أخر الأخبار
الرئيسية » الارشيف » مدرستي الحلوة

مدرستي الحلوة





موقع المنارتوداي….ذ/ مصطفى فاكر….


وقف المدير في وسط ساحة المؤسسة حاملا مطرية تحميه من قطرات المطر المنهمرة بقوة و عنف، لم يجرؤ أي تلميذ من الاقتراب من صنابير الماء الموجودة وسط الساحة في وجوده ، كان يرتدي بذلة رمادية و ربطة عنق سوداء يتجول و يصول و يجول ، بينما كان الاساتذة يقبلون على إدخال التلاميذ إلى أقسامهم ، بعض المدرسين كان حديث عهد بالانتقال من الوسط القروي ،كانت الاستاذة تقطع المسافات الطوال للوصول إلى حيث العمل و بعد نزولها من سيارة الاجرة كانت تكمل طريقها مشيا على الاقدام لازيد من ساعة من الزمن ،حيث كانت ترخي سمعها لتتصيد كل حركة قد تصدر من هنا أو هناك في الخلاء المترامي الذي لا يريد أن ينتهي ، أنفاسها تتلاحق إذا رأت غريبا من بعيد و من كثرة ما كانت تسمعه من حكايات عن اصطياد الاستاذات في الخلاء و لكن ليس لها حيلة و لا منجى و هي المعيلة لأسرتها الكثيرة العدد بعد وفاة والدها ، ثم تنتبه فجأة لصوت الحارس يناديها فتحمد الله على أنها التحقت مؤخرا بمؤسسة وسط المجال الحضري فتتذكر كل الذكريات الموحشة.

جلس “أحمد” على مكتبه بعد أن قام بتوزيع ملفات الغياب و تتبع حالات التغيب و التأخر ، لقد انتقل هو الاخر من القرية الى المدينة ،في السابق و كغيره من المدرسين الذين كانوا يفضلون تعب التنقل اليومي و المصاريف الاضافية على مشكل الاكتظاظ و الاحتكاك بمثل هذا الجيل من المراهقين و المراهقات ،جيل من التمرد و اللامبالاة ، لكن هنا أحس أحمد و كأنه ما يزال بمؤسسته الاصلية : فالوجوه متشابهة و سلوك التلاميذ جد متقاربة . حقا هنا في المدينة أشكال زاهية مع بعض الطيش أحيانا و اهتمام أكثر بالهواتف الذكية و اللباس الفاخر و الحلاقة الفارهة تشد الناظرين مقارنة بالعالم القروي حيث شظف العيش لكن مع الانضباط و الاجتهاد و الحياء ،لكن هذا هو سر الحياة فالتناقض أساس السيرورة لأن المعدن الصالح غالبا ما يصبح عملة نادرة و لكنه لا ينقطع من الوجود.
هذه المؤسسة تعج  بالحركة و بتجارب متفاوتة القيمة و فريق تربوي مزيج من الشباب و الكهول الذين أفنوا زهرة عمرهم فخط الزمن على وجوههم اثار السنين و الاعوام. البعض منهم لا يخفي استياؤه و تذمره من الشائعات التي تحوم حول تمديد سن التقاعد، حالة بعضهم تشبه وضعية عداء السباق في مراحله النهائية ، يبذأ بانتظار خط الوصول ليرمي جثته المتعبة و المنهكة من طول السباق، فيفاجئه المنظمون بأن السباق مازال فيه بقية. هكذا يحس الذين احترقت أعصابهم و خلاياهم الذهنية.
بذأت الامطار تتساقط أكثر فأكثر فيسمع صوتها على الجدران و الزجاج و على الارض الاسمنتية فتعود به ذاكرته إلى سنوات خلت قضاها بجنوب المغرب حيث كان يشتاق حينئذ لرؤية و لو طائر أو منظر عشب أخضر… و فجأة يستفيق من خيالاته على وقع جرس المؤسسة معلنا الخروج.
يندفع التلاميذ بقوة الموج نحو باب المدرسة تحت الامطار الغزيرة. قلة قليلة منهم ينتظر سيارة الاب و الاغلبية تطلق سيقاناها للريح في ركض نحو المستقبل.
أحس أحمد بفرحة تغمره وهو يمشي تحت زخات المطر الذي يغطي الارض لتعطي الخصب و النماء، ما أشد سعادته وهو يلاحظ تعاقب الفصول الاربعة بعد أن ملت عيناه حبات الرمل الصفراء. هنا بدأ يعرف لماذا يتفاعل التلاميذ مع الاستاذ رغم سيل الاتهامات  الجاهزة من الجيل القديم الذي عاش عالم الهزائم و النكبات ، جيل لم يعش في حياته إلا ماهو مكتوب و ثقافة الحفظ و التلقين كما يراه الجيل الجديد بينما الكبار يتهمونهم بأنهم فارغون تافهون.
يتذكر تلك الايام التي انتقل فيها لهذه المدينة الطيبة أناسها و أحس أحاسيس جديدة بدأت تكبر فيه فتكبر معها فرحته و هو يجلس في قاعة الاساتذة وقت الاستراحة يفرغ كل واحد منهم حمولته و همومه و الآمه و آماله حيث يسمع كل جديد و تذوب كل الفوارق و الانتماءات في جلسات حميمية مع زملاء و زميلات العمل و يحتفل كل سنة او سنتين بوجه اخر من المتقاعدين ليخلدوا الى عالم النسيان .
هنا في المدرسة فقط تصبح الاحداث الصغيرة منقوشة في الذاكرة وقد شهد عليها عشرات الشهود الدين سيؤرخونها عكس باقي الوظائف. هنا في المدرسة فقط نتذكر أبسط الاشياء هنا إجابات مضحكة و أخرى بطعم السخافات .هنا نجاح و رسوب هنا شكوى و أنين و إحتراق أعصاب و تصحيح ووو .أما الحصيلة فأجيال تكبر و ورود تزهر و أجسام تتغير و أخرى تذبل و تشيب و تتقوس كالشموع المحترقة لهيبا لاداء مهمة عصية في هذا الزمن المتغير الذي كاد فيه المعلم أن يكون رسولا و العلماء ورثة الانبياء.
                                                                  ذ :مصطفى فاكر