“شيـراتون” فاتـــح ماي …للكاتب الصحفي عزيز لعويسي
بقلم: عزيز لعويسي
خرجت النقابات المركزية في محطة 17 أبريل، بما يشبه “خفي حنين” على بعد أيام قليلة من عيد العمال العالمي، في حوار اجتماعي مركزي، كان من المفروض، أن يتوج بالإعلان المشترك عن مكاسب للشغيلة، وعلى رأسها الرفع من الأجور، وتخفيف الأعباء الضريبية، في سياق اجتماعي صعب وشاق، موسوم بحمى الأسعار وارتفاع تكاليف العيش، ومطبوع بزيادات صاروخية في أثمنة المحروقات، ألهبت جيوب المواطنين، وأشعلت الأسعار، وقوت مشاعر الرفض والسخط، وزادت طين السخط الاجتماعي بلة، في وقت اكتفت فيه الحكومة بتجاوز حاجز نبض الشارع الاجتماعي، والمضي قدما، في اتجاه الإجهاز على حقوق الشغيلة، وضرب قدرتها الشرائية والمساس العمدي بمستقبلها المهني، عبــر ما قد تفرضه من وصفة “ملعونة” في ملف إصلاح التقاعد قبل نهاية الزمن الحكومي، ما لم تحتكم لفضيلة الحوار والتشارك مع الفرقاء الاجتماعيين، وما لم تقـدر الآثـار المادية والمعنوية، لأي إصلاح لا يراعي الحقوق والمكتسبات، على السلم والتماسك الاجتماعيين، في سياق داخلي وخارجي، يفرض توحيد الصف، والتعبئة الشاملة، لمواجهة ما هو منتظر من الرهانات والتحديات الآنية والمستقبلية؛
بين النقابات المركزية، التي غادرت طاولة الحوار الاجتماعي كالملاكم الساقط على حلبة التبـاري بالكــاو، بعدما عجزت عن تقديم بشرى لعموم الشغيلة قبل عيدها العالمي، والحكومة، التي اكتفت بتكـرار مخرجات اجتماعية سابقة، في صورة، توحي أنها دخلت فيما يشبه “استراحة المحارب”، أو ما يشبه مرحلة “المينوبوز السياسي”، التي تجعلها ليس فقط غير متحمسة، بل ولم تعد لها الإرادة المطلوبة، للتعاطي الإيجابي مع المطالب الاجتماعية التي رفعتها النقابات ومن ورائها عموم الشغيلة، ما عدا تصفية الملفات المتبقية، وعلى رأسها ملف التقاعد؛
وفي هذا الإطار، إذا كانت النقابات، تبرر مطالبها المشروعة، بما تمر منه الشغيلة وعموم المغاربة من سياق اجتماعي شاق، يفرض رفعا مستعجلا للأجور حفظا للقدرة الشرائية من انهيار وشيك، وإذا كانت الحكومة ترفع “فيتو” التوازنات المالية والماكرواقتصادية، والسياق الاقتصادي الصعب، الناتج تداعيات حرب الشرق الأوسط، التي وضعت الاقتصاد العالمي على المحك، فهناك حقيقة ثابتة، يصعب على الحكومة تجازها أو إنكارها، أن الأزمة الاجتماعية باتت عميقة، والقدرة الشرائية للمواطنين، بلغت مستويات مقلقة من التدهور والتقهقر، أمام لهب “شعالة” الأسعار، التي تفوقت بكثير على “شعالة” عاشوراء؛
والمطلوب اليوم، من الحكومة التي تستعد لوضع “السوارت” على الطاولة، أن تتحمل مسؤوليتها ليس فقط السياسية أمام الشغيلة وعموم المواطنين، بل ومسؤوليتها الوطنية، التي تفــرض عليها تملك قيمة الحوار والإنصات والتشارك المثمر والفعال، في علاقتها مع الشركاء الاجتماعيين، بعيدا عن منطق التحكم، وبمعزل عن أي سلوك سياسي جانح نحو فرض لغة الأمر الواقع، وتقتضي حماية “بيضة” السلم الاجتماعي في زمن الغلاء، وتفادي أي شكل من أشكال التصرف، الذي من شأنه المساس بحقوق ومكتسبات الشغيلة في ملف التقاعد، وقبل هذ وذاك، أن تتحرك في إطار الحوار الاجتماعي، بالشكل الذي يدفع في اتجاه، الإعلان المشترك عن اتفاق اجتماعي، يحفظ ماء الوجه، ليكون فاتح ماي، فاتح أمل وخير وبشرى، لشغيلة بلغت من الصبر عثيا، ولم تعد تستحمل واقع الانتظار، ولا لغة التنويم المغناطيسي، بل وفقدت الأمل، في حوارات اجتماعية هتشكوكية، لم تحمل حتى اللحظة، إلا الإحساس الفردي والجماعي باليأس وخيبة الأمل وانسداد الأفق؛
أما “المركزيات النقابية ” التي دخلت في مرحلة تسخين “البنادر” و”التعارج” ، وإشهار خناجر “الوعد والوعيد” استعدادا لعيد الشغل العالمي، فلابد أن تتحمل مسؤولياتها النضالية في هذا السياق الاجتماعي المقلق، دفاعا عن حقوق الشغيلة ومصالحها الفضلى، في سياق اجتماعي شاق، ولم يعد ممكنا، أن تستمر في الرقص على “أحيدوس” التشرذم والتفرقة والشتات، في معركة نضالية حامية الوطيس، تفرض تملك فضائل الوحدة والتعبئة والثبات على المواقف ونكران الذات، يعد ملف التقاعد، إحدى جبهاتها الساخنة … وإذا كان اليوم، من عزاء، بالنسبة للنقابات وعموم الشغيلة، فسيكون في “الشيراتون” .. شيراتون فاتح مـــاي .. أمام مرأى ومسمع حكومة، تغرد منتشية، خارج الزمن الاجتماعي، على بعد أمثار من نهاية مشوار الألف ميل … ، وفي المجمل، فما حدث في الحوار الاجتماعي، وما قد يحدث في ملف التقاعد، سيرخي بكل ضلاله على استحقاقات شتنبر المقبل، التي بدون شك، ستقرع فيها طبول العقاب بقوة، أكثر من أي وقت مضى …
أمام الشغيلة التي تكتفي بلعب دور الكومبارس، أو الاكتفاء بالشكوى والبكاء والعويل، فهي ملزمة بالخروج من المنطقة الرمادية، والتحرك لرسم خارطة طريق جديدة
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة






















