددة اليوم بالتلوث والاندثار تتطلب – حسب العديد من المهتمين – تدخل جميع
الجهات المعنية للمحافظة على هذا المجال الايكولوجي وحمايته من العبث .

ذ/ مصطفى حمزة…