صرخة فلسطيني .. للكاتب الصحفي بوشعيب حمراوي
بقلم : بوشعيب حمراوي
أنا… الفلسطيني الذي لم يغادر
أنا لا أبدأ قصتي من ولادتي،
بل من لحظةٍ أقدم…
من حجرٍ في القدس،
ومن زيتونةٍ في الجليل،
ومن مفتاحٍ ما يزال معلّقًا في عنق أمّي منذ 1948.
أنا فلسطيني…
أي أنني وُلدتُ وفي صدري خريطة،
وفي ظهري نكبة،
وفي دمي توقيتٌ دائم للوجع.
مكاني ليس نقطةً على الورق،
مكاني ذاكرةٌ تمشي على قدمين.
غزّة ليست شريطًا ساحليًا،
غزّة رئةٌ يتنفس بها شعبٌ مخنوق.
الضفّة ليست تلالًا،
إنها مقبرةٌ مفتوحة لأحلام الشباب.
القدس ليست مدينة،
هي اختبارٌ أخلاقي للعالم.
في حارتي،
البيت الذي سُرق من جارنا صار ثكنة.
المدرسة التي كنا نغني فيها صارت هدفًا.
المستشفى صار مصيدة موت.
حتى المقابر لم تعد آمنة.
هنا،
كل مترٍ له شاهد…
كل حجرٍ له قصة دم.
زمني لا يُقاس بالساعات،
يُقاس بالغارات.
الطفولة تنتهي عند أول قصف.
الشباب يُختصر عند أول حاجز.
الشيخوخة تأتي فجأة عند أول فقدان.
في فلسطين،
الوقت لا يمضي…
الوقت يُنزف.
أمي تحفظ التواريخ كما يحفظ الناس أعيادهم:
هذا اليوم قُتل أخوك.
هذا اليوم هُدم بيتنا.
هذا اليوم أُغلق المعبر.
هذا اليوم لم يصل الحليب.
ونحن نحفظ أسماء الشهداء أكثر مما نحفظ أسماء الشهور.
الاحتلال ليس جنديًا فقط،
الاحتلال نظام كامل لإلغاء إنسان.
هو جدارٌ يفصل القلب عن الرئة.
هو تصريحٌ يحدد من يعيش ومن ينتظر.
هو بندقيةٌ تقرر من يدفن ومن يُنسى.
أنا أُفتَّش يوميًا
كما لو أنني جريمة تمشي.
طفلي يُوقَف عند الحاجز
كما لو أنه تهديد أمني.
أمّي تُهان
كما لو أن كرامتها ترف.
هكذا يصنع الاحتلال:
شعبًا يعيش تحت الاختبار الدائم:
هل ستُطلق النار اليوم؟
هل ستمرّ القافلة؟
هل نعود؟
رأيتُ رجلاً
يُضرب لأنه لم يفهم أمرًا بالعبرية.
رأيتُ طفلًا
يُعتقل لأنه رمى حجرًا على دبابة.
رأيتُ امرأة
تُترك تنزف عند الحاجز لأن الجندي “ينتظر أوامر”.
في السجون،
لا يسألونك عن اسمك،
يسألونك كم تصمد.
العتمة وسيلة تحقيق.
الحرمان سلاح.
الصمت عقوبة.
يُكسرون جسدك
ليصلوا إلى روحك.
ليس كل من خاننا كان عدوًا.
بعضهم تكلم باسمنا،
ثم باع دمنا في المزاد.
بعضهم وقّع باسم السلام،
ثم فتح الأبواب للدبابات.
بعضهم صمت عندما كنا نُقتل،
لأن الصمت أرخص من الحقيقة.
الخيانة ليست فقط أن تطعن،
بل أن تترك الطعنة تنزف بلا إسعاف.
العالم يشاهدنا
كما تُشاهد مباراة كرة قدم.
يتحدثون عن “الطرفين”.
عن “التصعيد”.
عن “القلق”.
لكنهم لا يتحدثون عن الطفل
الذي يبحث عن أمه تحت الركام.
لا يتحدثون عن المدينة
التي تُمحى من الخرائط.
لا يتحدثون عن شعب
يُحاصَر لأنه وُلد في المكان الخطأ.
القانون الدولي
يُعلَّق عندما نُقصف.
حقوق الإنسان
تُؤجَّل عندما نموت.
بعض الدول لا تطلق الصواريخ،
لكنها تبيعها.
بعض الحكومات لا تضرب،
لكنها تمنح الغطاء.
بعض الإعلام لا يقتل،
لكنه يبرر القتل.
وهكذا،
تتحول الجريمة إلى خبر،
والقتل إلى “حق في الدفاع”،
والضحايا إلى أرقام.
أنا حفيد نازح،
وابن لاجئ،
وأب لطفل مهدد بالطرد.
بيتنا ليس آمنًا
لأن خارطة قديمة تقول إن غيرنا يريده.
نحن لا نغادر لأننا نريد،
نغادر لأن القصف يجعل البقاء مستحيلاً.
ثم يقولون:
“لقد رحلوا طوعًا”.
لماذا لم نختف؟
لأننا لسنا خطأً في التاريخ.
نحن ذاكرة الأرض.
لأن الزيتون لا ينسى جذوره.
ولأن الحجر يعرف صاحبه.
لأن الطفل الذي يولد تحت القصف
يولد ومعه وعد.
وعد أننا سنبقى.
أنا الفلسطيني
أنا لست رقمًا في نشرة.
أنا لست صورة في تقرير.
أنا إنسان
يحمل وطنه في قلبه
لأن وطنه لا يستطيع أن يحمله.
قد يُهدم بيتي،
لكن ذاكرتي لا تُقصف.
قد يُقتل جسدي،
لكن حكايتي تمشي في أفواه الأحرار.
أنا فلسطيني…
والحق لا يموت
طالما هناك من يرويه.
… وأنا الفلسطيني، أقول لكم هذا الآن
ورغم كل ما رأيت،
رغم القتل،
رغم التنكيل،
رغم الخراب الذي صار اسمًا لبلدي
لم أنكسر.
أنا واقف،
ليس لأنني لا أتألم،
بل لأن السقوط خيانة لدم الذين سبقوني.
سيبقون يحصدون الأرواح،
نعم…
لكنهم لا يعرفون أن رحم المرأة الفلسطينية
مصنع حياة لا يُقصف.
كل شهيد
يترك خلفه
ألف مقاتل من ذاكرة،
وألف طفل يحمل اسمه.
قد يكون النصر اليوم
للطغاة والمجرمين،
قد تكون السماء الآن
مملوكة للطائرات،
والأرض
تحت سكاكين المحتلين،
لكن الغد…
الغد لا يملكه القتلة.
الغد يولد من صبر الأمهات،
من دموع الأطفال،
من جذور الزيتون التي لا ترى الشمس
لكنها تعرف الطريق.
سيأتي الفرج،
ليس كمعجزة،
بل كثمرة نضال طويل.
سيأتي الإنصاف،
ولو بعد حين.
ستعود الأرض لنا،
لأنها لم ولن تعترف يومًا بالغاصب.
وستزهر أشجار الزيتون من جديد،
وستأتي الغلّة،
وستختفي العِلّة والمذلّة،
وسنمشي على ترابنا
مرفوعي الرأس
كما وُلدنا.
أنا الفلسطيني…
لا أطلب شفقة،
أطلب فقط أن أُترَك حيًّا
لأكمل معركتي.
ولأنني أعرف:
أن الليل مهما طال
لا بد أن يخجل ويختفي
بعد ان يطل الفجر.
وفجرنا بحول الله قريب
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة





















