بين الوعود المتبخرة وزواج المال بالسلطة…قراءة تفكيكية في أزمة النماذج التدبيرية وتحولات السلوك السياسي المغربي
عبد الله مشنون كاتب صحفي مقيم في إيطاليا ومتابع للشأن السياسي مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.
تكتسي المحطة التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026 أهمية استراتيجية تتجاوز الرهانات الانتخابية الكلاسيكية المتمثلة في إعادة توزيع المقاعد وتشكيل التحالفات الحكومية. إنها تقف في عمق النقاش التحليلي كلحظة فرز بنيوية لمسار تدبيري امتد لولاية كاملة وتأتي في سياق وطني ودولي يتسم بالدقة مما يجعلها محط أنظار الدوائر السياسية والدبلوماسية داخلياً وخارجياً. إن الرهان الحقيقي في هذه المحطة ليس هوية الحزب الذي سيقود السلطة التنفيذية بقدر ما هو رهان على استعادة النجاعة المؤسساتية وإعادة صياغة العقد الثقافي والسياسي بين الفاعل العمومي والمجتمع. لفهم المأزق التدبيري الراهن الذي يواجه المشهد السياسي لا بد من إجراء مقارنة إبستمولوجية وموضوعية بين نمطين من هندسة الحكم تعاقبا على قيادة الحكومة المغربية خلال العقد الأخير: تأسست هذه التجربة على ما يمكن تسميته بمشروعية الخطاب والهوية اعتمدت حكومة بنكيران على التواصل الشعبي المباشر وسردية مواجهة كوابح الإصلاح مستخدمةً قاموساً سياسياً مثيراً للجدل(مفاهيم التماسيح والعفاريت لتبرير الصعوبات الهيكلية ورغم تمكن هذه المرحلة من تمرير قرارات حاسمة وجريئة مست جوهر التوازنات الماكرو-اقتصادية مثل إصلاح نظام المقاصة والتقاعد إلا أن النخبة السياسية سجلت عليها الارتهان المفرط لمنطق المظلومية السياسية والعجز عن مواجهة تلك التماسيح المفترضة مؤسساتياً مما تسبب في نوع من التضخم اللفظي مقابل الهدر الزمني التنموي. مع مجيء التحالف الحكومي الحالي انتقل البندول السياسي إلى النقيض تماماً حيث جرى إحلال براغماتية الأرقام وخطاب الكفاءة المقاولاتية كبديل للخطاب الإيديولوجي. رُفع شعار مسار الثقة والالتزام بالوفاء عبر برامج محددة الأبعاد غير أن هذه المقاربة التكنوقراطية سرعان ما اصطدمت بتعقيدات التدبير الاجتماعي للدولة لقد أثبتت الواقعية السياسية أن إدارة الشأن العام وموازنة المصالح الطبقية تختلف جذرياً عن إدارة الحسابات المالية للشركات واجهت هذه الحكومة انتقادات نخبوية حادة تتعلق بضعف التواصل السياسي وغياب الحس الاستباقي في امتصاص الأزمات الاجتماعية مما أدى إلى فتور تدريجي في ثقة المواطن بالقدرة التنفيذية على حمايته من الصدمات الاقتصادية. لقد شكل الأمن الغذائي والقدرة الشرائية المحك الحقيقي الذي تهاوت أمامه الوعود الانتخابية الوردية وتظل الذاكرة الجمعية للمغاربة محتفظة بالانتكاسة التدبيرية التي صاحبت فترات أعياد الأضحى الماضية. لم تكن الأزمة مجرد ندرة ناتجة عن عوامل مناخية بل كانت في عمقها أزمة حكامة توزيعية وسيطرة لشبكات الوساطة الطفيلية الذي اصبح يعرف بالشناقة. إن عجز الوزارات الوصية عن ضبط الأسواق وكبح جماح التضخم المفتعل في أسعار الماشية أدى إلى حرمان فئات واسعة من الطبقتين المتوسطة والهشة من إقامة شعيرة دينية واجتماعية مقدسة مما أنتج منسوباً عالياً من الاحتقان والغضب الصامت في الأوساط الشعبية. هذا العجز البنيوي في الإدارة الحكومية يعيد إلى الأذهان وبقوة الموقف الاستراتيجي الحكيم لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله في فبراير 2025 عندما صدر البلاغ الرسمي التاريخي الداعي إلى عدم ذبح أضحية العيد بسبب توالي سنوات الجفاف الحاد للعام السابع توالياً والتراجع الخطير في الرصيد الحيواني للمملكة هذا التوجيه الملكي لم يكن مجرد إجراء حمائي للثروة الماشية بل كان قراءة سيادية واعية تستشعر الأبعاد الاجتماعية والبيئية وتضع حداً لاستغلال معاناة المواطنين وهو الموقف الذي أبرز التباين الواضح بين الرؤية الاستراتيجية لهرم الدولة وبين التدبير الحكومي الذي بدا قاصراً عن إيجاد حلول جذرية تحمي المواطن من الاحتكار والمضاربة. إن النقد الأكثر عمقاً الذي توجهه النخبة والمفكرون السياسيون للتجربة الحكومية الحالية يمس جوهر تخليق الحياة العامة لقد عاب المراقبون على هذه المرحلة تداخل الفاعل المالي بالفاعل السياسي وظهور مؤشرات مقلقة حول تضارب المصالح وزواج المال بالسلطة مما يهدد قواعد التنافسية الشريفة ويضعف حياد المؤسسة التنفيذية. ويتجلى هذا التراجع الهيكلي في قرار سحب مشروع القانون المتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع من البرلمان وهو القرار الذي شكل صدمة قوية للهيئات الحقوقية ومنظمات حماية المال العام. اعتبر هذا التحرك في الأوساط النخبوية تراجعاً نكوصياً يعطل آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة ويفسح المجال أمام استغلال النفوذ وتكريس اقتصاد الريع مما أفقد الحكومة مبرر وجودها الأخلاقي كراعية لتكافؤ الفرص وحامية للمصلحة العامة. لا يمكن تفكيك أزمة النخبة التدبيرية الحالية دون الاصطدام بملف تخليق الحياة السياسية الذي بات يئن تحت وطأة تقارير رقابية ومتابعات قضائية غير مسبوقة لقد شهدت الولاية الانتدابية الحالية سقوطاً مدوياً لعدد من الفاعلين والمنتمين للهيئات الحزبية المشكلة للأغلبية والمعارضة على حد سواء بعد أن كشفت التحقيقات تورط أسماء وازنة في قضايا فساد مالي واختلاسات بالملايين وتبديد للأموال العمومية. إن وصول بعض هذه الملفات إلى منصة الأحكام الجنائية الإدانتية الثقيلة والتي بلغت في بعض الحالات ثلاثة عشر سنة سجناً نافذاً يعكس عمق الاختلال البنيوي في منظومة التزكيات الحزبية ويتعاظم هذا القلق النخبوي حينما يتعلق الأمر بمسؤولين ظلوا يباشرون مهامهم ويتحركون داخل مراكز القرار وإدارة الشأن المحلي والوطني رغم الشبهات والتحقيقات الجارية مستغلين نفوذهم ومناصبهم الانتدابية لتحقيق مآرب ريعية تجلت في ملفات الاستيلاء على العقارات والأراضي السلالية أو العمومية وتفويتها بأسعار رمزية لا تعكس قيمتها الحقيقية دراهم معدودة. هذا المشهد القاتم يضع الأحزاب السياسية المغربية أمام مسؤوليتها الأخلاقية والدستورية قبل محطة 23 شتنبر إذ لم يعد مقبولاً في مغرب اليوم إعادة تدوير النخب المتابعة أو غض الطرف عن شبهات الثراء غير المشروع لأن تحصين المكتسبات الديمقراطية يمر حتماً عبر تفعيل جدي ومستقل للمحاسبة القضائية وقطع الطريق أمام الريع العقاري والمالي الذي يستنزف مقدرات الوطن. أمام هذا المشهد المأزوم يفرض التقييم الفقهي والسياسي تفكيك بنية التحالف الحكومي الثلاثي التجمع الوطني للأحرار الأصالة والمعاصرة والاستقلال) الذي قاد الولاية الحالية والوقوف على طبيعة الإخفاقات البنيوية التي تقاسمتها هذه المكونات قبل العروج على تموقعات المعارضة: حزب الأصالة والمعاصرة: دخل الحزب الحكومة الحالية وهو يحمل شعار البديل الديمقراطي الحداثي غير أن تجربته في التدبير التنفيذي اصطدمت بإخفاقات تواصلية وتنظيمية حادة. يعاب على الحزب مساهمته في تغييب النقاش القيمي والحقوقي الحقيقي وانشغال قطاعاته الوزارية بملفات تسييرية جافة عجزت عن تقديم إجابات لانتظارات الشباب والمجتمع. والأخطر من ذلك أن الحزب عاش على وقع هزات داخلية ومحاكمات مست بعض قياداته الوازنة في قضايا حارقة مما ضرب في الصميم شعارات تخليق الحياة الحزبية التي كان يرفعها وجعله شريكاً كاملاً في أزمة الثقة التي تسبق محطة 2026. حزب الاستقلال: شكلت مشاركة حزب الميزان في هذه الحكومة انتكاسة واضحة لعقيدته الفكرية القائمة على التعادلية الاقتصادية والاجتماعية لقد فشل الحزب في أن يكون الفرملة الاجتماعية داخل تحالف تسيطر عليه الخيارات النيوليبرالية والشركاتية وبدلاً من الدفاع عن الطبقة المتوسطة وحماية الشغيلة تماهت الوزارات التي يسيرها الحزب مع التوجهات التقشفية وعجزت عن ابتكار حلول لملفات التشغيل والحوار الاجتماعي وأزمة الماء المعقدة والصحة هذا التنازل الإيديولوجي وضع الحزب في حالة مخاض داخلي وعزلة جماهيرية بعد أن بدا للمواطن كأنه تخلَّى عن إرثه التاريخي من أجل مكاسب حقائب وزارية مؤقتة. حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية: يتموقع الحزب اليوم في خندق المعارضة محاولاً استعادة هويته الاشتراكية الديمقراطية ومصالحة قاعدته التاريخية من الطبقة المتوسطة والمثقفين التي أنهكتها سياسات التحالف الثلاثي يركز خطاب الاتحاد على نقد تغول المال في السياسة والمطالبة بدولة الرعاية الاجتماعية عبر إرساء ميزان عدالة توزيعي حقيقي يحمي القطاعات الاستراتيجية كالصحة والتعليم. ومع ذلك يواجه الحزب تحدي تحويل هذا الخطاب إلى قوة استقطابية ميدانية قادرة على زحزحة توازنات الصناديق في 23 شتنبر. اليسار الراديكالي الحزب الاشتراكي الموحد: يقدم هذا التيار القراءة الأكثر راديكالية وعمقاً للمأزق الراهن معتبراً أن إخفاقات أحزاب الأغلبية الأحرار البام والاستقلال ليست مجرد أخطاء تدبيرية معزولة بل هي نتيجة حتمية لنموذج تنموي تكنوقراطي يسلع المرافق العمومية ويفتح الاقتصاد الوطني أمام الاحتكارات الكبرى والوساطات الطفيلية دون كوابح حمائية للمجتمع. ويرى الحزب أن المخرج لا يكمن في التأثيث الحزبي الموسمي أو إعادة تدوير نفس الوجوه بل في إصلاح سياسي ودستوري شامل يقطع مع زواج المال بالسلطة ويؤسس لديمقراطية حقيقية تربط القرار بالمسؤولية والمحاسبة. إن قراءة المشهد من ديار الغربة ومن منظور مغاربة العالم تزيد من حجم المسؤولية التاريخية والوطنية الملقاة على عاتقنا ونحن نرقب تفاصيل هذا المنحنى الحرج. ففي الوقت الذي تدعو فيه الخطب والتوجهات السيادية العليا إلى إدماج كفاءات الجالية وتثمين أدوارها في البناء التنموي نجد على أرض الواقع ممارسات حزبية تكرس الإقصاء والحيف وتعمل على تقزيم الأدوار الفكرية والتقنية لأبناء الوطن بالخارج. لقد فضلت الآلة الحزبية الحالية وبشكل تدبيري بئيس الانفتاح على جيوب المطبلين والأبواق الدعائية الفارغة التي تقتات على تسويق الوهم وتبني سياسة قولوا العام زين محاولةً إقناع الرأي العام القاري والدولي بأن المواطن في رغد من العيش وأن الاختيارات الاقتصادية تسير في مسارها الصحيح إن هذا التزييف الممنهج للواقع لا يخدم المصلحة العليا للمملكة بل يعمق الفجوة بين الدولة والمجتمع. لذلك ومن منطلق الغيرة الوطنية والمسؤولية الملقاة على عاتق كل صحفي غيور على وطنه نكتب اليوم هذه الرسالة ونضع هذا التشخيص أمام الدوائر العليا ومن يهمهم الأمر لا من باب النقد السلبي بل إسهامًا في رسم معالم طريق أكثر قوة وفاعلية وقادرًا على انتشال العمل السياسي من حالة الركود ومظاهر الفساد التي استشرت في العديد من القطاعات. وفي هذا السياق يستحضر الفكر السياسي الرصين التوجيهات الملكية السامية التي طالما وضعت المواطن أمام مسؤوليته التاريخية والأخلاقية في التغيير إذ يشكل منطوق الخطاب الملكي لـ 20 غشت 2015 بوصلة مرجعية حاسمة عندما أكد جلالته حفظه الله أن التصويت هو الطريق الوحيد والشرعي لتغيير النخب واختيار الأنسب وقطع الطريق على الفاسدين معتبراً أن العزوف أو السلبية يساهمان في تكريس الوضع القائم صالحاً كان أو طالحاً. تأسيساً على ما سبق فإن انتخابات 23 شتنبر 2026 يجب ألا تُقرأ بأدوات التحليل التقليدية إنها تاريخ مشهود ومحطة فاصلة للاختيار بين استمرار نهج تسيير الشأن العام بعقلية المقاولة والاستغلال النفعي الذي أبان عن حدود اجتماعية وأخلاقية خطيرة وبين العودة إلى تأصيل العمل السياسي القائم على تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد وتفعيل المفهوم الدستوري لربط المسؤولية بالمحاسبة ثم العقاب. إن تاريخ 23 شتنبر 2026 يتطلب تفاعلاً جاداً ومسؤولاً من طرف عموم المغاربة لوضع لبنات بناء وطن ديمقراطي شفاف تحت السياسة الرشيدة والتوجيهات السامية لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله وطن تُدبّر شؤونه نخب سياسية ومنتخبون حقيقيون يخدمون المواطن ويبنون معه اقتصاداً وطنياً قوياً صامداً وقادراً على مجابهة التحديات لضمان استقرار النموذج المغربي وتحصينه من الهزات الاجتماعية.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة






















