أخر الأخبار
الرئيسية » اخبار » مذكرة سياسية لمركز المؤشر للدراسات والابحاث حول رؤيته تجاه تنزيل مبادرة الحكم الذاتي

مذكرة سياسية لمركز المؤشر للدراسات والابحاث حول رؤيته تجاه تنزيل مبادرة الحكم الذاتي

مدخل عام ..
تندرج هذه المذكرة السياسية في سياق وطني ودولي دقيق يتسم بتجدد النقاش حول سبل التسوية النهائية لقضية الصحراء المغربية، على ضوء القرار الاممي الاخير وما اعقبه من دينامية سياسية ومؤسساتية داخلية قادتها السلطات المغربية، من خلال فتح باب التشاور امام الاحزاب السياسية وهيئات التفكير والبحث من اجل تقديم تصوراتها ومقترحاتها العملية بشأن كيفية تنزيل وتفعيل مبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها الاطار الواقعي والجاد الذي يحظى بتزكية متنامية من قبل المنتظم الدولي

 

وانطلاقا من موقعه کمركز دراسات وابحاث يسعى الى الاسهام في النقاش العمومي الرصين وتقديم قراءة تحليلية تستند الى مقاربات علمية متعددة التخصصات، ارتأى مركز المؤشر للدراسات والابحاث الانخراط في هذا المسار من خلال اعداد مذكرة سياسية تروم المساهمة في بلورة تصور عملي ومتكامل لتطبيق الحكم الذاتي بالصحراء المغربية، يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات التاريخية والمجالية والاجتماعية للنزاع، كما يستحضر التحولات التي عرفها السياق الدولي والاقليمي، وما افرزته من فرص سياسية وقانونية جديدة لتعزيز الموقف المغربي.

 

وتستند هذه المبادرة البحثية الى قناعة مفادها ان نجاح الحكم الذاتي لا يرتبط فقط بسلامة التصور الدستوري والقانوني، بل يتطلب بالاساس وضوحا في الرؤية بشأن شروط تنزيله، وحدود مجاله الترابي، وطبيعة مؤسساته، والفاعلين المعنيين بتفعيله. كما يفترض اعتماد مقاربة شمولية تجعل من الحكم الذاتي رافعة لترسيخ الوحدة الوطنية وتعزيز الديمقراطية الترابية وتحقيق تنمية مندمجة، عوض اختزاله في بعد اجرائي او تقني معزول عن عمقه السياسي والاجتماعي
وعليه، تهدف هذه المذكرة الى تقديم قراءة تحليلية لمسار قضية الصحراء المغربية

 

وتطوراتها، وتأطير نظري لمفهوم الحكم الذاتي كما تطرحه التجارب المقارنة وكما يتجسد في المبادرة المغربية، ثم اقتراح تصور عملي لتنزيله انطلاقا من رؤية مركز المؤشر، بما في ذلك معالجة الاشكالات المرتبطة بتحديد الاقاليم المعنية بالحكم الذاتي، وفي مقدمتها النقاش الدائر حول موقع جهة كلميم وادنون ضمن هذا المشروع. ويرجو المركز ان تشكل هذه المذكرة اضافة نوعية للنقاش المؤسساتي الجاري، وان تساهم في اغناء التفكير العمومي وصنع القرار، بما يخدم المصالح العليا للمملكة ويعزز حضورها كفاعل مسؤول وذي مصداقية في تدبير القضايا الوطنية الكبرى.
المحور الاول: التطور التاريخي والسياسي لقضية الصحراء المغربية

 

يقتضي تناول قضية الصحراء المغربية في افق البحث في سبل تنزيل الحكم الذاتي العودة الى جذورها التاريخية ومسارات تطورها السياسية والقانونية، باعتبار ان هذا النزاع لا يمكن فصله عن سياق تشكل الدولة المغربية الحديثة ولا عن الامتدادات التاريخية والقبلية والروحية التي ربطت الصحراء بعمقها الوطني. ففهم الخلفيات المؤسسة للنزاع يظل مدخلا اساسيا لاستيعاب منطق المقترح المغربي ومكانته ضمن البدائل المطروحة لتسوية هذا الملف على المستوى الدولي.

 

كما ان استحضار المسار الذي عرفته القضية داخل المنتظم الاممي، وما شهده من تحولات في المقاربات والمواقف، يسمح بتبيان كيف انتقل النقاش من اطروحات متجاوزة الى البحث عن حلول سياسية واقعية وقابلة للتطبيق، وهو ما مهد لتكريس مبادرة الحكم الذاتي كخيار جدي وذي مصداقية. وعليه يشكل هذا المحور اطارا مرجعيا لتحليل تطور النزاع وتفاعلاته، ومرتكزا ضروريا لفهم السياق الذي تبلورت فيه الدعوة الحالية الى الانتقال من منطق الدفاع عن المبادرة الى منطق التفكير العملي في شروط تفعيلها وتنزيلها.

 

الفقرة الاولى لجذور التاريخية للنزاع وسياق تشكل الاشكال الترابي للصحراء في ارتباطه بالدولة المغربية

 

تعود الجذور التاريخية لنزاع الصحراء المغربية الى سياق تشكل المجال الترابي للدولة المغربية في امتداده التاريخي والسياسي، حيث ظلت الصحراء، عبر قرون متعاقبة مرتبطة بالسلطة المركزية من خلال روابط البيعة والولاء، وشبكات الانتماء القبلي، ووظائف الزوايا والقيادات المحلية التي كانت تؤدي ادوارا سياسية ودينية باسم المخزن المغربي. ولم يكن الوجود الاسباني في الصحراء سوى امتداد لمنطق التوسع الاستعماري الذي عرفته نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين دون ان ينجح في قطع الصلات القانونية
والتاريخية التي ربطت الاقليم بالدولة المغربية، وهو ما أكدته لاحقا محكمة العدل الدولية حين اقرت بوجود روابط قانونية وتاريخية بين المغرب وسكان الصحراء، رغم انها لم تساير منطق السيادة بالمعنى الترابي الحديث. ومع اقتراب انسحاب الاستعمار الاسباني سنة 1975 ، دخل النزاع مرحلة جديدة اتسمت بتعدد الاطراف وتداخل الادعاءات، حيث بادر المغرب الى المطالبة باسترجاع اقاليمه الجنوبية باعتبارها جزءا لا يتجزأ من ترابه الوطني، في حين تقدمت موريتانيا بمطالب جزئية استنادا الى اعتبارات ثقافية واجتماعية، وظهرت في المقابل جبهة البوليساريو كفاعل انفصالي يطالب باقامة كيان مستقل. وفي خضم هذه التطورات، لجأ المغرب الى الاطر القانونية والدبلوماسية الدولية من خلال احالة الملف على محكمة العدل الدولية وتنظيم المسيرة الخضراء، باعتبارها فعلا سياسيا سلميا جسد الارتباط العضوي بين الشعب المغربي وصحرائه غير ان هذا المسار لم يخل من تعقيدات اقليمية، خاصة مع تحول موقف الجزائر من داعم لمطلب استرجاع الصحراء الى طرف منخرط في النزاع بعد اتفاقية مدريد، تحت مبرر تصفية الاستعمار، وهو ما أسهم في تدويل القضية وادراجها ضمن اجندة الامم المتحدة منذ منتصف ستينيات القرن الماضي. ومن ثم، فان النزاع حول الصحراء لم يكن وليد لحظة عابرة، بل نتاج تراكمات تاريخية واستعمارية وجيوسياسية، تداخل فيها منطق السيادة الوطنية مع حسابات اقليمية، وهو ما يجعل من فهم هذا السياق التاريخي مدخلا ضروريا لاستيعاب طبيعة الحلول المقترحة اليوم، وفي مقدمتها مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها امتدادا لمسار طويل من الدفاع عن وحدة المجال

 

الترابي للمملكة في إطار مقاربة سياسية واقعية.

 

الفقرة الثانية مسارات تدبير النزاع على المستوى الدولي ودور الامم المتحدة منذ اتفاق وقف إطلاق النار

 

عرف تدبير نزاع الصحراء المغربية على المستوى الدولي تحولا بنيويا مع نهاية ثمانينيات القرن الماضي، حين انتقل من مرحلة المواجهة العسكرية المفتوحة الى مرحلة التدبير الاممي المنظم في سياق دولي اتسم بانتهاء الحرب الباردة وبروز دور الامم المتحدة كفاعل مركزي في تسوية النزاعات ذات الطابع الاقليمي. وقد شكل اتفاق وقف إطلاق النار
سنة 1991 لحظة مفصلية في مسار القضية، ليس فقط لانه اوقف العمليات العسكرية بين القوات المسلحة الملكية المغربية وجبهة البوليساريو، ولكن لانه ارسى اطارا جديدا للتعاطي مع النزاع، قوامه الوساطة الاممية ومحاولة البحث عن حل سياسي تحت اشراف مجلس الامن.
وقد جاء وقف إطلاق النار في إطار مخطط التسوية الذي تبنته الامم المتحدة ومنظمة الوحدة الافريقية انذاك، والذي كان يقوم على تنظيم استفتاء لتقرير المصير تشرف عليه بعثة اممية خاصة، هي بعثة الامم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المعروفة اختصارا ببعثة المينورسو غير ان هذا المخطط الذي بدا في ظاهره توافقيا، سرعان ما اصطدم باكراهات واقعية وسياسية عميقة، خاصة ما تعلق بتحديد الهيئة الناخبة، في ظل التعقيد القبلي والديمغرافي الذي يميز المجال الصحراوي، وتباين التصورات بين الاطراف حول من يحق له المشاركة في الاستفتاء. وقد ادت هذه الخلافات الى تعطيل المسار الاستفتائي لسنوات، وتحويله الى مصدر توتر دائم داخل اروقة الامم المتحدة بدل ان يكون مدخلا للحل.
وخلال هذه المرحلة، لعب مجلس الامن دورا محوريا في تدبير الملف، من خلال تجديد ولاية بعثة المينورسو بشكل سنوي، وتكليف الامين العام بتقديم تقارير دورية حول تطورات الوضع الميداني والسياسي. غير ان هذه المقاربة التي اتسمت بطابعها التقني والاداري، اسهمت في تكريس حالة الجمود، حيث تحول وقف إطلاق النار من اجراء مرحلي يمهد لتسوية نهائية الى وضع شبه دائم، يضمن الاستقرار الامني دون ان يفضي الى حل سياسي حاسم. وهو ما دفع العديد من المراقبين الى اعتبار ان الامم المتحدة انتقلت، بشكل غير معلن من منطق تسوية النزاع الى منطق ادارة النزاع.
ومع نهاية تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، برز وعي داخل المنتظم الدولي بصعوبة تنزيل خيار الاستفتاء، وهو ما تجسد في تعيين المبعوث الاممي جيمس بيكر الذي حاول اعادة تحريك الملف من خلال مقاربات بديلة. فقد قدم بيكر مقترحين متتاليين عرفا بمخطط بيكر الاول والثاني، واللذين سعيا الى التوفيق بين مبدأ تقرير المصير ومتطلبات الاستقرار الاقليمي. غير ان هذين المقترحين لم يكتبا لهما الاستمرارية، بسبب رفض الاطراف لبعض مضامينهما، خاصة ما تعلق بالشق السيادي وبمآلات المرحلة الانتقالية، مما أكد مرة اخرى حدود المقاربة الاممية التقليدية في معالجة نزاع معقد ومتشابك المصالح.
وفي هذا السياق، بدأ مجلس الامن منذ منتصف العقد الاول من الالفية الثالثة، في ادخال تحول تدريجي على لغته ومقاربته، حيث انتقل من التأكيد الصريح على خيار الاستفتاء الى الدعوة الى البحث عن حل سياسي واقعي ومتوافق عليه. وقد شكل هذا التحول ارضية ملائمة لبروز المبادرة المغربية للحكم الذاتي سنة 2007 ، التي قدمت الى الامم المتحدة باعتبارها مقترحا عمليا يمنح ساكنة الاقاليم الجنوبية صلاحيات واسعة في تدبير شؤونها المحلية، في إطار سيادة الدولة المغربية ووحدتها الترابية. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح الحكم الذاتي يشكل مرجعية اساسية في قرارات مجلس الامن التي باتت تشيد بجديته ومصداقيته، وتدعو الاطراف الأخرى الى الانخراط في مفاوضات سياسية دون شروط مسبقة وبحسن نية.
وقد تميزت المرحلة اللاحقة بانطلاق مسلسل الموائد المستديرة، بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، وهو ما كرس بشكل ضمني الاعتراف بالدور المركزي للجزائر في النزاع، باعتبارها طرفا فاعلا وليس مجرد بلد مجاور. كما عكست هذه الصيغة الجديدة رغبة الامم المتحدة في تجاوز المقاربات الثنائية او التقنية، واعتماد منطق اقليمي شامل يراعي تشابك المصالح والرهانات الامنية والتنموية في منطقة الساحل والصحراء. غير ان هذه الدينامية التفاوضية ظلت محدودة النتائج، بسبب استمرار التباين الجوهري في مواقف الاطراف وغياب ارادة سياسية حقيقية لدى بعضهم للانتقال من منطق الصراع الى منطق التسوية.
ورغم هذا الجمود، عرف الموقف الدولي من القضية تحولات نوعية خلال السنوات الاخيرة، بفعل عوامل متعددة، من بينها تنامي التهديدات الامنية في منطقة الساحل، وتراجع

فعالية الكيانات غير الدولتية، وبروز المغرب كفاعل اقليمي موثوق في مجالات الامن والهجرة والتنمية. وقد أسهم هذا السياق في تعزيز الاقتناع الدولي بان استقرار الصحراء المغربية يشكل ركيزة اساسية لاستقرار المنطقة ككل، وهو ما انعكس في الدعم المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي، سواء من خلال مواقف الدول الكبرى او عبر فتح قنصليات لعدد من الدول بمدينة العيون والداخلة في دلالة سياسية وقانونية ذات حمولة سيادية واضحة.
كما شكل التدخل المغربي لاعادة تأمين معبر الكركرات نقطة تحول اضافية في مسار تدبير النزاع، حيث أبرز قدرة المغرب على الجمع بين ضبط النفس والفاعلية الميدانية واحترام الشرعية الدولية مع الدفاع الحازم عن وحدته الترابية. وقد تفاعل مجلس الامن مع هذا الحدث من خلال التأكيد على ضرورة احترام وقف إطلاق النار، دون ادانة صريحة للمغرب، وهو ما اعتبره العديد من المتتبعين مؤشرا على تحول في ميزان الشرعية داخل الملف. وتوج هذا المسار بالاعتراف الامريكي بسيادة المغرب على صحرائه، وهو تطور غير مسبوق على مستوى دولة دائمة العضوية في مجلس الامن من شأنه ان ينعكس بشكل مباشر او غير مباشر على مستقبل المقاربة الاممية للنزاع.
وعليه، يمكن القول ان مسارات تدبير نزاع الصحراء على المستوى الدولي، منذ اتفاق وقف إطلاق النار، انتقلت من منطق الحلول النظرية والمؤجلة الى منطق البحث عن تسويات سياسية واقعية، تأخذ بعين الاعتبار موازين القوى والتحولات الجيوسياسية. ورغم ان الامم المتحدة لم تحسم بعد بشكل نهائي في طبيعة الحل، فان تراكم القرارات والممارسات الدولية يشير بوضوح الى ان افق الاستفتاء أصبح متجاوزا، وان الحكم الذاتي بات يشكل الخيار الاكثر قابلية للتنزيل، شريطة توفر ارادة سياسية جماعية، وانتقال النقاش من شرعية المقترحات الى شروط تفعيلها الميداني والمؤسساتي.
الفقرة الثالثة: التحولات النوعية في الموقف الدولي وصولا الى القرار الاممي الاخير ودلالاته السياسية والقانونية
عرف الموقف الدولي من قضية الصحراء المغربية خلال العقد الاخير تحولات نوعية عميقة، لم تعد تقتصر على مستوى الخطاب السياسي، بل امتدت لتشمل الممارسة الدبلوماسية ومضامين القرارات الاممية، بما يعكس انتقالا تدريجيا من منطق تدبير النزاع الى منطق تهيئة شروط الحسم السياسي. فقد تفاعلت عدة عوامل متداخلة اسهمت في اعادة تشكيل نظرة المنتظم الدولي لهذا الملف، من بينها التحولات الجيوسياسية الاقليمية وتزايد التحديات الامنية في محيط الساحل والصحراء، وبروز المغرب كفاعل محوري في حفظ الاستقرار الاقليمي، فضلا عن تطور المقاربة المغربية نفسها التي انتقلت من الدفاع عن الحقوق التاريخية الى طرح مبادرات سياسية عملية ذات قابلية للتنزيل.
وفي هذا السياق، شكل الاعتراف الامريكي بسيادة المغرب على اقاليمه الجنوبية منعطفا بارزا في مسار القضية، ليس فقط من حيث رمزيته السياسية، ولكن ايضا بالنظر الى ما يحمله من دلالات قانونية في ميزان العلاقات الدولية، باعتبار الولايات المتحدة فاعلا مركزيا داخل مجلس الامن. فقد اسهم هذا الاعتراف في كسر حالة التوازن السلبي التي ميزت مواقف عدد من القوى الكبرى، واعاد طرح مسألة السيادة بشكل مباشر داخل النقاش الدولي، بعدما ظلت لسنوات محاطة بصيغ لغوية فضفاضة. كما فتح هذا التطور الباب امام دول اخرى لاعادة تقييم مواقفها، وهو ما ترجمته دينامية فتح القنصليات في مدينتي العيون والداخلة، باعتبارها مؤشرا عمليا على الاعتراف بالسيادة المغربية وتعزيز الحضور الدبلوماسي والاقتصادي في الاقاليم الجنوبية.
بموازاة ذلك شهدت قرارات مجلس الامن تحولا ملحوظا في لغتها ومرجعياتها حيث باتت تؤكد بشكل متزايد على ضرورة التوصل الى حل سياسي واقعي وبراغماتي وقابل للتطبيق، يقوم على التوافق، ويستبعد الخيارات المتجاوزة التي اثبتت التجربة عدم قابليتها للتنزيل. كما حرصت هذه القرارات على تثبيت مبادرة الحكم الذاتي ضمن المرجعيات الاساسية للنقاش، من خلال الاشادة بجديتها ومصداقيتها، والدعوة الى اعتبارها اساسا
للحل النهائي. ويعكس هذا التطور انتقال مجلس الامن من موقع الوسيط المحايد شكليا الى فاعل يحدد بشكل ضمني سقف الحلول المقبولة دوليا.
ويكتسي القرار الأممي الاخير اهمية خاصة في هذا السياق، باعتباره تتويجا لمسار تراكمي من التحولات، وليس مجرد موقف ظرفي. فقد جاء هذا القرار ليكرس استمرار دعم المسار السياسي تحت رعاية الامم المتحدة، مع التشديد على دور الموائد المستديرة كإطار تفاوضي، وهو ما يعزز منطق المقاربة الاقليمية الشاملة، ويؤكد في الآن ذاته، مسؤولية جميع الاطراف المعنية، بما فيها الجزائر في المساهمة الفعلية في البحث عن الحل. كما حافظ القرار على توازن دقيق بين الدعوة الى احترام وقف إطلاق النار وضمان حرية الحركة المدنية والتجارية، وبين تفادي اي صياغات من شانها المساس بالسيادة المغربية او التشكيك في شرعية تدبيرها للاقليم.
ومن الناحية القانونية، يبرز القرار الأممي الاخير دلالات مهمة تتعلق بتطور مفهوم تقرير المصير في الممارسة الدولية، حيث لم يعد هذا المبدأ يختزل في خيار الانفصال، بل اصبح يقرا في ضوء صيغ متقدمة من الحكم الذاتي والديمقراطية الترابية، بما ينسجم مع متطلبات الاستقرار ووحدة الدول. ويشكل هذا التحول مرجعية قانونية داعمة للمقترح المغربي، الذي يقدم الحكم الذاتي كصيغة لتجسيد ارادة السكان في تدبير شؤونهم المحلية ضمن اطار السيادة الوطنية. كما يعكس القرار وعيا امميا بان النزاعات الترابية لا يمكن حلها بمعزل عن اعتبارات التنمية والامن الاقليمي، وهو ما يفسر التركيز المتزايد على ابعاد الاستقرار والتعاون في منطقة الساحل والصحراء.
وعلى المستوى السياسي، يعكس القرار الاممي الاخير تقاطعا متزايدا بين الرؤية المغربية ومواقف عدد من الشركاء الدوليين الذين باتوا ينظرون الى الصحراء المغربية باعتبارها فضاء استراتيجيا للتنمية والاستثمار والتعاون جنوب جنوب كما يبرز القرار محدودية الطرح الانفصالي في استقطاب الدعم الدولي، في ظل تراجع مشروعيته السياسية والاخلاقية، وارتباطه بمخاطر عدم الاستقرار. وفي هذا الاطار، يمكن اعتبار القرار محطة
مفصلية تؤشر على انتقال النقاش الدولي من سؤال من له السيادة على الاقليم الى سؤال كيف يمكن تنزيل حل الحكم الذاتي بشكل فعال ومستدام.
وانطلاقا من ذلك، فان دلالات القرار الاممي الاخير تتجاوز بعدها الاجرائي لتلامس جوهر التحول في التعاطي الدولي مع قضية الصحراء المغربية. فهو يؤسس لمرحلة جديدة قوامها التفكير العملي في شروط التفعيل والتنزيل، ويمنح للمبادرة المغربية ارضية سياسية وقانونية أكثر صلابة، كما يضع امام الفاعلين الوطنيين مسؤولية الانتقال من منطق الترافع الخارجي الى منطق البناء المؤسساتي الداخلي. ومن هنا تبرز اهمية انخراط مراكز البحث وصنع التفكير الاستراتيجي في تقديم تصورات واقعية ومتكاملة تواكب هذا التحول وتساهم في بلورة نموذج حكم ذاتي قادر على ترجمة هذا الزخم الدولي الى مكاسب سياسية وتنموية مستدامة.

15

المحور الثاني: الحكم الذاتي كاطار لتسوية النزاع
يشكل الحكم الذاتي في سياق قضية الصحراء المغربية تحولا نوعيا في مقاربة تسوية النزاعات الترابية، باعتباره اختيارا سياسيا يستجيب لمتطلبات الشرعية الدولية من جهة ولمقتضيات السيادة الوطنية ووحدة الدولة من جهة اخرى. ولم يأت طرح هذا الخيار بمعزل عن التحولات التي عرفها النظام الدولي، ولا عن تطور مفاهيم الدولة والسلطة الترابية، حيث لم يعد تدبير الاختلاف المجالي والثقافي يتم حصرا عبر المركزية الصارمة، بل من خلال صيغ متقدمة لتوزيع السلطة داخل الدولة الواحدة، تضمن الاستقرار السياسي وتعزز المشاركة المحلية في صنع القرار.
ويستند الحكم الذاتي، في بعده النظري الى تطور الفكر الدستوري المقارن الذي افرز نماذج متعددة لتنظيم العلاقة بين المركز والمجالات الترابية، تقوم على منح صلاحيات تشريعية وتنفيذية واسعة لهيئات محلية منتخبة دون المساس بوحدة الدولة او احتكارها للاختصاصات السيادية. وفي هذا الإطار، يندرج المقترح المغربي للحكم الذاتي ضمن هذا
النسق المفاهيمي، مع مراعاة الخصوصيات التاريخية والمؤسساتية للمملكة، وبما يجعله مقترحا مؤسسا على الاستمرارية الدستورية، وليس على القطيعة او الاستثناء.
ومن هذا المنطلق، يهدف هذا المحور الى تأطير الحكم الذاتي كاطار مرجعي لتسوية النزاع، من خلال تفكيك اسسه النظرية والسياسية، وبيان مرتكزاته الدستورية والقانونية في التجربة المغربية، وتحليل موقعه داخل النقاش الاممي باعتباره الخيار الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق. كما يسعى الى الانتقال بالنقاش من مستوى الدفاع عن المبادرة الى مستوى تعميق فهمها وتحديد شروط نجاحها، باعتبارها مدخلا لاعادة بناء الثقة وترسيخ الاستقرار في الاقاليم الجنوبية في افق تنموي وديمقراطي مستدام.
الفقرة الاولى مفهوم الحكم الذاتي في الفكر السياسي والقانون الدستوري المقارن
تظهر يعد الحكم الذاتي من المفاهيم المركبة في الفكر السياسي والقانون الدستوري المقارن، اذ يرتبط اساسا بكيفية تنظيم السلطة داخل الدولة الواحدة، وتوزيع الاختصاصات بين المركز والوحدات الترابية في سياق يسعى الى التوفيق بين وحدة الدولة من جهة، ومتطلبات تدبير التنوع المجالي والثقافي واللغوي من جهة اخرى. ولا يفهم الحكم الذاتي باعتباره شكلا من اشكال التفكك او الانفصال المقنع، بل كصيغة دستورية وسياسية متقدمة تسمح لجماعة ترابية معينة بممارسة صلاحيات واسعة في تدبير شؤونها الداخلية في اطار احترام السيادة الوطنية والاختصاصات الحصرية للدولة.
وفي هذا الاطار، يميز الفقه الدستوري بين الحكم الذاتي واللامركزية الادارية التقليدية حيث يقوم الأول على منح سلطات تقريرية فعلية لهيئات محلية منتخبة، تشمل مجالات تشريعية وتنظيمية وتنفيذية، في حين تظل اللامركزية الادارية محصورة في نقل بعض الاختصاصات التنفيذية تحت رقابة المركز. كما يختلف الحكم الذاتي عن الفيدرالية من حيث كونه لا يقوم على تقاسم اصلي للسيادة بين مستويات الحكم، بل على تفويض دستوري من الدولة الموحدة، يحتفظ فيه المركز بالاختصاصات السيادية الكبرى، كالدفاع الوطني والعلاقات الخارجية والعملة والنظام القضائي الاساسي.
وقد برز مفهوم الحكم الذاتي تاريخيا كاستجابة سياسية وقانونية لمعالجة نزاعات ترابية او مطالب هوياتية داخل دول موحدة، خاصة في اوروبا الغربية وامريكا الشمالية حيث اعتمد كحل وسط يضمن استقرار الدولة ويستجيب في الآن ذاته لمطالب الساكنة المحلية في تدبير شؤونها الخاصة. وتكشف التجارب المقارنة، سواء في اسبانيا او ايطاليا او المملكة المتحدة او دول اسكندنافية ان الحكم الذاتي يتخذ اشكالا متعددة، تختلف باختلاف السياقات التاريخية والسياسية، لكنه يقوم دائما على عناصر مشتركة، من بينها وجود مؤسسات محلية منتخبة، وصلاحيات مالية وتشريعية واضحة، وضمانات دستورية تحمي هذا الوضع الذاتي من التراجع التعسفي.
وعلى المستوى القانوني الدولي، تطور مفهوم الحكم الذاتي باعتباره احدى الصيغ العملية لتجسيد حق تقرير المصير الداخلي، في مقابل التفسير الكلاسيكي الذي كان يربط هذا الحق حصرا بخيار الانفصال. فقد كرست الممارسة الدولية، خاصة منذ نهاية الحرب الباردة، توجها متزايدا نحو اعتماد صيغ حكم ذاتي موسعة كاداة لتسوية النزاعات، بما ينسجم مع مبدأ وحدة الدول واستقرارها، ويحد من مخاطر التفكك والنزاعات المسلحة. وفي هذا السياق، لم يعد تقرير المصير يفهم كحق مطلق في الانفصال، بل كحق في المشاركة السياسية والاقتصادية والثقافية داخل الدولة، من خلال اشكال متقدمة من التدبير الذاتي.
ويبرز من خلال هذا التطور ان الحكم الذاتي لم يعد استثناء قانونيا او حلا ظرفيا، بل اصبح خيارا دستوریا معترفا به في الفكر السياسي المقارن، واداة مرنة قادرة على التكيف مع خصوصيات كل حالة. وهو ما يجعل منه اطارا مناسبا لمعالجة النزاعات الترابية المعقدة شريطة توفر ارادة سياسية حقيقية، وضمانات دستورية واضحة، ونموذج مؤسساتي قادر على تحقيق التوازن بين المركز والجهة المعنية. وفي ضوء هذه الخلفية النظرية، يكتسب مقترح الحكم الذاتي المغربي مشروعيته المفاهيمية، باعتباره منسجما مع تطور الفكر الدستوري والسياسي المعاصر، وقابلا للادماج ضمن المنظومة القانونية للدولة الموحدة.
والامن والعملة، والاختيارات الاستراتيجية الكبرى للدولة. ويعكس هذا التقسيم توازنا دقيقا
بين منطق الوحدة ومنطق التفويض، بما يضمن استمرارية الدولة وتماسكها، دون افراغ الحكم الذاتي من محتواه الفعلي.
وانطلاقا من موقعه کمركز دراسات وابحاث، يقترح مركز المؤشر للدراسات والابحاث مقاربة تنزيلية للحكم الذاتي ترتكز على مجموعة من المفاتيح الدستورية والقانونية الاساسية. اول هذه المفاتيح يتمثل في ضرورة التنصيص الدستوري الصريح على نظام الحكم الذاتي، سواء من خلال مقتضيات خاصة او عبر قوانين تنظيمية ذات قيمة دستورية بما يضمن استقرار هذا الخيار وحمايته من التقلبات السياسية. ويقتضي هذا الامر اعادة قراءة منظومة الاختصاصات الترابية، وتحديد المجالات الحصرية والمشتركة والمنقولة بدقة، تفاديا لاي تداخل او تنازع في الصلاحيات بين المركز والجهة.
اما المفتاح الثاني، فيتعلق بالبنية المؤسساتية، حيث يشدد المركز على اهمية اعتماد مؤسسات جهوية منتخبة بشكل ديمقراطي مباشر، مع تحديد واضح المسؤولياتها وادوات مساءلتها، بما يعزز الشرعية السياسية المحلية ، ويرسخ مبادئ الحكامة والشفافية. كما يدعو الى اعتماد نظام انتخابي يراعي الخصوصيات السوسيولوجية والمجالية للمنطقة، ويضمن تمثيلية حقيقية لمختلف مكونات الساكنة، بما في ذلك البعد القبلي باعتباره معطى اجتماعيا لا يمكن تجاهله، دون ان يتحول الى اداة اقصاء او هيمنة.
ويتمثل المفتاح الثالث في البعد المالي والاقتصادي للحكم الذاتي، حيث يعتبر المركز ان اي تنزيل ناجح لهذا النظام يظل رهينا بتوفير استقلالية مالية حقيقية للجهة، من خلال موارد ذاتية واضحة، ونظام جبائي جهوي، واليات تضامن مالي مع الدولة المركزية. كما يشدد على ضرورة ربط الحكم الذاتي بنموذج تنموي جهوي خاص، يراعي الخصوصيات الاقتصادية والبيئية للصحراء، ويحول الجهة الى قطب للتنمية والاستثمار، بدل ان تظل مجرد فضاء لتدبير النزاع.
اما المفتاح الرابع، فيهم البعد السياسي والمؤسساتي العام، حيث يؤكد المركز على اهمية ادماج الحكم الذاتي ضمن النسق العام للجهوية المتقدمة، وتفادي خلق نموذج معزول او استثنائي يفتقد للانسجام مع باقي البنية الترابية للدولة. كما يدعو الى اعتماد مقاربة تدريجية في التنزيل، تسمح بتقييم التجربة وتصحيح اختلالاتها، وتوفر في الآن ذاته ضمانات قانونية وسياسية تحول دون التراجع عنها.
ومن خلال هذا التصور، يرى مركز المؤشر للدراسات والابحاث ان خصوصية مقترح الحكم الذاتي المغربي تكمن في قدرته على الجمع بين الشرعية التاريخية، والتاسيس الدستوري، والواقعية السياسية، وهو ما يجعله اطارا مؤهلا ليس فقط لتسوية النزاع، بل لاعادة بناء الثقة بين الدولة وساكنة الاقاليم الجنوبية، وتحويل هذا الفضاء من مجال نزاع الى رافعة للاستقرار والتنمية والديمقراطية الترابية.
الفقرة الثالثة: الحكم الذاتي بين منطق السيادة الوطنية ومتطلبات الديمقراطية الترابية
يطرح الحكم الذاتي في جوهره اشكالية دقيقة تتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين منطق السيادة الوطنية ومتطلبات الديمقراطية الترابية، خاصة في سياق نزاع ترابي ذي ابعاد تاريخية وسياسية ودولية معقدة. فالدولة بوصفها فاعلا سياديا تظل مطالبة بالحفاظ على وحدة ترابها وسلامة اختياراتها الاستراتيجية، في حين تفرض التحولات الديمقراطية المعاصرة توسيع مجالات المشاركة المحلية، ومنح الساكنة سلطة حقيقية في تدبير شؤونها. ومن ثم، فان الحكم الذاتي لا يمكن اختزاله في تفويض اداري موسع، ولا في تنازل سيادي مقنع، بل في صيغة دستورية دقيقة تعيد تعريف ممارسة السيادة في اطار دولة موحدة ومتعددة المستويات.
ومن هذا المنطلق، يفهم الحكم الذاتي كاسلوب حديث لممارسة السيادة، حيث لا يتم التخلي عنها، بل يعاد توزيع بعض مظاهرها الوظيفية بين المركز والجهة، وفق منطق التفويض الدستوري والمساءلة الديمقراطية. فالدولة تحتفظ بالسيادة بمفهومها الجوهري المرتبط بالاختصاصات السيادية الكبرى، بينما تمارس الجهة سلطتها الذاتية في مجالات
تدبيرية وتشريعية محددة تستمد مشروعيتها من الدستور ومن الارادة الشعبية المحلية. ويعكس هذا التصور تحولا عميقا في الفكر السياسي، الذي لم يعد ينظر الى السيادة ككتلة صلبة غير قابلة للتجزئة، بل كوظيفة سياسية قابلة للتنظيم والتوزيع دون المساس بجوهر الدولة.
وفي المقابل، تشكل الديمقراطية الترابية شرطا اساسيا لنجاح اي نموذج للحكم الذاتي اذ لا معنى لتوسيع الصلاحيات الجهوية دون ضمان تمثيلية حقيقية للساكنة، ومؤسسات منتخبة تتمتع بالشرعية والقدرة على اتخاذ القرار. فالديمقراطية الترابية لا تقتصر على تنظيم انتخابات محلية، بل تشمل ايضا ضمان حرية التعبير والتنظيم، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز دور الفاعلين المحليين من احزاب سياسية ومجتمع مدني ونخب اقتصادية وثقافية في بلورة السياسات الجهوية. وفي هذا السياق، يصبح الحكم الذاتي اطارا لتجديد الممارسة الديمقراطية، وليس مجرد اعادة توزيع تقني للاختصاصات.
ويكتسي هذا التوازن بين السيادة والديمقراطية اهمية خاصة في الحالة المغربية حيث يشكل الحكم الذاتي احد مرتكزات الدفاع عن الوحدة الترابية، وفي الآن ذاته رافعة لتعميق مسار اللامركزية والجهوية المتقدمة. فنجاح هذا الخيار رهين بقدرة الدولة على توفير الضمانات الدستورية والسياسية التي تطمئن الفاعلين المحليين الى جدية التفويض وبقدرة المؤسسات الجهوية على ممارسة صلاحياتها بكفاءة ومسؤولية، دون الوقوع في منطق الصراع مع المركز او استنساخ نماذج سلطوية محلية.
وعلى المستوى الدولي، ينسجم هذا التصور مع تطور المعايير الأممية المتعلقة بتسوية النزاعات الترابية، حيث باتت الديمقراطية الترابية والحكم الذاتي ينظر اليهما كادوات فعالة لتحقيق الاستقرار، شريطة احترام وحدة الدول وسيادتها. وقد اظهرت التجارب المقارنة ان النماذج التي نجحت في هذا المجال هي تلك التي اقامت توازنا واضحا بين سلطة الدولة المركزية وحقوق الجهات، واعتمدت الوضوح الدستوري والتدرج في التنزيل، وتفادت الغموض الذي يفتح الباب امام التأويلات الانفصالية او التوترات السياسية.
وانطلاقا من ذلك، يرى مركز المؤشر للدراسات والابحاث ان الحكم الذاتي بالصحراء
المغربية يشكل فرصة لاعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجال الترابي على اسس ديمقراطية وسيادية متكاملة. فهو ليس فقط اطارا لتسوية نزاع، بل مختبرا متقدما للديمقراطية الترابية، ويمكن ان يشكل نموذجا مرجعيا على المستويين الاقليمي والدولي، إذا ما تم تنزيله ضمن رؤية واضحة تحترم وحدة الدولة، وتضمن مشاركة حقيقية للساكنة وتؤسس لتوازن مستدام بين السلطة والمسؤولية.
المحور الثالث: موقع الجيل في البنى السياسية والمؤسسية
يمثل الانتقال من تصور الحكم الذاتي الى تنزيله العملي المرحلة الاكثر حساسية وتعقيدا في مسار تسوية نزاع الصحراء المغربية، اذ ان قيمة اي خيار سياسي لا تقاس بسلامة هندسته النظرية فقط، بل بمدى قابليته للتطبيق وقدرته على انتاج اثر مؤسساتي وتنموي مستدام. فالحكم الذاتي، مهما بلغت درجة تماسكه الدستوري والسياسي، يظل رهينا بشروط التنزيل، وبالاليات القانونية والمؤسساتية التي تؤطر ممارسته على ارض الواقع وبمدى استيعاب الفاعلين المعنيين لطبيعته ووظائفه وحدوده
ويفترض هذا الانتقال مقارية شمولية تتجاوز منطق التفعيل التقني، لتشمل اعادة ترتيب الادوار بين المركز والجهة، وتوضيح مجالات الاختصاص والمسؤولية، وضمان الانسجام بين نظام الحكم الذاتي وباقي مكونات التنظيم الترابي للدولة. كما يقتضي استحضار البعد الزمني للتنزيل واعتماد منطق التدرج والتقييم المستمر بما يسمح بتصحيح الاختلالات المحتملة وتفادي بناء مؤسسات شكلية تفتقد للفعالية والشرعية.
ومن هذا المنطلق يهدف هذا المحور الى تفكيك رهانات تنزيل الحكم الذاتي، من خلال تحليل الاليات الدستورية والقانونية والمؤسساتية الكفيلة بتحويله من اطار تصوري الى ممارسة فعلية، مع التركيز على دور الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين، وعلى ضرورة ربط الحكم الذاتي بمشروع تنموي وجهوي متكامل. كما يسعى الى ابراز ان نجاح هذا الورش
لا يرتبط فقط بحسم الصلاحيات، بل بمدى القدرة على بناء ثقة متبادلة بين الدولة وساكنة
الاقاليم المعنية، في افق جعل الحكم الذاتي رافعة للاستقرار والديمقراطية والتنمية.
الفقرة الأولى: البنية المؤسساتية والتنظيمية لجهة الحكم الذاتي واختصاصاتها
تشكل يقتضي تنزيل الحكم الذاتي من مستوى التصور النظري الى حيز الممارسة الفعلية اقامة بنية مؤسساتية وتنظيمية واضحة المعالم، قادرة على استيعاب خصوصية هذا النمط من التدبير الترابي، وعلى ضمان التوازن الدقيق بين مبدأ التفويض الواسع للاختصاصات ومتطلبات وحدة الدولة واستمرارية سيادتها. فجهة الحكم الذاتي لا تؤسس ككيان سياسي منفصل، بل كجماعة ترابية ذات وضع خاص، تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال الاداري والمالي، وتمارس اختصاصاتها في اطار الدستور والقوانين التنظيمية المؤطرة لها. وتقوم هذه البنية المؤسساتية على اجهزة منتخبة ديمقراطيا تعبر عن ارادة الساكنة المحلية، وفي مقدمتها مجلس الجهة باعتباره سلطة تقريرية وتدبيرية، يضطلع بوضع السياسات العمومية الجهوية وبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الى جانب جهاز تنفيذي جهوي يتولى تنفيذ مقررات المجلس وضمان حسن سير المرافق العمومية الجهوية. وفي مقابل ذلك، تحتفظ الدولة المركزية باختصاصات سيادية حصريا من قبيل الدفاع الوطني والعلاقات الخارجية والامن العام والنظام القضائي، بما يضمن عدم المساس بوحدة القرار السيادي. اما على مستوى الاختصاصات، فيتميز نظام الحكم الذاتي باتساع مجالات التدخل الجهوي، سواء في ميادين التنمية المحلية والتخطيط الترابي والتجهيزات والبنيات التحتية او في مجالات التعليم والثقافة والبيئة والاستثمار، وفق منطق التفريع والتدبير القريب من المواطن. ويظل نجاح هذه البنية رهينا بوجود آليات دقيقة لتقاسم الاختصاصات ومنع تداخلها، وبنظام فعال للمراقبة والتنسيق بين السلطات الجهوية والسلطات المركزية، بما يضمن في الآن ذاته فعالية التدبير الجهوي واحترام المشروعية الدستورية، ويجعل من الحكم الذاتي اداة لتعميق الديمقراطية الترابية لا مصدرا لاضطراب التوازنات المؤسساتية داخل الدولة
الفقرة الثانية شروط النجاح السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتنزيل الحكم
الذاتي
يشكل ان تنزيل الحكم الذاتي بوصفه اختيارا سياسيا و دستوريا متقدما لا يمكن ان يختزل في مجرد هندسة مؤسساتية او نقل شكلي للاختصاصات، بل يظل رهينا بتوفر منظومة متكاملة من الشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تتفاعل فيما بينها بشكل دينامي، وتؤسس لانتقال فعلي من منطق التدبير المركزي الى منطق الحكامة الترابية الديمقراطية. فنجاح الحكم الذاتي في جوهره ليس مسالة قانونية صرفة، وانما هو بالاساس مسار سياسي وتنموي طويل النفس، يتطلب ارادة سياسية ثابتة وقدرة على بناء الثقة وضمان الاستقرار وتعبئة الموارد وتكريس المشاركة المواطنة. فعلى المستوى السياسي، يشكل توفر ارادة سياسية واضحة لدى الدولة المركزية شرطا حاسما لتنزيل الحكم الذاتي ارادة تتجسد في القبول الفعلي بتقاسم السلطة وليس مجرد تفويض تقني للاختصاصات، وفي الاستعداد لاعادة تعريف علاقة المركز بالجهة على اسس جديدة قوامها الشراكة والتكامل بدل الوصاية والهيمنة. ويقتضي ذلك وضوحا دستوريا وتشريعيا في تحديد مجالات تدخل الجهة ومجالات الاختصاص الحصري للدولة، بما يحد من منطق التاويل الموسع للسلطات المركزية، ويمنح الفاعل الجهوي هامشا حقيقيا للمبادرة وصنع القرار. كما يفرض نجاح الحكم الذاتي وجود نخب سياسية جهوية مؤهلة، قادرة على تدبير الشان العام المحلي بمنطق المصلحة العامة، ومتوفرة على كفاءة تقنية ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، بما يجنب التجربة مخاطر الشخصنة والزبونية واستغلال السلطة الترابية لاغراض انتخابية ضيقة. ولا يقل عن ذلك اهمية ترسيخ ثقافة ديمقراطية محلية، تقوم على احترام التعددية السياسية، وضمان التداول السلمي على المسؤوليات الجهوية، وتفعيل اليات المساءلة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يجعل من الحكم الذاتي اطارا لتعميق الممارسة الديمقراطية وليس مجرد اعادة توزيع جغرافي للسلطة.
وعلى المستوى الاقتصادي، يعد توفير قاعدة اقتصادية صلبة ومستدامة شرطا مركزيا لنجاح الحكم الذاتي، اذ لا معنى لاختصاصات موسعة دون موارد مالية كافية تضمن ممارستها بفعالية. فالتجارب المقارنة تظهر ان فشل العديد من نماذج الحكم الذاتي ارتبط اساسا بضعف الاستقلال المالي، وباستمرار تبعية الجهات لمركز القرار المالي، مما افقدها القدرة على التخطيط المستقل وتنفيذ سياساتها التنموية. ومن ثم يقتضي تنزيل الحكم الذاتي اقرار نظام مالي جهوي عادل وشفاف، يقوم على تنويع مصادر التمويل من خلال تحويلات مالية مستقرة من الميزانية العامة للدولة، ومنح الجهة صلاحيات جبائية ملائمة، وتشجيع الاستثمار المحلي والخاص، مع اعتماد آليات للتضامن بين الجهات تضمن تقليص الفوارق المجالية. كما يستلزم الامر تمكين الجهة من اعداد استراتيجيات تنموية مندمجة، تنطلق من تشخيص دقيق لمؤهلاتها الاقتصادية وخصوصياتها المجالية، وتستثمر مواردها الطبيعية والبشرية بشكل عقلاني ومستدام، بما يحول الحكم الذاتي الى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية وخلق الثروة وفرص الشغل. ويظل نجاح هذا المسار رهينا ايضا بقدرة الجهة على الاندماج في الاقتصاد الوطني والدولي، واستقطاب الاستثمارات، وتطوير البنيات التحتية، وضمان مناخ اعمال ملائم قائم على الامن القانوني والاستقرار المؤسساتي
اما على المستوى الاجتماعي، فان الحكم الذاتي لا يمكن ان يحقق اهدافه دون معالجة عميقة لمعضلات التنمية البشرية والعدالة الاجتماعية داخل الجهة. فالتفاوتات الاجتماعية والمجالية تشكل عاملا مهددا للاستقرار، وقد تفرغ مشروع الحكم الذاتي من محتواه اذا لم يواكب بسياسات اجتماعية فعالة تستهدف تحسين ظروف عيش الساكنة وتعزيز الولوج العادل للخدمات الاساسية. ويقتضي ذلك ان تجعل الجهة من التعليم والصحة والتكوين المهني والحماية الاجتماعية اولويات مركزية في سياساتها العمومية، باعتبارها ركائز اساسية لبناء راسمال بشري قادر على التفاعل الايجابي مع متطلبات الحكم الذاتي. كما يستدعي الامر اشراك فعلي للمجتمع المدني والفاعلين المحليين في بلورة وتنفيذ السياسات الجهوية، بما يعزز الشعور بالانتماء ويكرس الثقة بين المؤسسات والمواطنين فالحكم الذاتي لا ينجح
بمنطق النخب المغلقة، بل يتطلب انخراطا مجتمعيا واسعا يجعل من الساكنة فاعلا وشريكا في اتخاذ القرار وليس مجرد متلق للسياسات العمومية.
ولا يمكن اغفال البعد الثقافي والهوياتي ضمن شروط النجاح، اذ ان الحكم الذاتي غالبا ما يرتبط بسياقات تتسم بخصوصيات ثقافية ولغوية وتاريخية مميزة. ومن ثم فان الاعتراف بهذه الخصوصيات واحترامها ضمن اطار الوحدة الوطنية يشكل عنصرا اساسيا لضمان تماسك النسيج الاجتماعي وتحييد النزعات الانفصالية. فالتجارب الدولية الناجحة تبين ان ادماج البعد الثقافي في سياسات الحكم الذاتي، من خلال حماية التنوع الثقافي وتعزيزه يساهم في بناء ولاء مزدوج ايجابي للدولة والجهة في الآن ذاته، ويحول الحكم الذاتي الى اطار لتدبير الاختلاف لا لتكريسه كمصدر صراع.
وفي بعده المؤسساتي الوظيفي، يظل نجاح الحكم الذاتي مشروطا بوجود ادارة جهوية كفؤة ومهنية، قادرة على تنزيل السياسات العمومية بفعالية ونجاعة فالانتقال من المركزية الى اللامركزية الموسعة يفرض اعادة تاهيل الموارد البشرية، واعتماد انماط حديثة للتدبير العمومي، قائمة على التخطيط الاستراتيجي والتقييم المستمر للسياسات، وربط الاداء بالنتائج. كما يتطلب الامر تطوير آليات التنسيق بين الادارة الجهوية والادارات المركزية، بما يمنع تضارب الاختصاصات ويضمن انسجام السياسات العمومية الوطنية والجهوية.
وخلاصة القول ان الحكم الذاتي ليس وصفة جاهزة ولا اطارا قانونيا معزولا عن محيطه بل هو مشروع مجتمعي متكامل، تتوقف قابليته للنجاح على مدى تلاقي الارادة السياسية مع الفعالية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والنضج الديمقراطي. فكل اختلال في احد هذه الشروط من شانه ان ينعكس سلبا على باقي المكونات، وان يحول الحكم الذاتي من رافعة للاستقرار والتنمية الى عامل توتر واضطراب ومن ثم فان الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في اقرار الحكم الذاتي كنظام قانوني بل في بناء الشروط الموضوعية والذاتية التي تجعله ممارسة ديمقراطية حية، قادرة على تعزيز وحدة الدولة في اطار تنوعها، وترسيخ دولة الحق والقانون في بعدها الترابي.
الفقرة الثالثة دور الفاعلين المحليين والاحزاب السياسية والمجتمع المدني في تفعيل النموذج
يعد تفعيل نموذج الحكم الذاتي في بعده العملي رهينا بدرجة اساسية بنوعية الادوار التي يضطلع بها الفاعلون المحليون والاحزاب السياسية والمجتمع المدني باعتبارهم الحلقة الوسيطة بين النص الدستوري والقانوني من جهة، والواقع الاجتماعي والسياسي من جهة ثانية. فالحكم الذاتي مهما بلغت دقة هندسته المؤسساتية ووضوح مرجعياته الدستورية، يظل اطارا فارغا ما لم يتم ملؤه بممارسة سياسية مسؤولة، وبفعل جماعي منظم، وبقدرة حقيقية على تحويل الاختصاصات والصلاحيات الى سياسات عمومية جهوية ملموسة تستجيب لانتظارات الساكنة. وفي هذا السياق، تبرز اهمية الفاعلين المحليين بوصفهم حاملي المشروع على المستوى الترابي، ليس فقط من حيث التدبير اليومي للشان العام الجهوي، ولكن ايضا من حيث انتاج المعنى السياسي للحكم الذاتي، وترسيخ مشروعيته الاجتماعية وبناء الثقة بين الجهة والدولة من جهة، وبين المؤسسات والمواطنين من جهة اخرى.
فالفاعلون المحليون المنتخبون، وفي مقدمتهم اعضاء الهيئات التمثيلية الجهوية مطالبون بتجاوز منطق التدبير التقليدي القائم على تنفيذ التعليمات او تدبير الشؤون الجزئية، والانخراط في منطق القيادة الجهوية الاستراتيجية، التي تقوم على التخطيط بعيد المدى، واستشراف التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وصياغة اختيارات تنموية منسجمة مع خصوصيات الجهة واندماجها في المشروع الوطني العام. ويتطلب ذلك اعادة تعريف وظيفة المنتخب الجهوي ليس كوسيط خدماتي او فاعل انتخابي ظرفي، بل كصاحب قرار عمومي يتحمل مسؤولية سياسية وقانونية في توجيه السياسات الجهوية، وفي الدفاع عن مصالح الجهة داخل الفضاء الوطني في احترام تام لمقتضيات السيادة الوطنية ووحدة الدولة. كما يفرض هذا الدور تعزيز كفاءات المنتخبين، وتطوير قدراتهم في مجالات الحكامة
والتدبير المالي والقانوني، بما يضمن ممارسة فعالة للاختصاصات الممنوحة للجهة في اطار الحكم الذاتي.
اما الاحزاب السياسية، فان مسؤوليتها في تفعيل نموذج الحكم الذاتي تكتسي بعدا مركزيا بالنظر الى دورها الدستوري في تاطير المواطنات والمواطنين، وصياغة البرامج السياسية، وانتاج النخب القادرة على تحمل المسؤوليات العمومية. فالحكم الذاتي لا يمكن ان ينجح في ظل احزاب ضعيفة او غائبة عن النقاش الجهوي او تكتفي باستنساخ البرامج الوطنية دون تكييفها مع الخصوصيات الترابية. ومن ثم، يقتضي تنزيل الحكم الذاتي ان تعيد الاحزاب السياسية النظر في تنظيمها ووظائفها على المستوى الجهوي، من خلال تمكين فروعها الترابية من هامش حقيقي للمبادرة، وتشجيع انتاج برامج جهوية مستقلة في اولوياتها ووسائلها، ومنسجمة في الوقت ذاته مع المرجعيات الوطنية العامة. كما يفترض ان تضطلع الاحزاب بدور اساسي في عقلنة التنافس السياسي داخل الجهة، ومنع انزلاقه نحو منطق العصبيات المحلية او الاستقطابات الهوياتية الضيقة، وذلك عبر تاطير الصراع السياسي في اطار البرامج والاختيارات التنموية، وجعل الحكم الذاتي مجالا لتجويد الديمقراطية وليس لاعادة انتاج اختلالاتها.
وفي هذا السياق، تبرز ايضا مسؤولية الاحزاب في المساهمة في بناء خطاب سياسي متوازن حول الحكم الذاتي، خطاب يوفق بين الدفاع عن صلاحيات الجهة وتوسيع مجالات استقلالها في التدبير، وبين ترسيخ الانتماء الوطني والالتزام بالثوابت الدستورية للدولة. فغياب هذا التوازن قد يؤدي اما الى تفريغ الحكم الذاتي من مضمونه عبر الخضوع الكامل لمنطق المركز او الى توظيفه بشكل شعبوي قد يفتح المجال لتاويلات مغلوطة تمس بوحدة الدولة. ومن ثم، فان الرهان الحقيقي يتمثل في احزاب قادرة على ادارة هذا التوازن الدقيق، وعلى تحويل الحكم الذاتي الى فضاء لتجديد الفكر السياسي والممارسة الحزبية في بعدها الترابي.
وبخصوص المجتمع المدني فان دوره في تفعيل نموذج الحكم الذاتي يظل حاسما،
ليس فقط كفاعل مكمل للمؤسسات المنتخبة، بل كقوة اقتراحية ورقابية تساهم في توسيع قاعدة المشاركة المواطنة، وتعزيز الشفافية، وضمان استدامة الاختيارات الجهوية. فالحكم الذاتي في فلسفته العميقة، يفترض انتقالا من ديمقراطية تمثيلية محدودة الى ديمقراطية ترابية تشاركية، يكون فيها للمجتمع المدني موقع اساسي في بلورة السياسات العمومية وتتبع تنفيذها وتقييم اثرها ويتطلب ذلك الاعتراف الفعلي بدور الجمعيات والهيئات المدنية كشريك في التنمية الجهوية، وتمكينها من الولوج الى المعلومة، والمشاركة في الهيئات الاستشارية، والمساهمة في النقاش العمومي حول اولويات الجهة.
كما يضطلع المجتمع المدني بدور محوري في بناء ثقافة الحكم الذاتي داخل المجتمع، من خلال التوعية بالحقوق والواجبات، وترسيخ قيم المواطنة والمسؤولية، ومحاربة النزعات السلبية التي قد ترافق المراحل الانتقالية من قبيل العزوف السياسي او الشك في المؤسسات. فنجاح الحكم الذاتي لا يقاس فقط بمدى نجاعة السياسات العمومية، بل ايضا بمدى انخراط الساكنة في الدفاع عنه وتحصينه باعتباره مكسبا ديمقراطيا وتنمويا مشتركا. وفي هذا الاطار، يشكل المجتمع المدني رافعة اساسية لبناء الثقة، سواء بين الدولة والجهة او بين النخب والمؤسسات من جهة، والمواطنين من جهة اخرى.
ومن منظور الرؤية التي يطرحها المركز، فان تفعيل نموذج الحكم الذاتي يفترض بناء منظومة تكاملية بين مختلف الفاعلين تقوم على توزيع واضح للادوار و احترام متبادل للاختصاصات، وتنسيق دائم يضمن انسجام السياسات العمومية وعدم تضاربها. فالمركز يظل ضامنا لوحدة الدولة وحماية السيادة الوطنية، لكنه في المقابل مطالب بخلق شروط اشتغال فعلي للفاعلين الجهويين، واحترام استقلالية القرار الترابي في المجالات المخولة له دستوريا وقانونيا. وفي المقابل، يتحمل الفاعلون المحليون والاحزاب والمجتمع المدني مسؤولية ممارسة هذا الاستقلال في اطار المسؤولية والالتزام الوطني، بما يجعل من الحكم الذاتي اطارا لتقوية الدولة لا لتقويضها.
وعليه، فان الرهان الجوهري لا يكمن فقط في توفر النصوص والمؤسسات، بل في القدرة على انتاج فعل جماعي ناضج، يؤمن بالحكم الذاتي كمشروع دولة ومجتمع، ويعمل على تفعيله بروح تشاركية، وعقلانية سياسية والتزام قانوني صارم فحين ينجح الفاعلون المحليون والاحزاب السياسية والمجتمع المدني في القيام بادوارهم بشكل متكامل، يتحول الحكم الذاتي من تصور نظري الى ممارسة يومية، ومن مقترح سياسي الى واقع مؤسساتي وتنموي، يعزز الاستقرار، ويكرس الوحدة الوطنية، ويفتح افاقا جديدة للديمقراطية الترابية في إطار دولة موحدة وقوية.
المحور الرابع الاشكال الترابي للحكم الذاتي ورؤية مركز المؤشر
يثير البعد الترابي للحكم الذاتي احد اكثر الاشكالات تعقيدا وحساسية في مسار تنزيل هذا الخيار السياسي، بالنظر لما ينطوي عليه من تداخل بين الاعتبارات التاريخية والقبلية والجغرافية من جهة، والمعايير الدستورية والقانونية والتنظيمية للدولة من جهة اخرى. فالحسم في المجال الترابي الذي سيشمل الحكم الذاتي لا يطرح كمسالة تقنية محضة، بل کرهان سياسي عميق يرتبط بشرعية النموذج، وبمدى قدرته على استيعاب الامتدادات التاريخية والاجتماعية للفضاء الصحراوي، وعلى تفادي اعادة انتاج اشكال الاقصاء او الاختزال التي قد تفرغ الحكم الذاتي من بعده التوحيدي والتصالحي
وقد اعاد النقاش العمومي الدائر في المرحلة الراهنة تسليط الضوء على مسالة تحديد الاقاليم المعنية بالحكم الذاتي، خاصة في ظل الطرح الذي يحصر هذا النموذج في نطاق الجهات المصنفة دوليا كمناطق متنازع حولها، مقابل استبعاد مجالات ترابية اخرى، وعلى راسها جهة كلميم وادنون بدعوى انها لا تندرج ضمن المجال المباشر للنزاع. غير ان هذا التصور يطرح اشكالات سياسية وتاريخية عميقة، ذلك ان المجال الصحراوي لا يمكن اختزاله في الحدود الادارية الراهنة، بل يتاسس على امتدادات قبلية وثقافية وبشرية متداخلة تشكلت تاريخيا في إطار وحدة المجال المغربي، وتداخلت فيها القبائل والروابط الاجتماعية والاقتصادية عبر مختلف مناطق الجنوب.
ومن هذا المنطلق يهدف هذا المحور الى تفكيك الاشكال الترابي المرتبط بالحكم الذاتي، وتحليل مختلف المقاربات الممكنة لتحديد مجاله في ضوء مقتضيات الدستور المغربي، ومبادئ العدالة الترابية، ومتطلبات الاستقرار السياسي. كما يسعى الى تقديم رؤية مركز المؤشر للدراسات والابحاث التي تنطلق من ضرورة اعتماد تصور ترابي مندمج وشامل يراعي الخصوصيات التاريخية والقبلية، ويضمن الانصاف المجالي، ويحول الحكم الذاتي الى إطار جامع يعزز الوحدة الوطنية، بدل ان يتحول الى عامل تمييز او تباين داخل الفضاء الصحراوي المغربي.
الفقرة الأولى: تحديد الاقاليم المعنية بالحكم الذاتي بين منطق النزاع ومنطق الامتداد التاريخي والاجتماعي
تبدو تطرح مسالة الاشكال الترابي للحكم الذاتي باعتبارها احد المفاتيح المركزية لنجاح هذا الخيار السياسي، لكونها تمس جوهر التوازن بين منطق التسوية السياسية للنزاع ومتطلبات البناء الدستوري الموحد للدولة. فالتحديد الترابي لمجال الحكم الذاتي لا يمكن ان ينحصر في قراءة تقنية او ادارية ضيقة، ولا ان يخضع حصريا لمعيار النزاع كما هو متداول داخل اروقة الامم المتحدة، بل يستوجب مقاربة شمولية تدمج البعد التاريخي والانساني والقبلي مع الاعتبارات القانونية والدستورية والتنظيمية. اذ ان المجال الصحراوي، في تشكله التاريخي، لم يكن فضاء مجزءا او منغلقا داخل حدود مرسومة سلفا، بل كان مجالا مفتوحا تحکمه روابط البيعة والولاء للدولة المغربية، وتنسجه شبكة معقدة من الامتدادات القبلية والاجتماعية والاقتصادية التي تشمل الساقية الحمراء ووادي الذهب وادنون وامتداداتها الطبيعية والبشرية. ومن ثم فان اي تصور ترابي للحكم الذاتي يتجاهل هذه الحقيقة التاريخية معرض لان ينتج اختلالات سياسية ورمزية قد تضعف مشروعية النموذج لدى جزء من الساكنة المعنية.
ومن الزاوية الدستورية، يفرض مبدأ وحدة الدولة وعدم قابليتها للتجزئة، كما هو منصوص عليه في الدستور المغربي اعتماد تصور ترابي للحكم الذاتي منسجم مع الجهوية المتقدمة
وقائم على منطق التفريع والتمايز الوظيفي لا على منطق الاستثناء السياسي المنفصل. فالحكم الذاتي، في هذا الاطار، لا يشكل قطيعة مع التنظيم الترابي القائم، بل امتدادا متقدما له في جهات الجنوب بما يقتضي التفكير في مجال ترابي متكامل قادر على استيعاب الخصوصية الصحراوية دون خلق تفاوتات غير مبررة بين الجهات الجنوبية نفسها. ويبرز هنا الاشكال المرتبط بجهة كلميم وادنون، التي وان كانت غير معنية بشكل مباشر بالنزاع من الناحية الاممية، فانها تظل تاريخيا واجتماعيا جزءا لا يتجزأ من المجال الصحراوي، وتشكل قبائلها أحد المكونات الاساسية للهوية الصحراوية المغربية. ان استبعاد هذا المجال من تصور الحكم الذاتي قد يفضي الى خلق احساس بالاقصاء، ويغذي قراءات انتقائية للانتماء الصحراوي، بما يتعارض مع منطق الانصاف المجالي والوحدة الترابية في بعدها المجتمعي. اما على المستوى الدولي، فان تطور الخطاب الاممي نحو التأكيد على الحلول الواقعية والبراغماتية والمتوافق عليها، يفتح هامشا واسعا للدولة المغربية لاعتماد تصور ترابي مرن للحكم الذاتي، لا يتقيد حرفيا بحدود النزاع كما تم ترسيمها في سياقات تاريخية معينة، بل يستند الى منطق النجاعة السياسية والاستقرار طويل الامد. فالقانون الدولي لا يفرض نموذجا ترابيا محددا للحكم الذاتي، بقدر ما يشترط احترام سيادة الدولة، وضمان مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم، وتوفير الضمانات الديمقراطية والمؤسساتية الكفيلة بحماية الحقوق والحريات. ومن هذا المنطلق، يمكن التفكير في اكثر من سيناريو ترابي، من قبيل اعتماد مجال موحد للحكم الذاتي يشمل مجموع الجهات الجنوبية ذات الامتداد الصحراوي او اعتماد نموذج مرن يقوم على تنسيق جهوي موسع بين جهات تتمتع بوضع
خاص، في اطار وحدة دستورية واحدة.
وانطلاقا من هذه المعطيات، تؤكد رؤية مركز المؤشر للدراسات والابحاث على ان الاشكال الترابي للحكم الذاتي ينبغي ان يبنى على قاعدة الادماج لا الاقصاء، وعلى استحضار العمق التاريخي والاجتماعي للفضاء الصحراوي مع احترام الضوابط الدستورية والمؤسساتية للدولة. فنجاح الحكم الذاتي لا يقاس فقط بمدى استجابته لمتطلبات التسوية السياسية
الدولية، بل ايضا بقدرته على تحقيق الانسجام الداخلي، وتعزيز الشعور بالانتماء المشترك وجعل المجال الترابي للحكم الذاتي فضاء للوحدة والتكامل، لا مصدرا لاعادة انتاج التمايزات
داخل الجنوب المغربي.
الفقرة الثانية: موقع جهة كلميم وادنون في النقاش العمومي بين الاقصاء الوظيفي والانتماء الصحراوي
تعتبر جهة كلميم وادنون واحدة من أكثر المناطق إثارة للاهتمام والجدل في النقاش العمومي حول الاشكال الترابي للحكم الذاتي، نظرا لوضعها المزدوج الذي يجمع بين صفتها الادارية القائمة خارج نطاق النزاع الدولي وانتمائها التاريخي والاجتماعي والثقافي للفضاء الصحراوي المغربي. فهذه الجهة، رغم انها لا تعتبر في بعض المراجع الدولية جزءا من المناطق المتنازع حولها، فإن امتداداتها البشرية والقبلية والاقتصادية تجعلها جزءا لا يتجزأ من النسيج الصحراوي، وترتبط بعلاقات تاريخية ممتدة مع بقية اقاليم الجنوب المغربي من وادي الذهب والساقية الحمراء جنوبا إلى تندوف والسهول الصحراوية الداخلية. ومن ثم، فان أي تصور للحكم الذاتي يتجاهل هذه الحقيقة، أو يقصره على حدود النزاع الاممي قد ينتج تباينات غير عادلة بين الجهات، ويخلق شعوراً بالاقصاء الوظيفي، بما يضعف شرعية النموذج في إطار الانسجام الوطني والمشروع التشاركي.
وعلى المستوى السياسي، يظهر النقاش العمومي حول جهة كلميم وادنون ازدواجية في التمثيل بين مفهوم الاقصاء الوظيفي والانتماء الصحراوي. فبينما يقترح بعض التوجهات الدولية الاكتفاء بالمناطق المعترف بها دوليا كمتنازع حولها، يراها الفاعلون الوطنيون جزءا حيويا من المنظومة الصحراوية المغربية تستلزم اشراكها ضمن الحكم الذاتي لضمان وحدة المجال الجغرافي والسياسي، واحترام الاصالة التاريخية للهوية الصحراوية المغربية. ويبرز هذا الامر في الممارسة السياسية اليومية، حيث تتقاطع مصالح القبائل المحلية، والروابط الاجتماعية والاقتصادية العابرة للحدود الادارية، مع التوجه الوطني لتعزيز الحكم الذاتي
كرافعة للتنمية والاستقرار، ما يجعل تجاهل هذه الجهة امرا غير عملي على الصعيد السياسي والتنمية المستدامة.
أما من الناحية القانونية والدستورية، فجهة كلميم وادنون تقع ضمن الإطار الوطني الموحد، وتتمتع بالحقوق والالتزامات ذاتها التي تحددها القوانين التنظيمية للجهات المغربية. ومن ثم فان دمجها في نموذج الحكم الذاتي لا يقتصر على بعد سياسي او تاريخي بل يشمل بعدا قانونيا واضحا، يفرض اعادة النظر في هندسة الاختصاصات والصلاحيات بحيث تستوعب الامتدادات الترابية والوظيفية لهذه الجهة، بما يضمن فعالية السياسات العمومية ومساواة الفرص بين كافة المناطق الصحراوية. ويؤكد هذا البعد ضرورة اعتماد تصور مرن يوازن بين وحدة السيادة الوطنية والخصوصيات المحلية، بحيث يصبح الحكم الذاتي اطارا جامعاً للحقوق والمسؤوليات وليس اداة لخلق تباينات او استثناءات قد تضعف النسيج الاجتماعي والاقتصادي للجنوب المغربي.
من منظور الرؤية التي يطرحها مركز المؤشر للدراسات والابحاث، فان موقع جهة كلميم وادنون يشكل اختبارا حقيقيا لنجاعة نموذج الحكم الذاتي، اذ يتعين الاعتراف بمكانتها التاريخية والاجتماعية والثقافية، وفي الوقت نفسه ضمان انسجامها مع المعايير الدستورية والسياسية الوطنية. فنجاح الحكم الذاتي لن يتحقق دون اشراك هذه الجهة في التخطيط والتنفيذ والمراقبة، بما يجعلها شريكا فعالا في المشروع الجهوي، ويعزز شعور الانتماء الوطني المشترك. وعليه، فان الرؤية الاستراتيجية للمركز تؤكد على اعتماد مقاربة شاملة للجنوب المغربي، تقوم على ادماج جهة كلميم وادنون ضمن الحكم الذاتي مع احترام الانسجام القانوني والمؤسساتي، وتمكينها من ممارسة اختصاصاتها بكفاءة ومسؤولية، ما يحول هذا النموذج الى تجربة فريدة تجمع بين الاستقرار السياسي، الانصاف المجالي، والتنمية المستدامة، ويعزز شرعية الدولة المغربية داخليا وخارجيا
الفقرة الثالثة: تصور مركز المؤشر لنموذج حكم ذاتي منفتح يراعي وحدة المجال الصحراوي والانسجام القبلي والتنموي
يشكل تصور مركز المؤشر لنموذج حكم ذاتي منفتح نقطة ارتكاز استراتيجية في مسار تنزيل الحكم الذاتي على الصحراء المغربية، وذلك انطلاقا من قناعة راسخة بأن نجاح هذا المشروع لا يقتصر على الجانب المؤسساتي أو القانوني فحسب، بل يرتبط ارتباطا وثيقا بقدرة النموذج على استيعاب التاريخ والقبائل والامتدادات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للمجال الصحراوي بأسره، بما يحقق الانسجام الوطني ويعزز الوحدة الترابية للدولة المغربية. وفي هذا السياق، يطرح المركز نموذج حكم ذاتي متكامل، يوازن بين السيادة الوطنية والخصوصية الجهوية، ويضع في مقدمة أولوياته الربط بين البعد التاريخي والانسجام القبلي، والفاعلية التنموية، بحيث يصبح الحكم الذاتي أداة عملية لبناء الثقة، وترسيخ الانتماء المشترك، وتحقيق التنمية المستدامة.
أولا، من الناحية التاريخية والسياسية، يرى المركز أن أي نموذج للحكم الذاتي يجب أن يستند إلى فهم معمق للتراكم التاريخي للفضاء الصحراوي المغربي، حيث تتداخل فيه الامتدادات القبلية والروابط الاجتماعية والاقتصادية بين مختلف المناطق الجنوبية، بما في ذلك جهة كلميم وادنون، وامتداداتها مع باقي الأقاليم الصحراوية من الساقية الحمراء ووادي الذهب إلى الداخلة والعيون. إن أي اختزال للنموذج على أساس الاعتبارات الدولية المتعلقة بالمناطق المتنازع حولها، دون استحضار الانتماء التاريخي والاجتماعي لهذه الجهات يضعف شرعية الحكم الذاتي ويخلق فجوات رمزية وسياسية بين الساكنة والدولة. لذلك يقترح المركز اعتماد تصور ترابي موسع للحكم الذاتي يشمل كامل الامتداد الصحراوي، مع مراعاة الخصوصيات القبلية، وتاريخ الساكنة، وامتدادها الطبيعي والاقتصادي، بحيث يتم دمج هذه الجهة في المشروع الجهوي باعتبارها شريكا فاعلا وليس مجرد منطقة هامشية ويصبح الحكم الذاتي إطارا جامعاً يسعى لتعزيز الانسجام الترابي والانسجام الاجتماعي في آن
واحد.
ثانيا، على المستوى القانوني والدستوري، يؤكد المركز على ضرورة وضع أسس دستورية واضحة تحدد مجالات تدخل الجهة في إطار الحكم الذاتي، بما يحقق التوازن بين السلطات المركزية والجهوية، ويضمن احترام وحدة الدولة والسيادة الوطنية. ويشدد المركز على أن هذا النموذج يجب أن يكون مدعومًا بنظام قانوني متكامل يشمل التشريعات التنظيمية للجهات، ويحدد بدقة اختصاصات الجهة وصلاحياتها في مختلف المجالات، بما في ذلك التنمية الاقتصادية والتخطيط العمراني والتعليم والصحة، وإدارة الموارد الطبيعية، مع توفير آليات رقابية فعالة لضمان الالتزام بالمعايير الوطنية والدولية. كما يرى المركز أن إدراج جهة كلميم وادنون ضمن نطاق الحكم الذاتي يتطلب صياغة نصوص قانونية واضحة تمنع الإقصاء الوظيفي، وتكرس الانصاف المجالي، بحيث تتيح لهذه الجهة ممارسة اختصاصاتها بكفاءة ومسؤولية، بما يعزز شرعية النموذج ويضمن انسجامه مع وحدة المجال الصحراوي ككل.
ثالثا، من منظور التنمية الاقتصادية والاجتماعية، يؤكد المركز أن نجاح الحكم الذاتي رهين بقدرة الجهة على تحويل الاختصاصات إلى سياسات تنموية ملموسة، توفر فرص الشغل وتعزز الاستثمار المحلي، وتضمن توزيع عادل للثروات بين جميع مناطق الجنوب. ويرى المركز أن هذا يتطلب اعتماد نموذج مالي جهوي متكامل، يتيح للجهة موارد مالية مستقرة وكافية، ومرونة في التدبير الجهوي للموارد، مع ضمان آليات للتضامن بين الجهات الضمان العدالة المجالية. كما يشدد المركز على ضرورة وضع استراتيجيات تنموية شاملة، تراعي الخصوصيات الاقتصادية للجهة، وتدمج بين القطاعات الحيوية، وتستثمر الإمكانات الطبيعية والبشرية بشكل مستدام، بما يحول الحكم الذاتي إلى رافعة للتنمية الشاملة وليس
مجرد إدارة رمزية للسلطة.
رابعا، في البعد الاجتماعي والثقافي، يرى المركز أن الحكم الذاتي يجب أن يكون منفتحا على المجتمع المدني والقبائل المحلية باعتبارها شريكا أساسيا في صناعة القرار وتطبيق السياسات العمومية. ويؤكد المركز على أهمية تعزيز المشاركة المجتمعية في تخطيط وتنفيذ
المشاريع الجهوية، بما يعزز الشعور بالانتماء، ويكرس الثقة بين المواطن والمؤسسات. كما يشدد على ضرورة احترام التنوع الثقافي واللغوي للمنطقة، وحماية الخصوصيات القبلية والتاريخية، باعتبارها مكونا أساسيا للهوية الصحراوية المغربية، بما يساهم في بناء ولاء مزدوج للدولة والجهة، ويحول الحكم الذاتي إلى إطار لتدبير الاختلاف، لا لتعميقه.
خامسا، من منظور المؤسسات والحوكمة، يشدد المركز على أن النموذج المقترح يجب أن يقوم على بناء إدارة جهوية مؤهلة وفعالة قادرة على تطبيق السياسات العامة بمرونة ونجاعة، مع تطوير آليات للتنسيق بين الادارة المركزية والجهوية، وضمان تكامل السياسات العمومية الوطنية والجهوية. ويقترح المركز وضع آليات واضحة للمساءلة والشفافية، بما يربط المسؤولية بالنتائج ويضمن تحقيق التنمية والاستقرار السياسي. كما يرى المركز أن إشراك الفاعلين المحليين، والأحزاب السياسية والمجتمع المدني في تفعيل الحكم الذاتي هو عنصر حاسم لضمان استدامة النموذج وتحويله من تصور نظري إلى ممارسة يومية
قائمة على المشاركة والمساءلة.
سادسًا، في بعده الاستراتيجي والدولي، يرى المركز أن نموذج الحكم الذاتي المنفتح يمكن أن يعزز مكانة المغرب في المحافل الدولية، ويظهر قدرة الدولة على تقديم حلول متوازنة وواقعية للنزاعات الإقليمية، تتوافق مع مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان، وتحقق استقرارا سياسيا مستداما في المنطقة. ويؤكد المركز على أن نجاح هذا النموذج سيمكن المغرب من كسب دعم المجتمع الدولي، وتعزيز شرعية سيادته على الصحراء المغربية، مع توفير أرضية للتعاون الإقليمي، خصوصا مع دول الجوار، بما يسهم في بناء اتحاد مغاربي مستقبلي قائم على الثقة والتكامل الاقتصادي والسياسي.
وأخيرا، يؤكد المركز في رؤيته أن الحكم الذاتي المنفتح يجب أن يكون تجربة فريدة، تجمع بين احترام السيادة الوطنية، وضمان الانصاف المجالي، وتعزيز الانتماء المشترك، وتحقيق التنمية المستدامة. فهو ليس مجرد إجراء مؤسساتي أو قانوني، بل مشروع استراتيجي شامل يقوم على تفاعل متوازن بين الدولة الجهات الجهوية الفاعلين السياسيين والمجتمع
المدني، ويعزز ثقافة المشاركة والمساءلة، ويترجم مبادئ الديمقراطية الترابية إلى واقع ملموس على الأرض. ومن ثم، فإن هذا النموذج يمثل رؤية متكاملة لمركز المؤشر، تؤكد أن الحكم الذاتي ليس هدفا بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق الاستقرار الوطني، وتكريس الوحدة
الترابية، وبناء مشروع تنموي مستدام وشامل للجنوب المغربي.
الفقرة الرابعة: التصور العملي لتنزيل الحكم الذاتي : المداخل الدستورية والمؤسساتية والآليات التنفيذية
يشكل المقترح التفصيلي لنموذج الحكم الذاتي، كما يتصوره مركز المؤشر للدراسات والابحاث، تصورا متكاملا يقوم على الانتقال من منطق المبادرة السياسية إلى منطق السياسة العمومية المندمجة، بما يقتضي تحديد المحاور الكبرى والمؤسسات والاليات الكفيلة بضمان تنزيل فعلي وواقعي للحكم الذاتي في انسجام تام مع الدستور المغربي، ووحدة الدولة، ومتطلبات الشرعية الدولية. وفي هذا السياق، يقترح المركز مقاربة متعددة المداخل تتكامل فيها الاصلاحات الدستورية والمؤسساتية مع آليات الحكامة والتنمية والحقوق وفق رؤية تدريجية وقابلة للتقييم والتقويم.
ويرتكز المدخل الاول على الاطار الدستوري والقانوني، حيث يرى المركز ان تنزيل الحكم الذاتي يستوجب تعديلا دستوريا محدودا ودقيقا، لا يمس جوهر النظام الدستوري ولا وحدة السيادة، بقدر ما يضفي طابعا دستوريا صريحا على الجهة ذاتية الحكم، ويحدد موقعها داخل التنظيم الترابي للمملكة. ويقترن هذا التعديل بإصدار قانون تنظيمي خاص بالحكم الذاتي، يحدد بشكل واضح اختصاصات الجهة، ومجالات تدخلها التشريعية والتنفيذية والمالية، وآليات فض النزاعات بينها وبين السلطة المركزية، بما يضمن الامن القانوني والاستقرار المؤسساتي. كما يشكل اعتماد مساطر انتخابية خاصة بالجهة، مؤطرة بقواعد الشفافية والمراقبة مدخلا اساسيا لترسيخ المشروعية الديمقراطية للمؤسسات الجهوية
أما المدخل الثاني فيتعلق بالتمكين المؤسساتي، حيث يقترح المركز بناء هندسة مؤسساتية جهوية واضحة المعالم، تقوم على مجلس تشريعي جهوي منتخب يتمتع بصلاحيات فعلية في ميادين التنمية المحلية والتخطيط، والثقافة والتعليم والصحة وتدبير المجال. ويوازي ذلك احداث جهاز تنفيذي جهوي منبثق عن الاغلبية المنتخبة يتحمل المسؤولية السياسية والادارية في تنفيذ السياسات الجهوية في اطار التنسيق مع الحكومة المركزية. كما يؤكد المركز على اهمية احداث مجالس استشارية جهوية، خاصة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، بما يسمح بدمج الفاعلين الاقتصاديين والقبليين والمجتمع المدني في صناعة القرار الجهوي.
ويرتبط المدخل الثالث بالبعد الاقتصادي والمالي، باعتباره شرطا حاسما لنجاح الحكم الذاتي واستدامته. وفي هذا الاطار، يدعو المركز إلى تمكين الجهة من موارد مالية مستقلة ومتنوعة، تشمل الجبايات المحلية، ونسبة محددة من عائدات استغلال الموارد الطبيعية، إلى جانب التحويلات التضامنية من الميزانية العامة للدولة. ويقترح احداث صندوق جهوي لتنمية الصحراء، يخضع لحكامة مشتركة بين الدولة والجهة، ويعتمد معايير الشفافية والمساءلة، ويوجه موارده نحو الاستثمار المنتج، والبنيات التحتية، والتشغيل والاقتصاد الاخضر، بما يجعل الحكم الذاتي رافعة فعلية للتنمية وليس مجرد اطار سياسي.
ويهم المدخل الرابع البعد الثقافي والهوياتي، حيث يشدد المركز على ان الحكم الذاتي لا يمكن ان ينجح دون اعتراف صريح وتثمين فعلي للهوية الثقافية الصحراوية، وفي مقدمتها الثقافة الحسانية باعتبارها مكونا اصيلا من الهوية الوطنية المغربية. ويقتضي ذلك ادماج هذه الثقافة في السياسات العمومية الجهوية، وفي مجالات التعليم والاعلام، والانتاج الثقافي، مع ضمان الانصاف الرمزي للساكنة وتعزيز شعورها بالانتماء والمشاركة في المشروع الوطني.
أما المدخل الخامس فيرتبط بحقوق الانسان والحريات العامة، حيث يرى المركز ان تعزيز الثقة داخليا ودوليا، يمر عبر ارساء ضمانات مؤسساتية واضحة لحماية الحقوق
والحريات داخل الجهة ذاتية الحكم. ويشمل ذلك تمكين المجتمع المدني، وضمان حرية التنظيم والتعبير، واحداث آليات جهوية مستقلة لتتبع اوضاع حقوق الانسان، في تنسيق مع المؤسسات الوطنية، مع الانفتاح المدروس على اليات المراقبة الدولية، في اطار السيادة الوطنية، بما يعزز مصداقية النموذج المغربي.
ويؤكد المدخل السادس على اهمية التنسيق الوطني والدولي، من خلال احداث آلية مؤسساتية دائمة لتنسيق السياسات بين الدولة والجهة تضمن انسجام الاختيارات الاستراتيجية، وتفادي التضارب بين المستويات الترابية. كما يدعو المركز إلى استثمار الحكم الذاتي كاداة دبلوماسية، عبر تقديمه كنموذج افريقي وعربي متقدم في تدبير التعدد داخل الوحدة، وتعزيزه بالحضور الاقتصادي والثقافي للمغرب في محيطه الاقليمي والدولي.
واخيرا، يشدد مركز المؤشر على ان تنزيل هذا النموذج يقتضي اعتماد آليات دقيقة للتنفيذ والتتبع والتقييم تقوم على جدولة زمنية واضحة ومؤشرات قياس موضوعية وتقارير دورية علنية، بما يسمح بتصحيح الاختلالات وضمان تطور تدريجي ومتوازن للحكم الذاتي. فنجاح هذا المشروع، في نظر المركز، لا يقاس فقط بصدور النصوص، بل بقدرته على تحسين شروط عيش الساكنة، وتعزيز الاستقرار، وترسيخ الوحدة الوطنية، وتحويل الصحراء المغربية إلى فضاء للحكامة والتنمية والاندماج الاقليمي.
خاتمة
مركز المؤشر للدراسات والابحاث
إن ما استعرضته هذه المذكرة السياسية من تحليلات ومقترحات يوضح بجلاء أن مسألة الحكم الذاتي للصحراء المغربية ليست مجرد إجراء إداري أو تنظيم قانوني، بل هي خيار استراتيجي متعدد الأبعاد، يربط بين السيادة الوطنية وحقوق الساكنة المحلية، ويعكس قدرة الدولة المغربية على ابتكار حلول واقعية وفعالة للنزاعات الإقليمية ضمن أطر القانون الدولي ومبادئ الديمقراطية الترابية. فالنجاح في تنزيل هذا النموذج يتوقف على استيعاب مجموعة من المعطيات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وعلى بناء بنية مؤسساتية وقانونية متينة ومرنة، قادرة على تحقيق التوازن بين المركز والجهة، وضمان فعالية التدبير العمومي، وتعزيز الانتماء المشترك لجميع ساكنة الجنوب المغربي.
إن التحليل التاريخي والحقوقي للمجال الصحراوي يظهر أن أي تصور للحكم الذاتي لا يمكن أن يتجاهل الامتدادات التاريخية والاجتماعية للمناطق الجنوبية، بما في ذلك جهة كلميم وادنون التي تمثل جزءاً لا يتجزأ من النسيج الصحراوي المغربي. فالتراكمات التاريخية والروابط القبلية والامتدادات الاقتصادية والثقافية تشكل قاعدة صلبة لبناء نموذج حكم ذاتي متكامل، يضمن المساواة بين مختلف الجهات الصحراوية، ويحمي حقوق جميع الفاعلين المحليين، ويحول دون خلق شعور بالاقصاء أو التهميش. ومن هذا المنطلق، يؤكد مركز المؤشر على أن أي نهج ترابي لا يدمج هذه الجهة في المخطط الشامل للحكم الذاتي سيكون ناقصاً، وقد يفرغ النموذج من شرعيته الوطنية والاجتماعية.
على الصعيد القانوني والدستوري، يظهر بوضوح أن نجاح الحكم الذاتي يتطلب تحديد اختصاصات الجهة بشكل دقيق ومفصل بحيث تتيح لها ممارسة الصلاحيات المرتبطة بالتنمية المحلية والإدارة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع الحفاظ على صلاحيات الدولة المركزية في المجالات السيادية، بما فيها الدفاع والأمن الخارجي والعدل والشؤون الخارجية. كما أن صياغة التشريعات التنظيمية الخاصة بالحكم الذاتي يجب أن تراعي مبدأ وحدة الدولة، وتضمن عدم التعارض بين الاختصاصات الجهوية والمركزية، مع
وضع آليات فعالة للتنسيق والمراقبة، لضمان انسجام السياسات العمومية وتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الثقة بين السلطة المركزية والجهات. ويعتبر هذا البعد القانوني حجر الزاوية الذي يضبط العلاقة بين الدولة وساكنة الجهات الصحراوية، ويحول الحكم الذاتي من مجرد فكرة نظرية إلى ممارسة عملية قائمة على الشرعية والمؤسساتية.
أما من منظور التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإن الحكم الذاتي المنفتح يتطلب وضع برامج تنموية متكاملة، تراعي الخصوصيات البيئية والاقتصادية والاجتماعية للجهات الصحراوية، وتعزز فرص الشغل والاستثمار المحلي، وتوفر البنية التحتية الضرورية لتحسين جودة الحياة. ويرى مركز المؤشر أن ربط الحكم الذاتي بالتنمية ليس مجرد خيار تقني، بل ضرورة استراتيجية لضمان قبوله من قبل الساكنة، ولتحويله إلى نموذج ناجح يحفز المشاركة المجتمعية والاقتصادية. وهذا يشمل وضع نظام مالي جهوي قادر على توفير الموارد المستدامة، مع آليات للتضامن بين الجهات لضمان العدالة المجالية، وتفادي الفوارق التنموية التي قد تهدد الاستقرار الاجتماعي.
كما أن البعد الاجتماعي والثقافي يشكل عاملاً أساسياً في نجاح الحكم الذاتي، إذ يرتبط بالقدرة على دمج الفاعلين المحليين والقبائل والمجتمع المدني والأحزاب السياسية في عمليات التخطيط والتنفيذ والمساءلة. فالتمكين الحقيقي لهذه الفاعلين يعزز شعورهم بالانتماء، ويرسخ ثقة المواطنين في المؤسسات الجهوية، ويحول الحكم الذاتي إلى أداة لتحقيق الديمقراطية الترابية الحقيقية، لا إلى مجرد إدارة شكلية للسلطة. وفي هذا السياق يؤكد المركز على أهمية احترام التنوع الثقافي واللغوي والاجتماعي للمنطقة، وحماية التراث القبلي والتاريخي، باعتبارها مكونات أساسية للهوية الصحراوية المغربية، وهذا بدوره يضمن استدامة النموذج ويعزز دوره كرافعة للوحدة الوطنية.
من زاوية المؤسسات والحوكمة، يبرز أهمية بناء إدارة جهوية فعالة، مؤهلة ومدربة قادرة على ترجمة السياسات العمومية إلى برامج ملموسة على الأرض، مع تطوير آليات للتنسيق بين الجهات والمركز، وضمان تكامل السياسات العامة بين المستويات المختلفة
ويضيف المركز أن آليات المساءلة والشفافية يجب أن تكون جزءاً لا يتجزأ من نموذج الحكم الذاتي، بحيث ترتبط المسؤولية بالنتائج، ويصبح المواطن شريكاً فعالاً في تقييم الأداء وتحسينه. وهذا يعزز من كفاءة الأداء الحكومي ويحول الحكم الذاتي إلى مشروع يحقق التنمية المستدامة والاستقرار السياسي، بدلاً من أن يكون مجرد إطار رمزي أو شكلي.
أما على المستوى الدولي، فإن نموذج الحكم الذاتي المنفتح يعكس قدرة المغرب على تقديم حلول واقعية ومتوازنة للنزاعات الإقليمية، بما يتوافق مع مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان، ويعزز مكانة الدولة المغربية في المحافل الدولية. فالنجاح في هذا النموذج يمنح المغرب قدرة أكبر على حشد الدعم الدولي، ويكسبه الاعتراف بسيادته على الصحراء المغربية، مع فتح آفاق للتعاون الإقليمي والدولي، بما يساهم في تحقيق الاستقرار في شمال إفريقيا والمغرب العربي، ويرفع من فرص بناء تحالفات اقتصادية وسياسية متينة بين الدول المجاورة.
إن مركز المؤشر يرى أن الحكم الذاتي المنفتح يجب أن يتحول إلى تجربة شاملة تجمع بين السيادة الوطنية، والعدالة المجالية، والانتماء المشترك، والتنمية المستدامة والديمقراطية الترابية، بحيث يصبح نموذجاً رائداً يمكن الاستناد إليه في تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي للجنوب المغربي. ويؤكد المركز أن هذا النموذج ليس غاية في ذاته، بل وسيلة استراتيجية لتحقيق الاستقرار الوطني، وتكريس الوحدة الترابية، وبناء مشروع تنموي متكامل ومستدام يضمن لجميع المناطق الجنوبية الحماية القانونية والتمكين السياسي والعدالة الاقتصادية والاجتماعية.
في النهاية، تشكل هذه الرؤية المتكاملة لمركز المؤشر دعامة قوية لنجاح مشروع الحكم الذاتي، إذ تجمع بين العمق التاريخي والمجتمعي والدقة القانونية والدستورية والفعالية التنموية، والمرونة المؤسسية والاستيعاب الاجتماعي والسياسي للساكنة، مع ربطه بالمقاربة الدولية المعاصرة، ما يجعل النموذج ليس مجرد أداة لحل النزاع، بل مشروعاً تنموياً واستراتيجياً مستداماً يحقق الأمن والاستقرار والرخاء في الصحراء المغربية ويعزز

الوحدة الوطنية على كافة المستويات. ويؤكد المركز أن أي إهمال لأي بعد من هذه الأبعاد قد يضعف النموذج ويحد من شرعيته وفعاليته، ولذلك فإن اعتماد مقاربة شاملة ومتعددة الأبعاد هو الضمان الأساسي لتحويل الحكم الذاتي إلى تجربة عملية ناجحة على الأرض، قادرة على الاستمرار وتحقيق الأهداف المرجوة على المدى الطويل.