تسريح أعوان النظافة والحراسة بالمستشفيات! للكاتب الصحفي اسماعيل الحلوتي
كتب اسماعيل الحلوتي
في الوقت الذي ما انفكت فيه الأصوات تتعالى منددة بارتفاع معدلات الفقر والبطالة، عبر الاحتجاجات الصاخبة ومختلف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، قبل حتى أن تكشف المندوبية السامية للتخطيط في مذكرتها الإخبارية برسم الفصل الأول من عام 2026 عن بلوغ معدل البطالة في الوسط الحضري 13,5 في المائة، تأبى “حكومة الكفاءات” وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة إلا أن تستمر في صم آذانها وتعميق جراح عديد الأسر المغربية، عبر اتخاذ مزيد من القرارات الجائرة، ومن بينها إقدام وزارة الصحة والحماية الاجتماعية في الأيام الأخيرة على تسريح عدد كبير من مستخدمي شركات المناولة المكلفين بالأمن الخاص والنظافة في المستشفيات العمومية، ليس لجرم اقترفوه سوى أنهم لا يتوفرون على المستوى التعليمي اللازم.
فمما لا جدال فيه أن الموارد البشرية تعد من بين أهم العناصر الأساسية في منظومة في الإصلاح الإداري، باعتبارها ركيزة أساسية في الارتقاء بجودة الخدمات وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة، لاسيما في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية. لذلك لا أحد من المواطنات والمواطنين المغاربة يعترض على تكوين وإعادة تأهيل المستخدمين والموظفين في القطاع العام، والسعي إلى إحداث تغيير إيجابي ملموس في أداء الأفراد والجماعات داخل المرافق العمومية، مما يساهم في تحقيق توازن بين الكفاءة والنجاعة في تدبير الموارد المتوفرة، حيث أن حسن استثمار الرأسمال البشري، يشكل رافعة أساسية لإعادة بناء علاقة جديدة بين الإدارة والمواطنين، قوامها الثقة والصدق والشفافية وجودة الخدمات…
بيد أن ما لا يمكن استساغته هو أن يتخذ مسؤول حكومي فجأة ودون سابق إشعار قرارا ارتجاليا من غير أدنى مراعاة لما يمكن أن يترتب عنه من تداعيات اجتماعية واقتصادية مباشرة، تتمثل بالأساس في المس بالاستقرار الاجتماعي وكرامة الشغيلة في القطاع الذي يشرف عليه، وإلا ما معنى أن يقدم وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي في إطار الصفقات الجهوية الجديدة على التعاقد مع شركات خاصة، في فرض مستوى تعليمي معين ضمن الشروط الضرورية لاستمرار حراس الأمن الخاص في القيام بأشغالهم، علما أن هناك أعدادا كبيرة منهم انخرطت في العمل منذ حوالي عشرات السنين، كونت خلالها أسرا كثيرة؟
وهو القرار الذي أدى إلى استياء عميق وأثار ردود أفعال غاضبة، مما دفع بالنقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل إلى الدخول على الخط، حيث سارع مكتبها الوطني إلى إصدار بيان يدين من خلاله هكذا قرار مجحف ويستنكر مضامينه، واصفا إياه بالإجراء التعسفي وغير المشروع. إذ يعد تطبيق شرط توفر العامل على مستوى تعليمي معين بأثر رجعي، ضربة قوية للاستقرار المهني والاجتماعي لآلاف الأسر، ويتنكر لعقود من العمل والخبرة الميدانية التي راكمها عديد المستخدمين الأبرياء داخل المؤسسات الصحية، خاصة في مثل هذه الظروف الاستثنائية الصعبة.
فالنقابة السالفة الذكر ترى في هذا القرار تعارضا واضحا مع مبدأ الإنصاف وتكافؤ الفرص، ويضرب في العمق ما راكمه المتضررون من خبرة خلال مسارهم المهني الحافل بالعطاء والتضحيات ونكران الذات، وأنه كان على المسؤولين تطبيق المعايير الجديدة، وخاصة ما يتعلق بالمستوى الدراسي على المستخدمين الجدد فقط، فيما يتم الاحتفاظ بذوي الأقدمية، الذين ما انفكوا يثبتون كفاءتهم والتزامهم المهني، مطالبة بضرورة تراجع الوزارة الوصية عن هذا الإجراء غير المحسوب العواقب، والتعجيل بإعادة كل الذين شملتهم قرارات الطرد إلى عملهم، ومشددة على اعتماد المندوبيات الجهوية والشركات المتعاقدة مبدأ التدرج والإنصاف، كلما أرادت تطبيق معايير جديدة سواء تعلق الأمر بالتشغيل أو التقييم، كما لم يفتها توجيه الدعوة إلى فتح حوار مؤسساتي لمعالجة هذا الملف بشكل نهائي، مع ما يستدعي ذلك من حماية كرامة العاملين، ضمان استقرار الشغل واستمرارية الخدمات العمومية في أحسن الظروف بالقطاع…
إن ما يحز في النفس كثيرا ونحن على بعد بضعة أسابيع من نهاية الولاية التشريعية للحكومة، هو أن يستمر بعض المسؤولين في ازدواجية الخطاب وبيع الوهم للمواطنين عبر وعود زائفة. إذ من المفارقات الغريبة أن يكشف الحزب الأغلبي “التجمع الوطني للأحرار” يوم 30 يونيو 2026 بمدينة مراكش، خلال جولته الوطنية الهادفة إلى عرض رؤيته للإصلاح والتنمية بمختلف جهات المملكة، عن تفاصيل التزاماته الكبرى في المرحلة القادمة، ومنها مثلا التزامه بتوسيع فرص الإدماج الاقتصادي والحماية الاجتماعية لتشمل فئات أخرى، وإطلاق دينامية جديدة للتشغيل في مختلف المجالات الترابية، بهدف خفض معدل البطالة إلى حوالي أقل من 9 في المائة في أفق سنة 2030؟
وفي ذات الوقت تقدم وزارة الصحة والحماية الاجتماعية على قرار تعلم أكثر من غيرها أنه لن يعمل سوى على بث مزيد من الشعور بالقلق والإحباط، ويساهم لا محالة في تفاقم معدل البطالة واتساع دائرة الفقر، في ظل غياب المورد المالي، ووقوع عدة أسر في أزمات معيشية حادة، بالإضافة إلى تنامي الاضطرابات النفسية بسبب انقطاع الدخل لدى عدد من المستخدمين، وما يمكن أن يترتب عن انعدام مصادر العيش من انحرافات خطيرة. وهل يعقل أن نطالب بضرورة توفر أعوان النظافة وحراس الأمن على مستوى تعليمي معين، في حين أن هناك مئات البرلمانيين والمستشارين الجماعيين في بلادنا لم تطأ أقدامهم عتبات المدارس؟!
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة






















