لماذا أموت في البحر في حين ينعم غيري بحياة هادئة؟
تمّ انتشال 111 جثة على الأقلّ، وإنقاذ 198 شخصًا قبالة مدينة زوارة، على بعد 160 كم غرب طرابلس في ليبيا، بعد غرق قارب يوم الخميس على متنه نحو 300 مهاجر. ولكن، تخشى المفوضية السامية للأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين من حصيلة أكبر؛ باعتبار أنه لا يزال 200 شخص مفقودين بعد غرق القارب البدائي، وغرق قارب آخر في النطاق نفسه قبالة السواحل الليبية. ووفقًا للمسؤول عن هذه العملية في الهلال الأحمر الليبي، صديق سعيد، أشار ناجون لفرق الإنقاذ إلى أنّ القارب الّذي تم إنقاذه صباح الخميس قبالة ساحل زوارة كان يقل 400 شخص في حين أن القارب الصغير الآخر كان يحمل على متنه نحو 60 شخصًا.
من بين الناجين، يظهر شاب باكستاني يبلغ من العمر 17 عامًا اسمه شيفاز حمزة، أمضى 9 ساعات متعلّقًا بخشبة قبل أن يتمّ إنقاذه، في حين لقيت أمّه وأخته الصغيرة حتفهما أمام عينيه.
صرّح شيفاز حمزة لوكالة فرانس براس عندما كان جالسًا على الأرض بجانب أخيه في مركز شرطة في زوارة: “غادرنا في حدود الساعة الواحدة والنصف صباح الخميس على متن قارب من الخشب. كان عددنا يقارب 350، من بيننا أبي وأمي وأختي الصغرى (11 عامًا) وأختي الكبرى (27 عامًا) وأخي (16 عامًا). بعد ساعة ونصف من مغادرتنا، بدأ القارب في الاهتزاز قبل أن يمتلئ بالماء؛ لنجد أنفسنا غارقين. غرق المركب تمامًا وتعلّقت أنا وأمي بقطعة خشب، وتمكّنت من رؤية أخي وأختي الصغرى على مقربة مني“.
يتابع شيفاز روايته: “رأيت أخي يبعد رجلًا بالقوّة بعد أنّ حاول أن يأخذ منه عنوة سترة الإنقاذ، أمّا أختي الصغرى فآخر مرّة لمحتها كان هناك شخص يحاول مسكها من كتفيها دافعة إيّاه إلى الأسفل قبل أن تختفي تحت الماء“.
“توفت بين أحضاني”
“أمضيت أنا وأمي 9 ساعات في الماء متعلّقين بقطعة خشب. لم أتوقف عن إخبارها بأنّ الأمور ستسير على ما يرام، لكنها لم تستطع الصمود أكثر وغرقت قبل ربع ساعة من قدوم فرق الإنقاذ. لقد توفت بين أحضاني. ثمّ طلبت من المنقذ أنّ يسمح لي بأخذ جثتها معي ولكنّه رفض. أمّي ماتت وأختي الصغرى كذلك“. علم شيفاز بعد ذلك أنّ والده وأخته الكبرى تمت نجاتهما.
سامي، ناج آخر عند زوارة؛ إذ وصل هذا السوري البالغ من العمر 25 عامًا وأصيل محافظة اللاذقية قبل أربعة أشهر إلى ليبيا عن طريق الجزائر، حيث عمل لمدّة سنتين. يروي هذا الشاب بأسى: “توفى 3 من أصدقائي على مرأى مني. لم أر أفراد عائلتي منذ 3 سنوات، منذ أن لجؤوا إلى هولندا. ركبت البحر على أمل اللقاء بهم مجدّدًا بعد أن رفض طلب لمّ الشمل الّذي تقدّمت به إلى السفارة. لقد هربت من الموت في بلادي لألتحق بالموت في البحر“.
ثمّ انفجر باكيًا: “لماذا أموت في البحر في حين ينعم غيري بحياة هادئة في دياره؟“.
عمليات إنقاذ فقيرة
بسبب نقص البواخر الحربية -الّتي دمّرت جميعها تقريبًا منذ سقوط نظام القذافي في 2011- اقتصرت السلطات الليبية على البحث عن الناجين بقوارب صيد صغيرة أو بقوارب هوائية، في حين يبحث فريق الهلال الأحمر عن الأجساد الملقاة على شاطئ زوارة؛ حيث تظهر أحذية وملابس وقوراير بلاستيكية رماها البحر، وفقًا لصحفي وكالة فرانس براس.
صرّح إبراهيم العطوشي -أحد المنقذين في زوارة- لوكالة رويترز: “ينقصنا كلّ شيء، لدينا فقط سيّارة إسعاف“؛ إذ تمّ تجميد جميع أشكال المساعدات والتعاون مع الاتّحاد الأوروبي مع ليبيا في 2014، منذ مقاطعة الحكومة المزعومة الّتي تسيطر على غرب البلاد؛ وبالتالي نقلت الأشخاص الّذين تمّ إنقاذهم إلى مراكز اعتقال للمهاجرين غير الشرعيين، حيث يعيشون في ظروف مأساوية، وفقًا لمنظمات حقوق الإنسان.
أكثر من 2500 ألف حالة وفاة في المتوسط في عام 2015
كم شخصًا ينوي اللحاق بأوروبا ويموت على عتباتها؟ كم شخصًا ينجو؟ يشير صديق سعيد إلى أنّه “من الصعب الحصول على أرقام دقيقة، بما في ذلك الأرقام المتعلّقة بحالات الوفاة“، مضيفًا: “نقوم بعمليّات مماثلة كلّ أسبوع ويموت عشرات الأشخاص في عرض هذا البحر كلّ أسبوع“.
أشار أحد الناجين يوم الجمعة إلى أنّه دفع -وكذلك صديقاه- 1600 دولار لركوب المركب الّذي غرق يوم الخميس، في حين تؤكّد شهادات حيّة أخرى على تعرّض اللاجئين الساعين إلى الالتحاق بأوروبا إلى الضرب والتعذيب من أجل إجبارهم على دفع المزيد من المال. وقد تظاهر نحو مئة مواطن من زوارة في وسط المدينة مطالبين السلطات بوضع حدّ لتهريب البشر.
وفقًا لآخر إحصاء أجرته المفوضية السامية للأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين، عبر أكثر من 300 ألف مهاجر البحر الأبيض المتوسّط منذ يناير، ولقي أكثر من 2500 حتفهم في عرض البحر عند سعيهم للوصول إلى أوروبا.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة























