الوقت لا ينتظر أحدًا
هلا الخباز…كاتبة ومستشارة في العلاقات العامة وصناعة الصورة الذهنية
أمضيت عمري وأنا أراقب الأوان وهو يفوت.. هكذا بدأ الحديث وهو يعرفني عن نفسه، وفات العمر والأوان وأنا أنتظرها أن تأتي! سألته من هي؟ رد علي بصمت مجذع.. الحياة! نستيقظ كل يوم على سباق غير معلن بيننا وبين الزمن. نلاحق الساعات، ونرتّب الأيام كمن يحاول الإمساك بالماء وهو يتسرب من بين أصابعه. تمر السنوات فنكتشف أننا كنّا نعيش في “انتظار اللحظة المناسبة”، “انتظار الشخص المناسب”، “انتظار الفرصة المناسبة”، فنصحوا على حقيقة أننا عشنا الانتظار أكثر مما عشنا في اللحظة نفسها. يقول الفيلسوف سورين كيركغارد “الحياة تُفهم فقط إلى الوراء، لكنها تُعاش إلى الأمام”، نحتاج أن نتذكر المقولة حين ننظر إلى العمر وهو يتناقص بهدوء، كشمعة تنير غيرها وتذوب دون أن تنتبه.
وعلى الضفة الأخرى من صياغة المشاعر الإنسانية، سألت صديقتي الغائبة منذ سنوات كيف حال الدنيا معك؟ لتجيبني بابتسامة رضا “تتودد إلي”.. يا الله كم أثرت بي إجابتها لدرجة أنني تبنيتها وأصبحت أجيب عن السؤال ذاته “تتودد إلي وأتودد لها”، نحن الذين نحب الحياة ما استطعنا إليها سبيلا كما قال شاعرنا محمود درويش.
في دراسة نشرها معهد ماكس بلانك للأبحاث النفسية عام 2019، وُجد أن إدراك الإنسان مرور الوقت يتسارع كلما تقدم بالعمر، ليس لأن الأيام أصبحت أقصر، بل لأن الروتين يقلل تنوع التجارب، وكلما قلت التجارب الجديدة، تقلّ طبقات الذاكرة التي تُبطئ الإحساس بالزمن. أي أن من يعيش حياة متجددة يشعر أن الوقت أبطأ، بينما من يستسلم للرتابة يجد السنوات تتبخر دون أثر.. ولهذا قال مارسيل بروست: “الزمن الذي نضيعه في انتظار الزمن ليس زمناً نعيشه، بل زمناً نفقده”.
قليلون فقط يتقنون فن الحياة، من يعرفون كيف يخلقون لحظاتهم بدلاً من انتظارها، كيف يزرعون في كل يوم معنى، من يقتحمونها ويخوضون تجارب جديدة، يرتدون ألوانا جريئة، يكتبون أحلامهم ويسعون لتحقيقها.. يعيشونها.. جربوا أن تكتبوا عن 50 تجربة لن ترحلوا عن هذه الحياة وأنتم لم تحيوها!
في دراسة أجرتها جامعة هارفارد ضمن أطول بحث عن السعادة البشرية (بدأ عام 1938)، وُجد أن جودة العلاقات والعيش الواعي للحاضر العاملان الأهم لرضا الإنسان في الكبر، وليس المال أو النجاح المهني.
“ليست السنوات في حياتك هي ما يهم، بل الحياة في سنواتك” هي تجربة شخصية لرئيس الولايات المتحدة الأميركية إبراهيم لنكولن آمن بها وعاشها.
مازلت أذكر مقالا أثر بي كثيراً، عن الممرضة الأسترالية بروني وير التي عملت لسنوات في رعاية المرضى خلال أسابيعهم الأخيرة، وروت تجربتها حينما كانت تسألهم عن أكثر ما يندمون عليه قبل رحيلهم.
جاءت إجاباتهم متشابهة على نحو مؤلم:
“تمنيت لو عشت كما أريد، لا كما أراد الآخرون”.
“تمنيت لو لم أعمل كثيرًا”.
“تمنيت لو حافظت على صداقاتي القديمة”.
“تمنيت لو عبّرت أكثر عمّا أشعر به”.
“تمنيت لو سمحت لنفسي أن أكون أسعد”.
هذه الاعترافات ليست مجرد قصص عن ندم متأخر، بل مرآة لما نهدره من أعمارنا في تأجيل الحياة والخوض في أسبارها، لم يقل أحد منهم: “تمنيت لو امتلكت المزيد”، بل تمنوا لو عاشوا أكثر ولم ينتظروا.. يقول مصطفى صادق الرفاعي: “الناس لا يستيقظون إلا بعد فوات الوقت، كأنهم لا يعرفون قيمة اللحظة إلا حين تصبح ذكرى”.
أن نحسن الأوان يعني ألا نؤجل أفراحنا الصغيرة، ألا ننتظر مثالية اللحظة لنعبر عن امتنانا، أو أن لا نطرق الباب لأننا اشتقنا، أن نسعى لنحقق أحلامنا، أن نبحث عن وسيلة لنجوب العالم المليء بالمباهج. أن نعيش المعنى كما يقول الأديب طه حسين: “الوقت الذي يُحسب من العمر هو الوقت الذي نحياه بالمعنى، لا بالعدد”.
الأوان ليس نقطة في المستقبل بل قرار في الحاضر، فلا شيء يوجع الإنسان مثل إدراكه المتأخر أن الحياة لم تكن تنتظر إذنه لتبدأ.
في نهاية الرحلة، لن نندم على الأيام التي أتعبتنا، بل على الأيام التي تركناها تمضي دون أن نحياها. الممرضة “بروني وير” كانت محقة؛ فالندم الأكبر ليس على ما فعلنا، بل على ما لم نفعله حين كان الوقت ممكنًا. فلنحسن الأوان ما دمنا نستطيع، فالحياة لا تنتظر من يتردد على أعتابها، بل تفتح قلبها لمن يجرؤ على العيش.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة






















