رسالة بدر شاكر السياب الى علي احمد ادونيس
شاعران كبيران : صاحب
الرسالة السياب احد اهم مؤسسي الشعر الحديث بالعالم العربي ، وصاحب القصيدة موضوع
النقاش ادونيس احد اهم قادة الحداثة الشعرية العربية …الاول يوجه الثاني وهو في
بداياته…ورغم ان ادونيس كان صاحب مشروع شعري وثقافي (مجلة شعر) فان السياب لم
يتهيب منه ونقد اشتغاله الشعري ..بل وانتقد مرجعيات ادونيس وجماعة شعر…لمثل هذا
يحتاج الشباب لتطوير تجاربهم الابداعية بعيدا عن الاخوانيات والنفاق النقدي…بل هذا
ما يحتاجه مشهدنا الإبداعي لكي نتطهر من التافه فيه…انها رسالة معبرة ومؤسسة
للعلاقة الصحية المفترضة بين المبدعين….
والرسالة عميقة انها نقاش في الشعر من حيث
الصورة والبنية والعلاقة مع التراث والغرب…
الصورة والبنية والعلاقة مع التراث والغرب…
*نص الرسالة :
عزيزي
أدونيس: وصلتني قصيدتك بشكلها النهائي، وقد رأيت أنك انتبهت إلى ما أردت أن أنبهك
إليه، حين استلمت صيغتها الأولى: الإكثار من المقاطع الموزونة بين المقاطع
المكتوبة نثراً. لقد كانت قصيدتك المنشورة في عدد «شعر» الأخير أكثر توفيقاً من
هذه الناحية. أما رأيت إلى الشعر الحر كيف استغله بعض المتشاعرين:»وعلى الرصيف/
جوعان يبحث عن رغيف/ والشارع الممتد يزخر بالجموع/ من ثائرين مزمجرين/ فليسقط
الاستعمار/ يا.. يسقط المستعمرون» إلخ… وإذا شاعت كتابة الشعر دون التقيد بالوزن، فلسوف تقرأ
وتسمع مئات من القصائد التي تحيل «رأس المال» و»الاقتصاد السياسي» وسواها من
الكتب، ومن المقالات الافتتاحية للجرائد، إلى شعر. وهو، لعمري، خطر جسيم.
أدونيس: وصلتني قصيدتك بشكلها النهائي، وقد رأيت أنك انتبهت إلى ما أردت أن أنبهك
إليه، حين استلمت صيغتها الأولى: الإكثار من المقاطع الموزونة بين المقاطع
المكتوبة نثراً. لقد كانت قصيدتك المنشورة في عدد «شعر» الأخير أكثر توفيقاً من
هذه الناحية. أما رأيت إلى الشعر الحر كيف استغله بعض المتشاعرين:»وعلى الرصيف/
جوعان يبحث عن رغيف/ والشارع الممتد يزخر بالجموع/ من ثائرين مزمجرين/ فليسقط
الاستعمار/ يا.. يسقط المستعمرون» إلخ… وإذا شاعت كتابة الشعر دون التقيد بالوزن، فلسوف تقرأ
وتسمع مئات من القصائد التي تحيل «رأس المال» و»الاقتصاد السياسي» وسواها من
الكتب، ومن المقالات الافتتاحية للجرائد، إلى شعر. وهو، لعمري، خطر جسيم.
كانت قصيدتك
رائعة بما احتوته من صور، لا أكثر. ولكن: هل غاية الشاعر أن يُري قراءه أنه قادر
على الإتيان بمئات من الصور؟ أين هذه القصيدة من «البعث والرماد»، تلك القصيدة
العظيمة التي ترى فيها الفكرة وهي تنمو وتتطور، والتي لا تستطيع أن تحذف منها
مقطعاً دون أن تفقد القصيدة معناها؟ أما قصيدتك الأخيرة، فلو لم تُبقِ منها سوى
مقطع واحد لما أحسست بنقص فيها. ليس هناك من نمو للمعنى وتطور له. ما زلت، أيها
الصديق، متأثراً بالشعر الفرنسي الحديث أكثر من تأثرك بالشعر الانكليزي الحديث،
هذا الشعر العظيم: شعر إيليوت وستويل ودلن توماس واودن وسواهم.(1)
رائعة بما احتوته من صور، لا أكثر. ولكن: هل غاية الشاعر أن يُري قراءه أنه قادر
على الإتيان بمئات من الصور؟ أين هذه القصيدة من «البعث والرماد»، تلك القصيدة
العظيمة التي ترى فيها الفكرة وهي تنمو وتتطور، والتي لا تستطيع أن تحذف منها
مقطعاً دون أن تفقد القصيدة معناها؟ أما قصيدتك الأخيرة، فلو لم تُبقِ منها سوى
مقطع واحد لما أحسست بنقص فيها. ليس هناك من نمو للمعنى وتطور له. ما زلت، أيها
الصديق، متأثراً بالشعر الفرنسي الحديث أكثر من تأثرك بالشعر الانكليزي الحديث،
هذا الشعر العظيم: شعر إيليوت وستويل ودلن توماس واودن وسواهم.(1)
ـ 2 ـ
الحق أن تجربة «شعر» كانت في أول بدايتها تبشر بخير كثير
(…) لكن ٭في فترة لاحقة أخذت الحركة تجنح شيئاً فشيئاً نحو الغرب، دائرة ظهرها
للشرق وللتراث العربي بصورة خاصة. وحتى الشعر الغربي الذي كانت تترجمه هذه المجلة
كان يضرب على وتر معين، وكان يمتاز بالركاكة وعدم الترابط والغموض الذي لا يبرره
شيء، وغير ذلك، كأنما كانوا يريدون أن يقولوا لنا: هذا هو الشعر، فاكتبوا مثله (…)
(…) لكن ٭في فترة لاحقة أخذت الحركة تجنح شيئاً فشيئاً نحو الغرب، دائرة ظهرها
للشرق وللتراث العربي بصورة خاصة. وحتى الشعر الغربي الذي كانت تترجمه هذه المجلة
كان يضرب على وتر معين، وكان يمتاز بالركاكة وعدم الترابط والغموض الذي لا يبرره
شيء، وغير ذلك، كأنما كانوا يريدون أن يقولوا لنا: هذا هو الشعر، فاكتبوا مثله (…)
ربما كان الحافز ليس سياسياً محضاً، يجب أن نحسن الظن
قليلاً بالناس؛ أعتقد أن ضعف الشعراء وضعف أدواتهم الشعرية هو الذي جعلهم يضربون
على هذا الوتر ليبرروا ضعفهم بأنهم شعراء كبار وأن مثلهم في الغرب يكتبون على نفس
النمط وبنفس عدم الترابط وبنفس الركاكة والتفاهة، وأنهم شعراء كبار.
قليلاً بالناس؛ أعتقد أن ضعف الشعراء وضعف أدواتهم الشعرية هو الذي جعلهم يضربون
على هذا الوتر ليبرروا ضعفهم بأنهم شعراء كبار وأن مثلهم في الغرب يكتبون على نفس
النمط وبنفس عدم الترابط وبنفس الركاكة والتفاهة، وأنهم شعراء كبار.
والحق أن الذي يطلع على النقد العربي القديم، في عهوده
الزاهرة وليس في عهود انحطاطه، في عهود البيان والبديع مثلاً، الذي يقرأ كتاب
«المثل السائد في أدب الشاعر والناقد»، أو يقرأ «الموازنة بين أبي تمام والبحتري»،
أو غير ذلك من كتب النقد، تروعه هذه النظرات الصائبة التي تضارع في عمقها، بل ربما
زادت في عمقها وفي دقتها وفي صحتها وفي جماليتها، ما يكتبه النقاد الغربيون. إنما
لو فهمنا تراثنا، ولو اطلعنا على تراثنا اطلاعاً حقيقياً، لوجدنا أن عندنا كلّ ما
يمكن للإنسان أن يفتخر به. ولكن جماعة مجلة «شعر»، لسبب من الأسباب، يظنون أن كل ما هو غربي عظيم ورائع، وكل ما هو
عربي تافه وضعيف وركيك.(2)
الزاهرة وليس في عهود انحطاطه، في عهود البيان والبديع مثلاً، الذي يقرأ كتاب
«المثل السائد في أدب الشاعر والناقد»، أو يقرأ «الموازنة بين أبي تمام والبحتري»،
أو غير ذلك من كتب النقد، تروعه هذه النظرات الصائبة التي تضارع في عمقها، بل ربما
زادت في عمقها وفي دقتها وفي صحتها وفي جماليتها، ما يكتبه النقاد الغربيون. إنما
لو فهمنا تراثنا، ولو اطلعنا على تراثنا اطلاعاً حقيقياً، لوجدنا أن عندنا كلّ ما
يمكن للإنسان أن يفتخر به. ولكن جماعة مجلة «شعر»، لسبب من الأسباب، يظنون أن كل ما هو غربي عظيم ورائع، وكل ما هو
عربي تافه وضعيف وركيك.(2)
(1)
رسالة إلى
أدونيس، يرجح ماجد السامرائي أنها تعود إلى أواخر 1959).
رسالة إلى
أدونيس، يرجح ماجد السامرائي أنها تعود إلى أواخر 1959).
(2) حوار مع
السياب، كان إذاعياً في الأصل، سُجّل سنة 1964، ونُشر للمرّة الأولى في مجلة
«الأجيال»، سنة 1972.
السياب، كان إذاعياً في الأصل، سُجّل سنة 1964، ونُشر للمرّة الأولى في مجلة
«الأجيال»، سنة 1972.
اعداد المشرف الثقافي.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة























