أخر الأخبار
الرئيسية » الارشيف » قراءة ادبية “طباق”شعرية الالم او الرثاء بطعم الحاثة اهداء ( الى صغيري غسان ” فاحمل بلادك انى ذهبت وكن نرجسيا ان لزم الامر”

قراءة ادبية “طباق”شعرية الالم او الرثاء بطعم الحاثة اهداء ( الى صغيري غسان ” فاحمل بلادك انى ذهبت وكن نرجسيا ان لزم الامر”



زحف المشرط لشق الاخدود / الوشم على جسد ينبض
شعرا…واعترف لي قائلا ” استعصى علي تمزيق نسيج متخن بالقوافي،
و جلد مدهون بالتفاعيل.وحين عبرت متسللا،وصلت
الى عضلة القلب و هناك شمخ في وجهي جبل الكرمل وهفت علي ريح زيتون ، وكان البطين
يحمل بقايا مخيم تعرقل تدفق الحلم؟رايت الام وقهوتها…وشممت روائح خبز ساخن
..وتضاريس قرية قرب جدول عطشان؟توقفت يد الطبيب اذ ابتلعته الحيرة ،وتخيلته
يدمدم(مستحيل…مستحيل..كيف اواجه كل هذا؟).لكنه عاد ليتابع مهمته تحت ضغط صوت
هاتف” عليك ان تنقذ قلب الشاعر ؟”. قلت للقلب” ما همك؟ لماذ انت
هكذا؟” -اوراق زيتون وليمون وشموع تحترق في الخيام ووجه قريتي الذي مسخ وصوت
سكانها الذي هجرهم هل ازيدك؟ – هذه ليست اسبابا عملية لمرضك… –عشرون عاما و قضية
.. اربعون عاما ونصف قضية …خمسون …ستون عاما وانت تعرف ما في القضية؟؟؟
هل تصلح الهجرة ان تكون سببا لمرضي ؟هجرت
بعيدا عن رائحة الارض ولون البرتقال الحزين ،حاصرتني حقائب السفروعيون المتلصصين
وقناصو الاشعار ..عشرون سنة وعشرات المخيمات ..اربعون عاما مخيمات و منافي تفرخ في
كل البقاع . ثم صندوق ثقاب لكل رفات هذا الشعب الشهيد…. كان القلب يخفق بدون
انتظام و كانه طفل صغير انحبست في صدره سحابة بكاء…فتبدومقاهي بيروت و شوارعها و
سحنات فرحة ،سرعانما تنسف الشوارع و تهدم المقاهي وتصفر السحنات…خيبتنا الاخيرة
…وريتا تلاعب بقايا حلم في زاوية من زوايا القلب المتعب ، وبورتريه المنافي يبدا
بلحظة الطرد ،ليتخذ شكله من حرارة القاهرة و برودة باريس ، مرورا بكل المدن الاخرى
….كيف يسع قلبك كل هذه الاماكن ؟؟؟ حدائق الكلمة ، رياض التشابيه ، انهار
الاستعارة ، سحب الطباق …وطيف فلسطين مادتك الخام…ورغم تهالك السياسي تظل
الكلمة حاملة لسؤال الغد..غير اسفة على تخاذل الامس….قلب بحجم طاء هي شمعة
محاصرة براس ميدوسا المسدس المسكون بكل الزوابع..تنبت كلماته حشائش متسللة تخنق
الثعبان. لفاء تقول قصيدة “طباق” ( عن ادوارد سعيد) الرثاء –
كغرض تقليدي – بطريقتها الخاصة ، فدرويش لا يمتدح مناقب ادوارد فقط بل انه يفعل
اكثر من هذا ، انه يعمم التجربة الفردية ( للذات والمرثي ) فيعطيها بعدها الرمزي
الكافي ، وفي تعميمها رغبة في جعلها قناعا للتجربة النضالية الفلسطينية ( كفكرة
كسرتها هشاشة بعض اصحابها ). يجعل من التجربة الفكرية و النضالية لصديقه سعيد ،
دريعة لقول ذاته ، ومن هنا يحدث التماهي بين الوجودين ( الشاعر / صديقه المرثي).
ويتحقق هذ التماهي – فنيا – بواسطة خلق حوار بين الصديقين ، يفوح عمقا. ويتميز
برهافة و حس عاليين ، اذ تتسرب القصيدة من جراح الذات الفلسطينية الجمعية، عبر
الذات المتطابقة ( الشاعر / صديقه ) ، وتتشكل تضاريسها من احلام و انكسارات
الذاتين المتطابقتين ، فيحفر الحنين جراح الماساة المدماة ( اما انا فحنيني صراع
على/ حاضر يمسك الغد من خصيتيه …)، فتتولد شعرية عنيفة هي شعرية الالم.. اللام
تشكل كل من الذات الشاعرة وصديقه ، المتطابقتين من حيث الحلم و المعاناة ،
القطب الاول لثنائية ضدية ( طباقية)، ويعتبر الغريب – الاخر/ سارق حلم
الطفولة/الجلاد) قطبها الثاني ، وبين القطبين تتشكل منطقة من التوتر، ترسمها اشكال
الالم و المعاناة، كما يرسمها تسرب الاحلام( المرض/ المنفى/ضياع مكان
الطفولة/الهوية..)، اذ ينتهي هذاالصراع بموت صديق الشاعر، وهو يشاهد حرب سدوم
الجديدة على بابل، في احالة على الحرب الامريكية ضد الشعب العراقي…وهو موت ملحمي
لا يرسم الانكسار ( نسر يودع قمته عاليا/ عاليا/ فالاقامة فوق الالمب/ وفوق القمم/
تثير السام) بقدر ما تراه مشدودا الى افق اكثر رحابة ، يتجاوزثنائية الحياة/الموت
(اقول الحياة التي لا تعرف الا/ بضد هو الموت..ليست حياة ). ويرسم افقا اخر للوجود
المتعالي عن الماساة التي يتحكم فيها ” ضبع الحقيقة” ( يقول سنحيا ولو
تركتناالحياة/ الى شاننا لنكن سادة الكلمات التي سوف تجعل قراءها خالدين…). انه
افق يتجاوز الممكن ( وقال اذا مت قبلك/ اوصيك بالمستحيل…/ على بعد جيل…). السين
لماذا وظف الشاعر الحداثي تقنية شعرية في حكم التقليدية؟ هذا سؤال قد يتبادر
الى ذهن قارئ هذه القصيدة التي تعنون نفسها ” طباق- عن ادوارد سعيد”
فاللفظة الاولى تحيل على اسلوب بلاغي قعدت له البلاغة العربية القديمة( مثل ابو
تمام اهم نماذجه). اما العبارة الموضوعة بين قوسين في اصل القصيدة فتحيل على اسم
المفكر و الباحث الفلسطيني الذي كان مقيما في الولايات المتحدة الامريكية، والحامل
لجنسيتها، والذي توفي مطلع القرن الجديد ،فرثاه درويش، والرثاء كما هو معروف في
ادبياتنا غرض شعري قديم ، يقوم على ” مدح الميت” من خلال استحضار مناقبه
و منجزاته، فهل لجوء درويش للرثاء و الطباق له دلالات خاصة ؟ ان حضور الرثاء في
قصيدة ” طباق” لا يحضر كغرض شعري تقليدي بقدر ما نجد له عدة مبررات
للحضور ، اولها انه حالة انسانية يعبر عنها الشاعر اتجاه غياب صديقه الذي هو اكبر
من شخص عادي.. وثانيها ان المضامين التي استعرضتها القصيدة تتجاوز مفهوم الرثاء في
معناه الضيق اي التغني بمناقب الميت، فالقصيدة تتغنى فعلا بمناقب ادوارد سعيد
كفقيد ، ولكنها تلامس هموم ذات الشاعر و اسئلته القلقة ( وضمنها السؤال الشعري
الجمالي ” ماذا يقول لنا الشعر في زمن الكارثة؟)، اتجاه الوجود والقضية
الفلسطينية بطريقة غير مباشرة،كما عهدنا في قصائد اخرى، وهذا يجعل الرثاء هنا
يتحرر من طابعه الضيق كما رسمته القصيدة القديمة. لقد تعرض الرثاء لعملية تحديث؟
اما عن حضور الطباق كتقنية تصويرية في القصيدة ، فهو ايضا له ما يبرره وله اكثر من
دلالة ، فالطباق في صورته التقليدية القديمة وسيلة فنية تنحصر في اطار عملية
تجميلية تزيينية داخل القصيدة ،وقد يهدف الى استعراض المهارات الفنية ، وقد يعبر
عن صور جزئية ترسمها القصيدة ، وقد يحقق دلالات اخرى ، لكنه هنا في قصيدة
“طباق” يحضر ليلبي حاجة فنية – ربما- اوسع ، فبملاحظتنا للفظة
“طباق” نسجل انها تعبر عن معاني متعددة ، وتحمل ضمن ما تحمل من معاني
معنى التطابق، اي التوافق ، كما تحمل معنى التناقض ، وداخل القصيدة يتم استثمار
هذين البعدين بجمالية عالية (في داخلي خارجي المتجدد)، فان كانت الذات تقوم على
الباطن و الظاهر ، فانها في علاقتها بالمكان تعيش ازدواجية التناقض/ التطابق ( يقول
انا من هناك ، انا من هنا / ولست هناك ولست هنا / لي اسمان يلتقيان و يفترقان…)
، ولايهم ان تكون هذه الذات للشاعر ام لصديقه ، فالتطابق حاصل بينهما في الالم
والحلم ( ان متت قبلك ) سؤال تتقمصه الذاتان المتوحدتان، كما ان تجليات التطابق
تظهر من خلال سلسلة من التعابير و التقنيات ( مركزية ثنائية انا/ انت، قال كلانا /
لي اسمان / لغتان / انا اخري في ثنائية تتناغم /انا اثنان في واحد / جناحا
سنونوة….). وبنفس التجلي يتحقق التناقض بين الشاعر/ صديقه، والاخر / الغريب الذي
يعتبر مصدر الالم و الذي يمارس على الذات الاقصاء من المكان الحميمي المفقود (
الوطن = البيت بالقدس ) والذي يشهر في وجهه سؤال الجلاد ( من الزائر الاجنبي
الفضولي ؟/ لا مكان لحلمين / في مخدع واحد …) . الطاء من خلال رسم
القصيدة لصورتين متشابهتين و متطابقتين للشاعر و صديقه ، ترتسم كل منهما من خلال
نظرة الواحد للاخر ومن خلال منطوق كل منهما ،ونسجل هنا ان الشاعر ، عبر هذا الحوار
التوليدي الذي يعتمده في القصيدة في ، يحترف لعبة الاسئلة في مقابل لعبة الاجوبة
التي يلعبها صديقه ، ولكن ذات الشاعر في نهاية المطاف هي بوثقة السؤال و الجواب
معا ، فظاهريا يعتمد الشاعر اسلوب السؤال الصريح او المباشر لصديقه الفقيد معتمدا
الطريقة الديالوجية/ الحوارية ، ولكنه بالموازاة مع ذلك يمارس اخرى هي لعبة اسئلته
الضمنية بواسطة المونولوجية او الحوار الداخلي ، فاسئلة الهوية والذات و الحنين و
الكتابة الموجهة للصديق، ما هي الا اسئلة شخصية ، كثيرا ما اقلقت درويش في كتاباته
السابقة كمثقف وشاعر ومناضل وطني وانساني ، وبهذا يستطيع ان يعبر صوت الشاعر عن
نفسه من خلال وصفه و تقديمه لصوت الصديق الفقيد ، فدرويش يقدم معاناته وفرحه ايضا
عبر ذات صديقه، والاصوات المتعددة الحاضرة داخل النص الى جانب صوتي كل من الشاعر
وسعيد هي صوت الشاعر الرعوي وصوت النساء وصوت الاخر ،وكلها اصوات معبرة عن خصوصية
متكلميها ( كما تحدث عن ذلك باختين في الرواية ) و دقائق لغاتهم المختلفة
والمتنوعة وتحقق هدفا فنيا مؤكدا هو تجاوز الغنائية الذاتية ، سجينة المونولوجية ،
الى الديالوجية المتعددة و التي تمنح هنا امكانيات جمالية تتجواوز ما الفناه في
النغمةالغنائيةالمحدودة. يضاف الى هذا ان توظيف الحوار ومن تم الحوارية يساهم في
ترهين الوقائع والمواقف ويمنح الميت/ الفقيد المرثي البعيد في الواقع امكانية
التواجد المباشر من خلال كلامه وممارسته للتلفظ ( التعبيرية)، وهذا يفترض الانتماء
لزمن الحاضر بعيدا عن زمن الماضي ( زمن مناقب الميت). الياء بملاحظتنا
للبعدين النضالي والجمالي في رؤية الشاعر العربي محمود درويش نستنتج وكانه في
قصيدته ” طباق” يحاول ان يبلغنا ببيانين تحملهما الينا الوظيفة
التوجيهية في الخطاب، هما ا/البيان النضالي. ب/ البيان الشعري الجمالي . اما بيانه
النضالي فما هو سوى نسخة منقحة ومزيدة عن سفر التزامه بالقضية الفلسطينية ، لا
كقضية وطنية و قومية فقط ، ولكن كقضية انسانية كونية عادلة ،تجسد بعمق ابشع انموذج
للظلم الذي يلحق الشعوب ضحية غطرسة العدوان الاستيطاني وبطشه…ولان درويش يحاول
دوما ان يتخلص من صورة ” شاعر القضية” بمعناها الميكانيكي، فانه يسعىالى
ان يكون شاعرا قبل ان يكون مناضلا ( فليس الجمال الا حضور الحقيقي في الشكل)كما
يقول ولذالك فانه اثت فضاء القصيدة بمواقف نضالية، ترسم ملامح المناضل العضوي ،
سواء من خلال صورته الذاتية او صورة صديقه ، واهمها ( يكتب تعليقه المتوتر ، يلعن
مستشرقا يرشد الجينرال الى نقطة الضعف/ في قلب شرقية – لكنني انتمي لسؤال الضحية /
فاحمل بلادك انى ذهبت وكن/ نرجسيا اذا لزم الامر – ادافع عن فكرة كسرتها هشاشة /
اصحابها / وادافع عن بلد خطفته الاساطير/ممارسة الحنين والتعلق بالماضي انطلاقا من
الحاضر / دم ودم ودم في بلادك / دم في النهار ، دم في الظلام / دم في الكلام .
واصرخ لتسمع نفسك / واصرخ لتعلم انك مازلت حيا و حيا …). واما بيانه الشعري
الجمالي فهو محاولة تاكيد لاطروحة التجديد و التنويع المستمرين في تجربته الشعرية
، مع استثمار اكبر قدر من الامكانيات اللغوية و التراثية، واشكال التعبير الحديثة،
لذلك فانه اسس بيانه هذا – غير المعلن- على النقط التالية 1- امكانية انفتاح الشعر
على النثر السردي. 2- امكانية توظيف الحوارية و تعدد الاصوات. 3- اعتبار الشعر
وسيلة لمواجهة الكارثة( ان كان صديقه لا يستطيع مواجهة الخسارة فان القصيدة تستطيع
ان تستضيف الخسارة على حد قول النص ). 4- الكلمة تؤسس الخلود للقراء . 5- القصيدة
هبة عزاء . 6- ليس الجمالي سوى حضور للحقيقي في الشكل . 7- الجمالي حرية . ولعل
هذا النوع من تشفير لغة القصيدة لتحميلها عدة خطابات الى القارئ، يرسخ سعي درويش
الحقيقي الى ان يكون شاعرا اولا، ومنحازا للشعر دائما ، اما السياسة فيهددها
” ضبع الحقيقة” حسب القصيدة . النون تبدو الصداقة ، كعلاقة انسانية
نبيلة ، في ابهى صورها داخل النص/ القصيدة ، انها موضوع لحكاية القصيدة ، ومن هنا
يتسرب السرد الى القصيدة او تنفتح هي عليه في اطار تعالق جدلي بينهما . فاين تتجلى
الخصائص السردية داخل هذا النص الشعري الحداثي ؟ يستهل النص بذكر للمكان و الزمان
( نيويورك/ نوفبر) كاحداثيتين اساسيتين لقيام كل سرد حكائي، وتنبني لعبة السرد على
جملة من عناصر الحكي اهمها السارد و الشخصيات و بعض القوى الاخرى ، بالاضافة الى
لغة تمزج بين تقنيات الوصف والسرد والحوار … تتمركز الحكاية داخل القصيدة حول
سارد متكلم و مشارك في الوقائع السردية ( التواجد بنيويورك – زيارة صديقه –
التحاور معه ..) وهي تقنية سردية معروفة في القصة والرواية الحديثتين ( الرؤية مع
) ، وتعتبر الاكثر مناسبة للغة الحوار الموظفة بغزارة في القصيدة . وهذا الاختيار
الفني يستتبعه اخر مطابق له هو منح مساحة واسعة من الحرية للشخصية الاساسية في
الحكاية للتكلم ،بحيث ان تلفظات ادوارد تكتسح مساحة النص ( ممارسة لعبة الجواب/
التعبير) ، في مقابل تلفظات الشاعر التي تساير سابقتها ( ممارسة لعبة السؤال ).
ومن خلال هذا التقابل تترسخ مكانة الشاعر و صديقه كاهم شخصيتين داخل القصيدة، مع
وجود شخصيات اخرى اقل اهمية .والى جانب ذلك لابد من الاشارة الى وجود قوى غير
بشرية اهمها الموت ، الشعر ،الكتابة ، الالم والحلم ، وهي كلها تمارس حضورها القوي
داخل نسيج حكاية الصداقة بين الشاعر و صديقه ، فلولا الموت لما ولدت الحكاية ،
ولولا الالم و الحلم لما خلق الشعر و الكتابة … وكل هذا له علاقة بالشخصيتين
المحوريتين ( محمود/ سعيد). اما الاماكن فانها كثير ودالة ويمكن اختزالها في قطبين
*الشرق( الوطن- مكان الحلم والهوية و الالم/ البيت ..) * الغرب ( نيويورك/
امريكا). مع كثافة الاماكن الدالة على القطب الاول كمؤشر على الانحياز الضمني
لمكان القضية و مكان الهوية، انه مؤشر يشي بالبيان النضالي للشاعر، مع الاشارة الى
توظيف اماكن رمزية مثل سدوم و بابل و الالمب ، للاحالة على وضعية حالية ،
ونشير-ايضا – الى طبيعة الاحداث في القصيدة ، انها قصيدة حكائية تختار احداثا
بطابع تجريدي و ذهني لا حركي ، بحيث ان فضاء الذات السيكولوجي يعج بالوان من
التحولات و الوقائع الذهنية …قلق الذات بصددالهوية ، قلق الذات بصددالكتابة ،
حفر الحنين في جراح الغياب ، الحوار الحضاري بين الصديقين….انها احداث لا يمكن
ان نراها بقدر ما يمكن ان تستشعرها، نحسها و نتصورها ذهنيا …ان طبيعة الاحداث
مناسبة لاشكال التصوير الفني التي تتيحها الكتابة الشعرية في هذه القصيدة. ارى ما
اريد او على سبيل الختم كانت هذه ملاحظات رايت من خلالها ما اريد في هذه القصيدة ،
بعيدا عن الصرامة المنهجية ، معتمدا على عشقي في قراءة الابداع ، وهي قصيدة تحتاج
للمزيد من الدراسة للكشف عن غناها الباذخ… وذلك افق اخر
للعمل………………. 


ذ/ عبد الجليل لعميري




انظر قصيدة طباق للمرحوم الشاعر محمود درويش


نيويورك،
نوفمبر، الشارع الخامس

الشمس صحن من المعدن المتطاير
فوضى لغات
زحام على مهرجان القيامة
هاوية كهربائية بعلو السماء
قصائد ويتمان
تمثال حرية لا مبال بزوّاره
جامعات
مسارح
قداس جاز
متاحف للغد
لا وقتَ في الوقت
قلت لنفسي الغريبة:
هل هذه بابل، أم سدوم؟
هناك التقيت بإدوارد قبل ثلاثين عاما
وكان الزمان أقلَّ جموحا من الآن
قال كلانا:

إذا كان ماضيك تجربة
فاجعل الغد معنىً ورؤيا
لنذهب إلى غدنا واثقين بصدق الخيال
ومعجزة العشب
لا أتذكر أنّا ذهبنا إلى السينما في المساء
ولكنْ سمعت هنودا قدامى ينادونني
لا تثق بالحصان ولا بالحداثة
لا ضحية تسأل جلادها: هل أنا أنتَ
لو كان سيفي أكبرَ من وردتي
هل تسأل إن كنت أفعل مثلك
سؤال كهذا يثير فضول الروائي
في مكتب من زجاج
يطل على زنبق في الحديقة
حيث تكون يد الفرضية بيضاء
مثل ضمير الروائي
حين يصفّي الحساب مع نزعة البشرية
لا غدَ في الأمس
فلتتقدمْ إذا
قد يكون التقدم جسر الرجوع
إلى البربرية

نيويورك
إدوارد يصحو على جرس الفجر
يعزف لحنا لموتسارت
يركض في ملعب التنس الجامعي
يفكر في رحلة الفكر عبر الحدود وفوق الحواجز
يقرأ نيويورك تايمز
يكتب تعليقه المتوتر
يلعن مستشرقا يرسل الجنرال إلى نقطة الضعف
في قلب شرقية
يستحمّ
ويختار بذلته بأناقة ديك
ويشرب قهوته بالحليب
ويصرخ في الفجر: لا تتلكأ
على الريح يمشي
وفي الريح يعرف من هو
لا سقف للريح
لا بيت للريح
والريح بوصلة لشمال الغريب
يقول:
أنا من هناك
أنا من هنا
ولست هناك ولست هنا
ليَ اسمان يلتقيان ويفترقان
ولي لغتان نسيت بأيهما كنت أحلم
لي لغة إنجليزية للكتابة طيّعة المفردات
ولي لغة من حوار السماء مع القدس
فضية النبر
لكنها لا تطيع مخيلتي
والهوية قلت
قال دفاع عن الذات
إن الهوية بنت الولادة
لكنها في النهاية إبداع صاحبها
لا وراثة ماض
أنا المتعدد
في داخلي خارجي المتجدد
لكنني أنتمي لسؤال الضحية
لو لم أكن من هناك
لدربت قلبي على أن يربي غزال الكناية
فاحمل بلادك أنّى ذهبت
وكن نرجسيَ السلوك
لكي يعرفوك إذا لزم الأمر
منفى هو العالم الخارجي
ومنفى هو العالم الباطني
فمن أنت بينهما؟
لا أعرّف نفسي لئلا أضيّعها
وأنا ما أنا
وأنا آخري في ثنائية تتناغم بين الكلام وبين الإشارة
ولو كنت أكتب شعرا لقلت:
أنا اثنان في واحد كجناحيْ سنونوة
إن تأخر فصل الربيع اكتفيت بنقل الإشارة
يحب بلادا
ويرحل عنها
هل المستحيل بعيد؟
يحب الرحيل إلى أي شيء
ففي السفر الحر بين الثقافات
قد يجد الباحثون عن الجوهر البشري
مقاعد جاهزة للجميع
هنا هامش يتقدّم
أو مركز يتراجع
لا الشرق شرق تماماً
ولا الغرب غرب تماماً
فإن الهوية مفتوحة للتعدد
لا صَدَفا
أو خنادق
كان المجاز ينام على ضفة النهر
لولا التلوث لاحتضن الضفة الثانية
هل كتبت الرواية؟
حاولت
حاولت أن أستعيد بها صورتي
في مرايا النساء البعيدات
لكنّهن توغلن في ليلهن الحصين
وقلنَ: لنا عالم مستقل عن النص
لن يكتب الرجل المرأة اللغز والحلم
لن تكتب المرأة الرجل الرمز والنجم
لا حب يشبه حباً
ولا ليل يشبه ليلاً
فدعنا نعدد صفات الرجال ونضحك
وماذا فعلت؟
ضحكت على عبثي
ورميتُ الرواية في سلة المهملات
المفكر يكبح سرد الروائي
والفيلسوف يشرّح ورد المغني
يحب بلاداً
ويرحل عنها
أنا ما أقول وما سأكون
سأصنع نفسي بنفسي
وأختار منفاي موسوعة لفضاء الهوية
منفاي خلفية المشهد الملحمي
أدافع عن حاجة الشعراء
إلى الغد والذكريات معاً
وأدافع عن شجر ترتديه الطيورُ
بلاداً ومنفى
وعن قمر لم يزل صالحاً لقصيدة حب
أدافع عن فكرة كسرتها هشاشة أصحابها
وأدافع عن بلد خطفته الأساطير
هل تستطيع الرجوع إلى أي شيْ؟
أمامي يجرّ ورائي ويسرع
لا وقت في ساعتي لأخط سطوراً على الرمل
لكنني أستطيع زيارة أمس
كما يفعل الغرباء
إذا استمعوا في المساء الحزين
إلى الشاعر الرعوي:
فتاة على النبع تملأ جرتها بدموع السحاب
وتبكي وتضحك
من نحلة لسعت قلبها
في مهب الغياب
هل الحب ما يوجع الماء
أم مرض في الضباب
..إلى آخر الأغنية
إذا
قد يصيبك داء الحنين
حنيني إلى الغد
أبعد أعلى وأبعد
حلمي يقود خطاي
ورؤياي تجلس حلمي على ركبتيّ
كقط أليف
هو الواقعي الخيالي
وابن الإرادة
في وسعنا أن نعدّل حتمية الهاوية
والحنينُ إلى أمس عاطفة لا تخص المفكرَ
إلا ليفهم شوق الغريب
إلى أدوات الغياب
وأما أنا فحنيني صراع على حاضر
يمسك الغد من خصيتيه
ألم تتسلل إلى الأمس
حين ذهبت إلى البيت
بيتك في القدس
في حارة الطالبية؟
هيأت نفسي لأن أتمدد في تخت أمي
كما يفعل الطفل حين يخاف أباه
وحاولت أن أستعيد ولادة نفسي
وحاولت أن أتحسس جلد الغياب
ورائحة الصيف من ياسمين الحديقة
لكنّ ضبع الحقيقة فرّقني
عن حنين تلفت كاللص حولي
أخفت؟
وماذا أخذت؟
لا أستطيع لقاء الخسارة وجها لوجه
وقفت على الباب كالمتسوّل
هل أطلب الإذن من غرباء
ينامون فوق سريري أنا في زيارة نفسي
لخمس دقائق
هل أنحني باحترام
لسكان حلمي الطفولي
هل يسألون:
من السائل الأجنبي الفضولي
هل أستطيع الكلام عن السلم والحرب
بين الضحايا وبين ضحايا الضحايا
بلا كلمات إضافية
وبلا جملة اعتراضية
هل يقولون لي:
لا مكان لحلمين في مخدع واحد
لا أنا أو هو
ولكنه قارئ يتساءل
عما يقول لنا الشعر في زمن الكارثة
دم
ودم
ودم في بلادك
باسمي وباسمك
في زهرة اللوز
في قشرة الموز
في لبن الطفل
في اللون
في الظل
في حبة القمح
في علبة الملح
قناصة بارعون
يصيبون أهدافهم بامتياز
دما
ودما
ودما
هذه الأرض أصغر من دم أبنائها الواقفين
على عتبات القيامة مثل القرابين
هل هذه الأرض حقا مباركة
أم معمّدة بدم
ودم
ودم لا تجففه الصلوات
ولا الرمل
لا عدّ في صفحات الكتاب المقدس
يكفي لكي يفرح الشهداء
بحرية المشي فوق الغمام
دم في النهار
دم في الظلام
دم في الكلام
يقول: القصيدة قد تستضيف الخسارة
خيطا من الضوء يلمع في قلب غيتارة
أو مسيحا على فرس مثخن بالمجاز الجميل
فليس الجمالي إلا حضور الحقيقي في الشكل.
في عالم لا سماء له
تصبح الأرض هاوية
والقصيدة إحدى هِبات العزاء
وإحدى صفات الرياح
جنوبية أو شمالية
لا تصف ما ترى الكاميرا من جروحك
واصرخ لتسمع نفسك
واصرخ لكي تعلم
أن الحياة على هذه الأرض ممكنة
فاخترع أملا للكلام
ابتكر جهة أو سرابا
يطيل الرجاء
وغنّ
فإن الجمالي حرية
أقول:
الحياة التي لا تعرّف
إلا بضد هو الموت
ليست حياة
يقول:
سنحيا
ولو تركتنا الحياة إلى شأننا
فلنكن سادة الكلمات
التي سوف تجعل قراءها خالدين
على حد تعبير صاحبك الفذ ريتسوس
وقال: إذا متّ قبلكَ
أوصيك بالمستحيل
سألت:
هل المستحيل بعيدٌ؟
فقال: على بعد جيل
سألت:
فإن متّ قبلك
قال: أعزّي جبال الجليل
وأكتب: ليس الجمالي إلا بلوغ الملائم
والآن، لا تنس
إن متّ قبلكَ
أوصيك بالمستحيل
عندما زرته
في سدومَ الجديدة في عام ألفين واثنين
كان يقاوم حرب سدوم على أهل بابل
والسرطان معا
كان كالبطل الملحمي الأخير
يدافع عن حق طروادة في اقتسام الرواية
نسر يودع قمته
عاريا
عاريا
فالإقامة فوق الأولمب
وفوق القممْ
تثير السأم
وداعا
وداعا
وداعا لشعر الألم