أخر الأخبار
الرئيسية » الارشيف » جبل إيغود بإقليم اليوسفية: مهد الإنسان العاقل.معلمة جغرافية تختزن معالم حياة بشرية قديمة.

جبل إيغود بإقليم اليوسفية: مهد الإنسان العاقل.معلمة جغرافية تختزن معالم حياة بشرية قديمة.


موقع المنار توداي…المصطفى حمزة….
 الطريق إلى جبل
ايغود عبر مدينة الشماعية ، يغري بما يزخر به من مشاهد
طبيعية ، تلال متشبعة
بعبق التاريخ تعلو سفوحها معالم عمرانية وحضارية، تشهد على
عبقرية المكان والإنسان ،
مثل الزاوية البوسونية التي « اهتم شيوخها بتشييد الرياض
الفخمة ذات القبب
العالية، والزخرفة في السقوف والجدران، حتى ليخيل إلى الزائر
لها…، أنه في كبرى
الحواضر لما تتميز به من تقدم في العمران ورقي في الحضارة،
فتجمعت فيها جملة من خصائص
الفن المغربي الأندلسي في وسط قروي تسوده المفارقات ›› يقول الأستاذ محمد ماكمان
(1 ) . معالم الزاوية
البوسونية المبثوثة على السفح الشرقي
لهضاب الميسات، تفضي بك
إلى أودية موسمية تنبعث منها خضرة دائمة تسر الناظرين،
وزادها جمالا ورونقا ما
أضفاه عليها سد بوحوته من جمالية على المكان والطريق.
مشاهد طبيعية جميلة تشد نظرات
العابرين لفضاءاتها ، ومعالم عمرانية وحضارية تسمح بتصفح
تاريخ لا زال في حاجة إلى
النبش في ثناياه. وقبل أن تستفيق من نشوتك اللامتناهية ،
يعانقك جبل ايغود ،
الواقع في الجزء الجنوبي الغربي من منطقة أحمر بجماعة ايغود ،
التي تبعد عن مدينة الشماعية بحوالي 42 كلم.
امتداد الجبل على مسافة 5 كيلومترات، يخفي أسرارا لا يعلم كنهها إلا من خبروا خريطة ولوج مغاراته وكهوفه، التي
بإمكان
الاهتمام بها أن يحول الجبل إلى مرفق سياحي يساهم في تنمية المنطقة والنهوض
بها
اقتصاديا. امتداد الجبل لا يلغي أهمية علوه البالغ 592 م ، مما يمكن « من
الإشراف
على المنطقة المحيطة به على امتداد كيلومترات عديدة » حسب الأستاذ عبد الواحد
بنصر
.( 2 )
جمالية جبل ايغود يزيدها رونقا ما يرصع سفوحه من النباتات
مثل شجر السدرة آخر شاهد
على النبات الذي كان يغطي
في السابق منطقة أحمر، إضافة إلى أشجار الطلح، وأشجار
الكاليبتوس، ونباتات
شوكية أخرى تتحمل الجفاف، وتعلو محياه بقايا بعض أشجار الأركان
التي لا زالت شاهدة على وجود هذا النوع من الأشجار بالمنطقة في الفترات
القديمة
. هذا إلى جانب توفر الجبل على مجموعة من الحيوانات البرية، كالخنزير البري،
الحجل،
الأرانب، الباز، الثعلب، البوم، الغراب، وعدة زواحف أخرى، ومجموعة من المغارات والكهوف وبحيرة مائية بأسفله ذات أهمية كبيرة بما يتوفر فيها من حيوانات
ونباتات

( 3
)
الصدفة تجعل من جبل ايغود موقعا أثريا لأقدم إنسان
بالمغرب ، شكلت الصدفة منعطفا في
تاريخ جبل ايغود ، إذ
حولته من منجم لمعدن
(barytine)
 إلى موقع أثري لأقدم إنسان بالمغرب ‹‹ إنسان ايغود (homme d’irhoud   ) يغري الأثريين ومحترفي علم الإحاثة .
 فقبل سنة 1961، لم يكن
أحد يعرف أن جبل ايغود يضم مغارة يعود تاريخها إلى نهاية
العصر الحجري حوالي 300
ألف سنة ق ـ م ، وأن اكتشاف هذه المغارة سيغني الدراسات
التي تهتم بفترات ما قبل
التاريخ، كما أن اكتشاف إنسان ايغود بها ، سيمكن من الإجابة
على مجموعة من الأسئلة
سبق
للأنثروبولوجيين أن طرحوها. ففي سنة 1961،
وبمحض الصدفة
عثر أحد عمال الشركة التي كانت منكبة على استغلال منجم
البارتين الواقع بجبل ايغود
منذ الفترة الاستعمارية، على جمجمة إنسان ايغود ، وعلى
إثر هذا الاكتشاف الهام الذي
قام به محمد بن الفاطمي، أحد عمال الشركة، حسب الباحث
المغربي عبد الواحد بن نصر،
قام الباحث الفرنسي ايميل اينوشي ،(e.ennouchi) أستاذ بكلية العلوم ببوردو ببحث أركيولوجي في الموضع الذي وجدت فيه الجمجمة الأولى ، حيث
سيكتشف جمجمتين لهما صفة (
الإنسان النيوندرتالي (neaderthaalien)  نسبة إلى إحدى المناطق
الألمانية) وبقايا
عظمية أخرى وعثر على الكل وسط مجموعة من الأدوات الحجرية
من الصنف المسمى بالصناعة
 » 
الموستيرية
( moustetien)  ››  كما تم العثور على موقد مهم للنار ومجموعة من
الحيوانات
المنقرضة والمتنوعة… مما يؤكد وجود حياة بشرية
وحيوانية بالجبل ومحيطه. وما يهم
من هذا الاكتشاف هو أقدمية الإنسان بالمنطقة، حيث قدر
عمر الجمجمتين بـ 50 ألف سنة،
وفي ذلك التاريخ كان الإنسان الأوربي، إنسان النيوندرتال
يصنع أدوات من الصنف
المسمى ب: الموستيري، وبكيفية أوتوماتيكية أصدر
الأنثروبولوجيون آنذاك رأيهم بأن
إنسان ايغود هو إنسان النيوندرتال المغربي بدون زيادة.
هذه الخلاصة لم يطمئن إليها العديد من
الباحثين وعلى رأسهم الباحث ( هوبلان
(hublin)  الأستاذ آنذاك بمعهد الأنثروبولوجيا
بمتحف الإنسان التابع لكوليج دو فرانس ) فانكب سنة 1980 مع زميلته “
آن ماري
ميمي ” على دراسة الفك الأسفل للطفل الذي عثر عليه بجبل أيغود ، وكانت
النتيجة
عثورهما على
ذقن ، وهذا الجزء البارز في الوجه هو ميزة خاصة بالإنسان الذي ينتمي
إليه إنسان
عصرنا ، وكل الأجداد من السلالات الأخرى كانوا محرومين منه.
أثارت هذه الملاحظة ” هوبلان ”  فقرر أن يتفحص الجمجمتين الأصليتين عن قرب،
فاكتشف أن إنسان أيغود
لا يتوفر على رأس مشابهة لإنسان النيوندرتال، فعظام
الوجنتين مسطحة لدى إنسان
أيغود، وهي بارزة لدى إنسان النيوندرتال، ودائرة الرأس
لديه منخفضة، بينما هي لدى
إنسان النيوندرتال بيضاوية وعالية… وعلى مستوى العمر
أكدت الدراسة التي أجريت على
الأسنان والشعر، أن عمر إنسان أيغود يتراوح ما بين 80
ألف سنة و125 ألف سنة، وجاءت
هذه النتيجة في وقت مناسب لإعادة النظر في أصل الإنسان
الحديث، ذلك أن أقدم إنسان
حديث معروف لحد الآن هو الذي تم العثور عليه في فلسطين وعمره
92 ألف سنة… وعليه
فإنسان أيغود يطرح فرضية مثيرة، وهي أن إنسان أيغود
البالغ من العمر حوالي 100 ألف
سنة، جاء في وقت سابق مباشرة لظهور الإنسان الحديث، يقول
هوبلان. وهي نفس الخلاصة
التي توصل إليها الباحث المغربي عبد الواحد بن نصر الذي
يرى أن الخاصيات
المورفولوجية لإنسان أيغود في مجملها، إذا ما اقترنت
بالتاريخ النسبي الذي حدد له
قد تجعل منه، إن لم يكن الأقدم، على الأقل أحد أقدم
ممثلي جنس الإنسان الحديث
homo sapien
)   
 ) على المستوى العالمي.
سنة 2007 تتوج جبل أيغود كأقدم موقع أثري
للإنسان العاقل، ولكي يبرهن كل من عبد الواحد بن نصر، أستاذ باحث في المعهد الوطني
المغربي
لعلوم الآثار والتراث، و« جون جاك هوبلان » أستاذ الأنثروبولوجيا التطورية
حاليا في « معهد
ماكس بلانك » بلايبزيغ الألمانية، على فرضيتهما قررا الاستمرار في
التنقيب
مجددا بمنجم جبل أيغود منذ 26 فبراير من سنة 2007 ، بمعية فريق دولي من علماء
الآثار
والإنسان القديم. وقد أسفرت الحفريات التي قام بها الفريق الذي كان يشرف
عليه عبد
الواحد بنصر، رفقة الفرنسي « هوبلان » مؤخرا على اكتشاف جمجمة مجزأة
لإنسان من
جنس           
 homo
sapien)
 ) الإنسان
العاقل في المغرب. وعثر على هذه الجمجمة
الجزئية على مستوى طبقاتي محدد بدقة، ويعود تاريخها إلى
160 ألف سنة على الأقل، حسب
الأستاذ بنصر. وما هو مهم ـ يضيف نفس الأستاذ ـ « هو أن
هذه الجمجمة هي أقدم واحدة
في العالم يعثر عليها في موضعها الطبيعي »، مما يسمح
بتتويج جبل ايغود بمنطقة أحمر
بإقليم اليوسفية، كأقدم موقع أثري للإنسان العاقل في
العالم.

ومن هنا يظل جبل ايغود أحد أهم المواقع
الأثرية بالمغرب، وهو يحتاج إلى العناية والاهتمام من طرف المسؤولين،
اعتبارا
لأهميته التاريخية وما يحتوي عليه من معالم الحياة البشرية القديمة، إضافة
إلى ما يمكن
أن يقدمه ـ كموقع أثري ـ للأثريين ومحترفي علم الإحاثة من معلومات
إضافية…
هذا إلى جانب توفره على مجموعة المؤهلات الطبيعية ( كهوف، مغارات، بحيرة
باطنية،
نباتات…) وحيوانية تسمح بتحويله إلى مرفق سياحي مهم، خاصة أنه يوجد بين مدينتين
سياحيتين مهمتين آسفي ومراكش.