أخر الأخبار
الرئيسية » الارشيف » مايسة سلامة الناجي..الفرق بين الإسلام والإرهاب.

مايسة سلامة الناجي..الفرق بين الإسلام والإرهاب.

شاهدت ڤيديو لجماعة من 5 أفراد، أقل أو أكثر، هجموا على بيتٍ فقيرٍ حيث يقبع على السرير شخصان عاريان، تسيل الدماء من رأس أحدهما ويجلس الآخر القرفصاء وينهال عليهما هؤلاء بالضرب والشتيمة في الرب ولعن الدين والملة والأب.. ثم سحلوهما عاريين خارجا صارخين: “عيطوا على المخزن!” بمعناه الشرطة لاعتقال “شاذين”. انتهى الڤيديو.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعس بالمدينة من الليل، فسمع صوت رجل في بيت يتغنى، فتسور عليه، فوجد عنده امرأة وعنده خمرا فقال: “يا عدو الله، أظننت أن الله يسترك وأنت على معصيته؟” فقال: “وأنت يا أمير المؤمنين لا تعجل علي، إن أكن عصيت الله واحدة فقد عصيتَ الله في ثلاث، قال تعالى ولا تجسسوا وقد تجسست، وقال عز وجل وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها وقد تسورت علي ودخلت علي من ظهر البيت بغير إذن، وقال عز وجل لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها فقد دخلت بغير سلام.” قال عمر رضي الله عنه: “فهل عندك من خير إن عفوت عنك؟” قال: “نعم والله يا أمير المؤمنين لئن عفوت عني لا أعود لمثلها أبدا.” فعفا عنه وخرج وتركه.

“تطبيق الدين في سياق الهجوم هو الإرهاب. وتطبيق الديمقراطية والحريات الفردية في سياق الهجوم وفرضها غصبا هو أيضا إرهاب”- مايسة

هذا الحاكم، الذي بيده القضاء والأمن وحق تفتيش البيوت عما يعتبر في بلده جرما.. وما كان له أن يتجسس ويدخل بيتا دون إذن. ما بالك بمن سأصفهم في نهاية المقال.
1
لطالما اصطدمتُ مع دعاة الحريات الفردية بالمغرب كلما خرجوا باسم النضال لينزلوا غصبا فوق رأس المجتمع أحكامهم، آخره نقاشات لإلغاء آية “حظ الذكر مثل حظ الأنثيين” من مدونة الأحوال الشخصية، ومن المدونة القضائية التي يعتمدها المسلمون المغاربة لتقسيم الإرث. ولطالما دافعتُ عن الأغلبية المحافظة حقها في التحكيم لما تختاره من تشريعات، كما لهؤلاء التقدميون الحق في إنشاء محاكم مدنية والتحاكم إليها في علاقاتهم وإرثهم، لا أحد ـ وأنا شخصيا ـ يمانع. فقد تحاكم اليهود المغاربة لقرون إلى شريعتهم ولم يضرهم وجود مودنة تحتكم للإسلام في شيء. هذا هو التعايش الحق، الذي نهلل لوجوده في بريطانيا. وليس التعايش هو أن تطغى فئة على الأخرى.. أن نفرض على هؤلاء الاحتكام لآيات محكمات لا يقبلن التأويل، أو أن ينصبوا هم أنفسهم أوصياء علينا بتحريفاتهم للقرآن باسم الاجتهاد، اجتهاد من لم يتوضأ من قبل!
2
لطالما اصطدمتُ معهم وهم يحاولون فرض نمط في الشارع العام.. التقبيل علنا، أو العري بشكل إباحي، أو ذكر يرتدي فستانا.. لطالما اصطدمتُ معهم حول التحرش وقلت إن العري الفاضح سبب له! وقلت إني لا أريد أن أمر بابني في عمر الثلاث سنوات ليرى في الشارع ذكرين يقبلان بعضهما حتى أستطيع أن أضمن له تربية صحية إلى سن معين أتركه حرا ليختار. وقلت إن الشارع العام مكان نتشارك فيه جميعا يرجى احترامه بقيم ـ ليست للمسلمين فقط ـ وإنما مجمع عليها عالميا اسمها قيم “الاحترام” إلى حد لا يمنع تواجدهم ولا تواجدنا في مغرب يجمع ولا يفرق.
ولا أحد يمنعهم من ممارسة حرياتهم وعلاقاتهم في أماكن مخصصة، ليس لدي شخصيا أي مانع من فتح المطاعم في رمضان للسياح ولليهود المغاربة ولمن شاء، لا إكراه في الدين ولا يستفزني الطعام وأنا صائمة لأني أصوم والمطاعم مفتوحة على طول العام.
3
لطالما دعوت لاحترام الشارع العام، وفي المقابل قلت إن للحريات والممارسات أماكن مخصصة، لا يهمني ما يقع داخل الفنادق المصنفة، والڤلل حيث الأرستقراط والبرجوازيون يمارسون حفلاتهم “الأورجي” بشكل أسبوعي، ولا يهمني ما يقع وراء الأبواب المغلقة.. ولا أحد جعله الله وصيا على أحد إن كان الله قال لنبيه المرسل صلى الله عليه وسلم: “أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مومنين”!
ليس لأحد الحق في أن يكسر باب بيت ويتهجم على سكانه بدعوى النهي عن المنكر، حتى لو كانوا عاكفين ساجدين لـ”فراقش” بقرة. للأمن فقط حق الدخول إلى البيوت للتفتيش بأمر من سلطة أعلى. البيوت حرمات، والله هو الرقيب، ومن شك في وجود ما يريب بمنزل فليتصل بالشرطة. الجاهلية انتهت منذ 14 قرنا وحل محلها مشرع يحاكم، والبربرية انتهت منذ خرج عصر الظلمات من أوروبا وحل محله قانون يحاسب.
4
هؤلاء الذين كسروا باب بيت وهجموا على شاذين وأراقوا دماءهم بالضرب وصوروهما عاريين وفضحوهما على النت وسحلوهما خارج البيت بالسباب والشتائم لا من دين ولا من إنسانية.. بل لم يفعلها حتى النظام المغربي في أشد غضبه من أشد معارضيه وهو يساومهم بالفضائح الأخلاقية! ما رأيت هو مجموعة من الجهلة المجهلين المفقرين، فارغي الرؤوس قليلي العمل عديمي المروءة، بحثوا لهم عن فرائس في موقف خطيئة ـ والخطيئة ضعف ـ ليفجروا عليهما غضبهم ظنا منهم أن المجتمع سيصفق لهم ليحسوا بشيء من البطولة.
ولا أعتقد أن هؤلاء فعلوا ذلك تمثيلا للإسلام ودفاعا عن النخوة والعرض. أعتقد أن الإحساس الذي دفعهم لفعل ذلك هو نفس الإحساس الذي جعل شبابا يضرب ويقتل وسط ملعب بسبب اختلاف الانتماء لفريق كرة.. هو الجهالة والفقر وقلة الشغل. لو كانوا مسلمين مومنين متقين عارفين بالدين لما تجسسوا، ولما دخلوا بيتا دون إذن، ولما سبوا الدين والذات الإلهية، ولما ضربوا، ولما فضحوا وصوروا العري ونشروه على النت.
5
وهناك يكمن الفرق بين عارف بالله يمارس النهي عن المنكر، وبين رؤوس فارغة سمعت عن الإسلام وقيل لها إنها مسلمة، فظنت نفسها تمتلك سلطة محاسبة خلق الله وأخذت تمارس الهمجية باسم الله. وهنالك الفرق بين الإسلام وبين الإرهاب.
الإسلام دين دعوة وسلم، ثم دين مقاومة. وكل آيات القتال جاءت دفاعا عن النفس والأرض والعرض وليس هجوما وإمبريالية وتوسعية. ويجب أن توضع في سياق المقاومة. “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين.”
وتطبيق الدين في سياق الهجوم هو الإرهاب. وتطبيق الديمقراطية والحريات الفردية في سياق الهجوم وفرضها غصبا هو أيضا إرهاب.
6
كما يهزأ بعضهم باللباس التركي قد نهزأ بالجينز الأمريكي. أو أن نرتديهما معا كما نشاء كيفما نشاء باحترام عرف جماعي.. بشارع عام لنا جميعا، بأماكن عبادة ودور مغلقة لا يقتحمها أحد. والله فوق الجميع.