لطيفة الزيات.. الحادة كالشمس الحارقة
يقول الشيخ إمام :
“أنا الأديب ولا تعرفنيش
تقرأني لكن متشوفنيش“
تقرأني لكن متشوفنيش“
إذا ذُكرت لطيفة الزيات ذكرت الحركة النسوية في مصر، فهي ممن يرد ذكرهن في التاريخ على أنها من أهم وأشهر الكاتبات النسويات على الإطلاق، لكن -وللمفارقة- كانت لطيفة الزيات ممن يرفضن إطلاق هذه التسمية على الأدب الذي تكتبه المرأة، ولعل السر في ذلك أن التسمية أطلقت في البداية على الأدب الذي يعالج كون المرأة من الدرجة الثانية، كائنًا ضعيفًا يناضل بعجز في سبيل الحصول على اهتمام الرجل.
ربما رفضت لطيفة الزيات النسوية الأليفة لأنها كانت تسعى إلى صوت نسوي يعلو أو يفوق صوت الرجل ولا يعمل حسابًا لمراجعات مجتمع الرجال، الممسك دومًا بالعصا في توجيه النساء.
وأثناء البحث تبين لي قول صريح للدكتورة لطيفة عن موضوع الكتابة النسائية، وهو وارد في مجلة (أدب ونقد) حيث تقول:
“كان هذا موقفي الثابت والأكيد في الستينيات، تخندقت في خندق الأدب، ورفضت في إصرار أن تبوّب كتاباتي الإبداعية في باب الأدب النسائي، دأبت على القول أدب أو لا أدب، فن أو لا فن، وما من أدب رجولي وآخر نسوي، ومرّ الزمن، وكان أن نضجت وتعلمت الإقرار بالندية فيما بينهما، وأن الاختلاف لا يعني بالضرورة تفضيلًا لجانب على الآخر، ولا تميزًا فنيًا لجانب على الآخر..
الباب المفتوح اقتباسات بلا نهاية…
“تكمن عبقرية الفيلم -الذي يفترض كونه كلاسيكيًا ستينيًا- في استمرار تداول عباراته اليوم بوصفها وصايا تقدم إلى البنات الآن بعد مرور عقود على مرحلة الستينيات……قال حسين في قسوة: عارفة إنتِ محتاجة لإيه؟ محتاجة لحد يقعد يهزّك لغاية ما تفوقي. لغاية ما تدركي إن الدنيا ما انتهتش. وإن اللي حصل ده كان ضروري يحصل لأنك أنت اللي أسأتِ الاختيار“
“فيه ناس كتير من اللي بيسموا نفسهم مثقفين بيستهينوا بالأصول والتقاليد بتاعتنا، ولكن ضروري تعرفي إن الأصول دي هي اللي بتربطنا بالأرض، ومن غيرها نبقى زي الشجرة اللي من غير جذور، شوية هوا تجرفها، وتوقعها كمان“.
“لا أريد منكِ أن تفني كيانك فى كيانى ولا فى كيان أي إنسان. ولا أريد لك أن تستمدي ثقتك فى نفسك وفى الحياة مني أو من أي إنسان. أريد لك كيانك الخاص المستقل، والثقة التي تنبعث من النفس لا من الآخرين. وإذ حدث ذلك -عندما يتحقق لكِ هذا- لن يستطيع أحد أن يحطمك، لا أنا ولا أي مخلوق. فقط، تستطيعين أن تلطمي من يلطمك وتستأنفي المسير. وتستطيعين أن تربطي كيانك بكيان الآخرين، فيزدهر كيانك وينمو ويتجدد، وتحققين السعادة“
الفيلم من إنتاج عام 1963، وكتب له السيناريو هنري بركات ولطيفة الزيات ويوسف عيسى، وهو من بطولة فاتن حمامة، ومحمود مرسي، وصالح سليم.
في تلك الحقبة كانت الحركة النسوية قد بدأت بالفعل في جني ثمار نضالها الذي بدأته في أوائل القرن الماضي، وهي الحقبة التي خرجت من رحمها أفلام مثل “أنا حرة” عن رواية لإحسان عبد القدوس وبطولة لبنى عبد العزيز و”حواء على الطريق” بطولة ماجدة ورشدي أباظة.
يتعرض الفيلم لمجموعة من أنماط الرجال التي تحيط بالمرأة، فمنهم ابن خالتها، الذي ورث كل أمراض المجتمع المخادع المزيف الذي تعيش به، تحبه ثم تكتشف خيانته لها فتفقد ثقتها في نفسها التي كانت تستمدها من هذا الحب، ثم أستاذ الجامعة محمود مرسي، الذي يعاملها على أنها لعبة من صلصال، تعجبه ولكنه يعطي لنفسه الحق في تشكيل إرادتها واختياراتها وفق ما يشاء، وحسين (صالح سليم) المثقف المنفتح الذي يرى أن موطن الضعف في شخصية “ليلي” يكمن بداخلها، ويدعوها لأن تكون كيانًا مستقلًا يستمد قوته من نفسه ومن حبه لوطنه ويرفض أن يكون كائنًا معتمدًا على الآخر، أيًا كان هذا الآخر، في الحصول على الحب والرعاية.
الفيلم لفت أنظار الحركة الأدبية لفن لطيفة الزيات وعمقها الإنساني وقدرتها على قراءة المشهد بصورة تنطلق بخفة ونفاذ في ذات الوقت إلى وعي المشاهد.
كتبت رضوى عاشور عن رواية “الباب المفتوح” تقول:
“كانت رواية الباب المفتوح (1960) علامة فارقة في كتابة المرأة العربية لا لتماسك بنائها وحيوية شخصياتها فحسب، بل لأن الكاتبة أخرجت المرأة من الهامش الاجتماعي الذي زُجّت فيه في الحياة والكتابة معًا، ودفعت بها وبحكايتها إلى مركز الحدث التاريخي.
كانت الرواية العربية في مصر منذ نشأتها على يد المويلحي وتطورها على يد توفيق الحكيم ومن بعده نجيب محفوظ مسكونة بهاجس التأريخ، وكأنما مشروع الروائي مهمًا تعددت مواضيعه هو في أساسه مشروع تأريخي لحكاية الجماعة التى ينتمي إليها، وسعيها إلى التحرر والنهضة.
ولم تكن لطيفة الزيات في روايتها تربط بين تحرر المرأة وتحرر الوطن فقط ولكن أيضًا -وهذا هو الأهم- كانت تقدم نصًا أنتجته امرأة يدخل في مجرى الرواية العربية بالتعبير عن أكثر همومها إلحاحًا، ويرفد هذا المجرى برؤية للتحرر الوطني والاجتماعي مركزها امرأة“.
لعلني أستطيع أن أقول إن من أجمل من كتب عن لطيفة الزيات -وأنا أصر على أنه الأجمل وليس الأوفى- رضوى عاشور.
فقد وصفت حيرتها وتأرجحها بين الأمكنة تقول:
” في سيرتها الذاتية “حملة تفتيش: أوراق شخصية” (1992) تكتب لطيفة الزيات عن البيت القديم الذي ولدت فيه، تصفه تفصيلا: شجرة الجوافة التي لا تثمر، الحديقة التي لم تكن حديقة على الإطلاق بل مرعى للثعابين، والإضافات العشوائية للبيت التى جعلت منه “معجزة معمارية ربما حال قبحها دون إدراجها كمعجزة الدنيا الثامنة”. أما بيت سيدي بشر فهو النقيض يرتبط في وجدان الكاتبة بالخصب والجمال ففيه شجرة مشمش مثمرة، وبركة ماء تنعكس عليها أشعة الشمس نهارًا وضوء القمر في الليل“. تقول لطيفة الزيات:
“
حين أفكر في البيت بمعنى البيت، تندرج كل… المساكن (التي سكنتها) في ذهني كمجرد منازل، وتبقى حقيقة ألا بيت لي، وحقيقة أنه لم يكن لي في حياتي سوى بيتين، البيت القديم، والبيت الذي شمّعه رجال البوليس في صحراء سيدي بشر في مارس 1949.
تحوّل لطيفة الزيات هذين البيتين من موقعين جغرافيين ارتبطت بهما إلى مجاز دال لا تقتصر إحالاته على حياتها الفردية بل تتجاوزها إلى واقع تاريخي برمته“.
في رواية “أطياف” وهي السيرة الذاتية التي كتبتها رضوى عن نفسها كان هناك جزء مخصص للطيفة لا يوضح فقط مدى عمق العلاقة بين لطيفة ورضوى، بل يصور لنا صدقها وعفويتها وفهمها لسيرتها الذاتية وكيف انعكس ذلك -بطبيعة الحال- على أعمالها.
تقول عنها في “أطياف”:
“في لقاءاتي الأولى بلطيفة الزيات استوقفتني ضحكتها. كانت المرأة بضحكاتها المتلاحقة المفاجئة والعالية دائمًا تدهشني، ثم عادت لا تدهشني. ألفتها وأحببتها، أقصد لطيفة وضحكاتها معًا. كانت دائمًا تضحك، ولكنها وهي تحكي عن تجربتها في السجن، بعد خروجها وعودتي من المجر كانت تضحك أكثر.
في سيرتها الذاتية “حملة تفتيش: أوراق ذاتية” انشغلت لطيفة بالتعبير عن جدلية السجن والحرية في وجدانها وتاريخها الشخصي. و لم يكن هذا الموضوع مجرد فكرة تستكشفها لأنها تخصها وتهمها بل خيط، هكذا قالت، يجمع شوارد العمر ويربط السابق باللاحق“.
وتقول في موضع آخر:
” لطيفة، على مشارف الستين، ممتلئة، ليس بالمعنى المجازي وحده لكن بالمعنى الفعلي لجسد على قدر من البدانة، تحكي عن السجن. يعلو صوت ضحكاتها متقطعة متصلة متصاعدة، يهتز جسدها، وتدمع عيناها وهي تضحك وتضحكنا من نفسها ومن سين وصاد، من صديقاتنا اللائي قد يكن معنا جالسات يستمعن إلى ما تحكيه“
وقد احتفل “جوجل” بلطيفة الزيات في يوم 8 من أغسطس 2015 كروائية وأديبة وناقدة، وهي التي ولدت في مدينة دمياط وشغلت منصب رئيسة قسم اللغة الإنجليزية وآدابها بجامعة القاهرة خلال عام 1952، وكانت زعيمة من زعيمات الحركة الماركسية بالجامعة. توفيت لطيفة الزيات في 11 سبتمبر عام 1996.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة


























