الأرشيف العمومي والأمن الوطني .. جسر الشراكة المعلق…للكاتب الصحفي ذ/ عزيز لعويسي
بقلم: عزيز لعويسي
سبق أن أثرنا في أكثر من مقال رأي، موضوع الشراكة والتعاون بين مؤسسة أرشيف المغرب والمديرية العامة للأمن الوطني، وكان الهدف، تقديم مبادرة مواطنة، إلى صانعي القرار الأرشيفي والأمني، دافعة في اتجاه مد جسر التعاون والشراكة بين المؤسستين، بما يخدم المسألة الأرشيفية الوطنية، في أبعادها المؤسساتية والتدبيرية والأمنية والضبطية والتواصلية والإشعاعية، لكن ظل الجسر “معلقا”، لأسباب ودواعي يصعب التكهن بها في غياب المعلومة اللازمة، لكنها، حسب تقديرنا، لا تخرج عن نطاق محدودية حلقات التواصل والإرادة والمبادرة والاقناع والاقتناع…
والعودة اليوم إلى ذات الموضوع، كان دافعه حدث التوقيع قبل أيام، بمقر المديرية العامة للأمن الوطني بالرباط، على اتفاقية شراكة وتعاون بين مؤسسة الأمن الوطني، في شخص المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني السيد عبداللطيف حموشي، والمؤسسة الوطنية للمتاحف في شخص رئيسها السيد مهدي القطبي، تروم، وفق بلاغ مشترك، “إرساء تعاون مؤسساتي مشترك بين مصالح الأمن الوطني والمؤسسة الوطنية للمتاحف، مهمته حماية الموروث الثقافي والمتحفي الوطني، من خلال تعزيز التعاون والتنسيق الثنائي في مجال الرصد، والوقاية، ومكافحة مختلف الجرائم الماسة بالموروث الثقافي الوطني، مع إيلاء أهمية قصوى للتصدي لجرائم تزييف الأعمال الأثرية والفنية والاتجار غير المشروع فيها”.
إلى جانب أهداف أخــرى متعددة الزوايا، دافعة في اتجاه “ضمان الأمن المادي للمؤسسات والمتاحف الوطنية”، و”توفير التغطية والمواكبة الأمنية اللازمة لتأمين عمليات نقل الآثار والأملاك الأثرية، بما يضمن سلامتها وحمايتها وتأمينها من جميع الأخطار والتهديدات المحتملة”، فضــلا عن “الاتفاق على مستوى بناء القدرات والتكوين المستمر في هذا المجال التقني والتخصصي الدقيق”، و” تبادل الخبرات والتجارب بين الجانبين في مجال التعامل مع الأعمال الفنية والأثرية ذات القيمة التاريخية، ورصد الأساليب الإجرامية المعتمدة في تزييفها وتهريبها والاتجار غير المشروع فيها”...
وفي هذا الإطار، وبقدر ما نثمن هذه الشراكة الاستراتيجية الداعمة للمسألة التراثية الوطنية، ونحيي الجهات التي آمنت بالمشروع وتبنته وحولته إلى واقــــع، وننــوه بسياسة الانفتاح التي تنهجها مؤسسة الأمن الوطني، خدمة لأهداف شرطة القرب والشرطة المواطنة، ومقاصد الانخراط المؤسساتي في صلب القضايا المجتمعية والوطنية، وبانخراطها المسؤول، في تأمين الآثار والأملاك الأثرية وحمايتها من جميع المخاطر والتهديدات المحتملة، في سياقات داخلية وخارجية، يواجه فيها التراث الوطني عدة تحديات ومخاطر، بقــدر ما نرى حسب تقديرنا، أن حلقات هذه الشراكة المواطنة، لن تكتمل دون مـد وعائها، ليشمل مؤسسة أرشيف المغرب، للاعتبارات التالية:
– أولا: الوضع الاعتباري لمؤسسة أرشيف، باعتبارها واحدة من المؤسسات العمومية ذات الطابــع الاستراتيجي، لما تضطلع بــه، من أدوار وطنية متعددة الزوايا، تتقاطع فيها مفردات التراث والتاريخ والذاكرة الجمعية والهوية، والسيادة والحداثة والحكامة الرشيدة والتخطيط والتدبير والتقييم والمسؤولية والمحاسبة وغيرها.
-ثانيا: سلطة المؤسسة على الأرشيف العامة التي تنتج داخل مختلف إدارات الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية…، وأدوارها ومهامها المتعددة المستويات ذات الصلة بصـــون التراث الأرشيفي الوطني، من قبيل تقديم الخبرة الأرشيفية الدافعة في اتجاه النهوض بواقع الممارسة الأرشيفية على المستوى الوطني، و مراقبة وتتبـــع برامج إتــلاف الأرشيف، وجمع وحفظ الأرشيف وتثمينه ونشر ثقافتــه وإتاحته للعموم وفق الضوابط القانونية، في إطار الحق في المعلومة، فضلا عن التثبت من مدى التقيد بمقتضيات القانون المنظم للأرشيف ومرسومه التطبيقي، والتدخل كشرطة أرشيف، في الحالات التي تكون فيها الوثيقــة الأرشيفية محل اعتداء، أو موضوع تهديدات ومخاطر محتملة.
-ثالثا: الأرشيف لم يعد فقط، مجرد عملية تقنية يتقاطع فيها الجمع والحفظ والتدبير والإتاحة والتثمين…، أو ممارسة موثقة للنشاط الإداري …، بل تحــول اليوم، إلى “سلاح استراتيجي في الحسابات الجيوسياسية الدولية”، كآلية لحماية الخصوصيات الهوياتية، وترسيــخ مقومات السيادة وصونها، ورصيد معرفي، دافـــع في اتجاه بلورة استراتيجيات تدبيـــر شؤون الدولة، وضمان فعالية تنزيل وإنجـــــاز برامجها الاقتصادية والاجتماعية، ومساهم حقيقي في تكريس ما تتطلع إليه الدولة من حداثـــة، من خلال تقييم السياسات العمومية وتخليق الحياة العامة، وقيــــاس مؤشرات الأداء السياسي والإداري، وربط المسؤوليــــة بالمحاسبة، ومنطلقا لصياغة الاختيارات والتوجهات المستقبلية…
-رابعا: حاجة المديرية العامة للأمن الوطني ومختلف مصالحها الخارجية، إلى “الخبرة الأرشيفية” التي تقدمها “أرشيف المغرب” لفائدة إدارات ومؤسسات الدولة والجماعات الترابيــة، من أجل كسب أهداف تجويد الممارسة الأرشيفية في المرفق الأمني، ومقاصد التنظيم الجيد للمعلومة، التي تعد عماد عمل الأجهزة الأمنية، وحاجة المؤسسة الأرشيفية لخدمات وخبرة الأمن الوطني، بما يقوي قدراتها، في الجوانب المرتبطة بالرقابة والوقاية والحماية والضبط، ويساهم في بلــورة بعض المشاريع الإصلاحية الأرشيفية، ومنها “شرطة الأرشيف”.
-خامسا: ضرورات انفتاح ضباط الشرطة القضائية على حقل الأرشيف والمخالفات الماسة به، والمخاطر والاعتداءات المحتملة التي قد تطاله، في ظل الثورة الرقمية، سيما في مجال الذكـــاء الاصطناعي، وتعدد استعمالات الوثيقة الأرشيفية في الفضاء الرقمي، مما وســع ويوســع من دائرة المخاطر المحتملة المهددة للتراث الأرشيفي الوطني، والتي تفــرض الرهان على آليـــات الرقابة والتتبـع والضبط والزجر والعقاب، وأرشيف المغرب وحدها، يصعب عليها كسب الرهانات المذكــــورة، دون انخراط حقيقي وفعلي للأمن الوطني وللضابطة القضائية بشكل خاص، في خدمة المسألة الأرشيفية الوطنية، في أبعادها القانونية والضبطية والقضائية.
-سادسا: غنى وثراء الرصيد التراثي الأمني، لما يزخــر به من وثائق وصور تاريخية ولبــــاس ومعدات ووسائل شرطية، والذي راكمته المديرية العامة للأمن الوطني منذ تأسيسها في فجر الاستقلال على يد الملك الراحل محمد الخامس طيب الله ثــراه، وهذا الرصيد النوعي، يعد جــزءا لا يتجزأ من الذاكرة الجمعية الوطنية، وجب حفظه وتدبيــره وتثمينه وإتاحته، وفق مقتضيات القانون المنظم للأرشيف ومرسومه التطبيقي، وهذا المسعى، يفرض انفتاحا مسؤولا لمصالح الأمن الوطني، على “أرشيف المغرب” كسلطة وصية على الأرشيف العمومي.
اعتبارات من ضمن أخــرى، ليس القصد منها، تقديم مرافعة حول تقاطعات “الأمن” و”الأرشيف”، أو رصد ما يكتسيه الأرشيف العمومي من أهمية تراثية وحداثية واستراتيجيـــة لا تحتاج إلى مرافعة أو تفسير أو تبريــــر، أو استعراض حزمة من المصوغات التي تبــرر مبـــادرة الشراكة المحتملة بين مؤسسة الأمن الوطني والجهــاز الوصي على الأرشيف العمومي، ولكـــن، نتطلـــع من خلالها، إلى تجديد رفــع مبادرة الشراكة والتعاون إلى صانعي القرار الأمني والأرشيفي، على غــرار اتفاقية الشراكة الموقعة بين مديرية الأمن ومؤسسة متاحـــف المغرب، اقتناعا منا، في أن مشــروع الشراكة بين “الأمن” و”الأرشيف”، من شأنه دعم ما تتطلع إليـــه “أرشيف المغرب” من إصلاح وتحديث، وخدمــة المسألة التراثية الأرشيفية الوطنية في بعدها الأمني والقانوني والقضائي، وتعزيز قدرات الأمن الوطني سيما ضباط الشرطة القضائية في مجــــــال محاربة الجرائم الماسة بالأرشيــف، والنهوض بواقع الممارسة الأرشيفية على صعيد المديرية العامة للأمن الوطني ومصالحها الخارجية، ونشر لثقافة الأرشيف في المرفق الأمني، وقبل هذا وذاك، خدمة ما تتطلع إليه المؤسستين من تواصل وإشعـــــاع…
على أمل أن تجد المبادرة هذه المرة، من يحتضنها ويؤمن بجدواهـا ونجاعتهـا، ويسعـــى إلى تحويلها إلى واقـــع ملمـــوس، ونؤكد في خاتمة المقــال، أن أي تحــرك لا من جانب مصالح الأمن الوطني، ولا من جانب أرشيــف المغرب، من أجل مـد جسر الشراكة “المعلق” بين الأمن الوطني والأرشيف العمومي، يتجاوز حدود الرغبـة المشتركة في توثيق صلات التعاون والتشارك بين المؤسسات الوطنية، ويرتقـــي إلى مستوى المبادرة المواطنة، الدافعة في اتجاه خدمـة الوطن، وتمكينه من شــروط النهوض والصعود والسيادة والإشعـــاع …فمن يفك القيد عن جسر الشراكة “المعلق
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة





















