التقاعد النسبي بين المساطر القانونية وواقع الإستثناءات …من يحاسب من؟
بواسطة العربي البقالي
في ظرف استثنائي وغير مسبوق، عاشت جهة بني ملال-خنيفرة حالة فراغ إداري على رأس الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، إثر اختفاء مفاجئ لمديرها دون سابق إنذار، أو بلاغ رسمي يوضح خلفيات الغياب أو الإجراءات المعتمدة لتأمين الاستمرارية. وقد فتح هذا الغموض شهية التأويلات، وخلق جدلا واسعا داخل الأوساط التربوية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وصل حد تداول أخبار عن تعيينه بمركز تكوين المفتشين.
الغريب في الأمر، أن وزارة التربية الوطنية لم تسارع إلى التوضيح، بل التزمت الصمت في مرحلة حرجة، إلى أن خرجت ببلاغ مقتضب تكذب فيه الإشاعات ، دون أن تخبر الرأي العام بالحقيقة الكاملة، أو تضع حدا للتساؤلات المطروحة. لكن المفاجأة الكبرى، التي أثارت الاستغراب، تمثلت في بلاغ لاحق يفيد بأن المعني بالأمر قد تقدم بطلب للإحالة على التقاعد النسبي لدى السيد الوزير شخصيا!
وهنا تطرح تساؤلات مشروعة:
– منذ متى أصبح التقاعد النسبي يطلب مباشرة من الوزير، خارج المساطر القانونية والمذكرات التنظيمية المحددة بآجال وشروط دقيقة؟
– وهل يملك الموظف العادي نفس “الحق” في مخاطبة الوزير دون المرور عبر السلم الإداري وقبل صدور المذكرة المنظمة ؟
– ولماذا يستثنى بعض المسؤولين من إلزامية احترام المساطر الإدارية التي تفرض على الآلاف من الموظفين الآخرين؟
إذا كنا فعلاً في دولة مؤسسات، تحكمها الشفافية وتُؤطرها مبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة، فالأولى أن لا تتحول الحقوق إلى امتيازات، والمساطر إلى ديكور يُطبق فقط على “الموظفين الصغار”.
وإن كانت وراء هذا التقاعد المفاجئ ملفات أو شبهات كما يروج، فإن الحق في التقاعد لا يجب أن يتحول إلى مخرج لتفادي المساءلة، بل يجب أن يكون تتويجا لمسار مهني واضح ونظيف. أما تحويله إلى باب خلفي للهروب من المسؤولية، فهو ضرب لمبدأ العدالة الإدارية ومصداقية المؤسسات.
لقد تعب المواطن من المفاجآت. فالمسؤول يختفي فجأة، ويطلب تقاعدا فجأة، وتصدر البلاغات فجأة، والمطلوب من الناس أن تصدق، كأن العقل الجماعي في عطلة.
إن ما حدث ليس مجرد غياب مسؤول، بل هو مؤشر على خلل عميق في منطق التدبير والتواصل والحكامة، والمسؤولية اليوم ليست فقط في الكشف عن حيثيات الملف، بل في تصحيح المسار، وإعادة الاعتبار لقواعد القانون، حتى لا يصبح الاستثناء هو القاعدة، ويتحول الخضوع للمساطر إلى عبء على صغار الموظفين فقط، بينما تفتح نوافذ خلفية للمسؤولين كلما اشتدت الضغوط أو ظهرت الشبهات.
إن بناء دولة الحق والمؤسسات لا يكون بالبلاغات المفاجئة أو الصيغ الفضفاضة، بل بإعمال القانون على الجميع دون تمييز، وبترسيخ ثقافة الشفافية والمساءلة في كل المستويات، خاصة داخل القطاعات الحيوية كالتربية الوطنية، حيث يفترض أن تكون الإدارة نموذجا في الانضباط والوضوح.
الوزارة اليوم أمام امتحان حقيقي: إما أن تؤكد التزامها الفعلي بمبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، أو تترك الانطباع بأن منطق الهروب المنظم. يمكن أن يعوض المحاسبة ويجهز على ما تبقى من ثقة الشغيلة التعليمية والمجتمع في الإدارة
فهل ستختار الوزارة طريق الصراحة وربط الوقائع بالسياق القانوني؟
أم ستستمر في إدارة الملفات بأسلوب التجاهل والتعتيم الذي لا يخدم لا الإصلاح ولا هيبة المؤسسات؟
الجواب ليس في بلاغات اللحظة، بل في طريقة التدبير، ومتى كان القانون هو الفيصل، لا درجة المسؤول.
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة





















