أخر الأخبار
الرئيسية » اخبار » التسخينات الانتخابية بإقليم اليوسفية بين ضجيج فيسبوك وثقل الأسماء، هل يتغير المشهد أم يعاد إنتاجه؟

التسخينات الانتخابية بإقليم اليوسفية بين ضجيج فيسبوك وثقل الأسماء، هل يتغير المشهد أم يعاد إنتاجه؟

في  اقليم اليوسفية، لم تعد السياسة تُصنع فقط داخل مقرات الأحزاب، بل انتقلت بقوة إلى صفحات فيسبوك، حيث يتصاعد الضجيج، وتُصاغ المواقف، وتُتداول الأخبار بشكل يومي، إلى حدّ أصبحت معه ملامح المشهد الانتخابي تُرسم افتراضياً قبل أن تتشكل على أرض الواقع. أسماء وازنة تُطرح كمرشحين محتملين، من مستوى وزراء ومسؤولين كبار، وأخرى تُروَّج في سياق صراع التزكيات، فيما تتحول بعض الصفحات إلى فضاءات مفتوحة للتأثير، تختلط فيها المعطيات الحقيقية بالتكهنات، بل أحياناً بحملات موجهة. هذا الزخم الرقمي لا يمكن فصله عما يجري في الكواليس، حيث تتحدث تسريبات عن تحركات مبكرة داخل عدد من الأحزاب لإعادة ترتيب أوراقها في الإقليم، والدفع بأسماء قادرة على قلب موازين القوى، في ظل قناعة متزايدة بأن المرحلة المقبلة لن تُحسم بسهولة. لكن مقابل هذا الحراك، يبرز سؤال أكثر عمقاً: لماذا يتجه النقاش دائماً نحو الأشخاص بدل البرامج؟ ولماذا تُطرح الحلول في شكل “أسماء قوية” بدل مشاريع واضحة؟ ما يزيد من حدة هذا النقاش هو استحضار الذاكرة السياسية للإقليم، التي ما تزال تحتفظ بصورة مفارقة: في لحظة سابقة، لم يُحسن الفاعلون المحليون التفاعل مع شخصية بارزة، في حين يُعاد اليوم طرح نفس المنطق، ولكن في الاتجاه المعاكس، عبر البحث عن مرشحين بنفس الوزن أو أكثر. وهي مفارقة تختزل أزمة أعمق، حيث لم يتغير جوهر الإشكال، بل تغيرت فقط زاوية النظر إليه، في ظل استمرار العجز عن إنتاج بدائل محلية قادرة على ملء هذا الفراغ. وفي خضم هذا الجدل، يبرز خطاب آخر لا يقل حضوراً، يُختزل في عبارة متكررة: “ولد البلاد هو الأعرف بخبايا الأمور”. عبارة تُستدعى كلما طُرحت أسماء من خارج الإقليم، وتُقدَّم كحجة لإعادة الاعتبار للنخبة المحلية، باعتبارها الأقرب إلى الواقع والأقدر على فهم تفاصيله. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته الظاهرية، يفتح بدوره باباً واسعاً للنقاش: هل يكفي الانتماء الجغرافي لضمان الكفاءة؟ وهل المعرفة المحلية، مهما كانت دقيقة، يمكن أن تعوض غياب الخبرة والتجربة في تدبير الشأن العام؟ ولا يتوقف الجدل عند هذا الحد، بل يمتد إلى سؤال جديد فرضه الواقع الرقمي: هل أصبح “فيسبوك المحلي” قادراً فعلاً على صناعة الرأي العام والتأثير في سلوك الناخبين؟ فمن جهة، لا يمكن إنكار أن هذه المنصات وفّرت فضاءً غير مسبوق للتعبير، وكسرت احتكار المعلومة، وسمحت بطرح قضايا كانت تُناقش في الكواليس فقط. لكنها، من جهة أخرى، أفرزت نمطاً من النقاش السريع، القائم على الإثارة والتفاعل اللحظي، أكثر من اعتماده على التحليل العميق أو المعطيات الدقيقة. وبين هذا وذاك، يبقى تأثير هذا “الفيسبوك المحلي” نسبياً، يتأرجح بين القدرة على توجيه النقاش وخلق موجات مؤقتة من التأثير، وبين محدودية ترجمته على أرض الواقع داخل صناديق الاقتراع، حيث تتدخل عوامل أخرى أكثر تعقيداً، مرتبطة بالثقة، والقرب، والشبكات الاجتماعية التقليدية. في العمق، يعكس هذا المشهد أزمة مركبة: أزمة نخبة، وأزمة خطاب، وأزمة وسائط. فحين يغيب المشروع، يعلو الصوت، وحين تضعف الثقة، يشتد الجدل، وحين تتعدد المنابر، يتشتت المعنى. وبين كل هذه المستويات، يظل الناخب في موقع المتلقي، يبحث عن وضوح لا يجده، وعن بدائل لا تتبلور بعد. وفي خضم هذا المشهد، لا تبدو الصورة متجهة نحو حسم سريع بقدر ما توحي بتعقيد أكبر في المرحلة المقبلة، حيث قد تتكاثر الأسماء دون أن تتضح الرؤى، وقد ترتفع حدة النقاش دون أن يرتقي إلى مستوى الانتظارات. وبين من يراهن على “ثقل الأسماء” ومن يدعو إلى “قوة المشاريع”، ومن يتمسك بشعار “ولد البلاد”، ومن يراهن على “الفيسبوك” كقوة تأثير، يظل الباب مفتوحاً على جميع الاحتمالات: إعادة إنتاج نفس التوازنات، أو بروز مفاجآت غير متوقعة، أو حتى تشكل وعي جديد يفرض قواعد مختلفة للعبة السياسية. فهل يكون هذا الضجيج مقدمة لتحول حقيقي، أم مجرد مرحلة عابرة تعيد ترتيب نفس الوجوه بأساليب جديدة؟ وهل يتحول الفضاء الرقمي من مجرد صدى للأحداث إلى فاعل مؤثر في صناعة القرار المحلي؟ أم أنه سيظل مجرد مرآة تعكس تناقضات الواقع دون أن تغيره؟ أسئلة تظل معلقة، في انتظار ما ستفرزه الأيام القادمة، في مشهد لا يزال مفتوحاً على أكثر من قراءة وأكثر من نهاية.