رواية “صمت القبور” يكتبها لمنار اليوم في حلقات الكاتب الروائي والناقد سعيد فرحاوي..”الجزء الأول”
رواية في اجزاء؛ ارغب ان اشارككم جنونها. اخترت لها كعنوان:
صمت القبور.
ج1.
بقلم ..سعيد فرحاوي
حكاية تأجيل الموت بصيغ يراها الانسان طريقة مناسبة للتواصل مع كل من عارض رؤاه او خالف حمقه وجنونه ؛ بها يمكنه ان يعبر عن ساديته ليستمر وحده الحاكم والناهي؛ اما الآخرون مجرد عبيد او قطيع يتصرفون بإرادته .
في مكان مظلم؛ خال من كل مواصفات الحياة؛ وشروط تسمح لانسان بسيط ان يستمر بإمكانيات محددة ؛ بها يمكنه ان يشم رائحة الأمل في مستقبل قادم وبرجاء ضئيل ومرتقب؛ فيها يمكن ان يعيش اي انسان في وضع قائم على القهر والظلم؛ ليتحول إلى أقل من حيوان؛ كما يمكن ان يترجى ان يكون او يترقب ان يرى بصيصا من بوادر العيش الممكن.
هنا؛ حيث اللا حياة؛ وضعونا في بيوت صغيرة مستقلة؛ لا تتعدى امتارا قليلة؛ لا نرى بعضنا البعض إلا من خلال الأصوات المتكاثرة والمبحوحة ؛ هنا كنا نعتقد ان صوت كل واحد منا يمثل شكل وهندسة صاحبه؛ الصوت الغليظ يمثل شخصا ضخما او غليظا؛ اما النحيف ؛ فطبيعي جدا ان يكون صاحبه نحيفا بالضرورة؛ مجرد اشباح نتمثل ونتخيل بعضنا البعض بكل الصيغ؛ التي ساهم في ارتباكها وضعنا وحالنا المرتبك والمزعج. لم نرى بعضنا البعض مدة تتعدى ثمانية عشر سنة في سجن رهيب وغريب. كنا نحن التسعة والعشرون في كل لحظة ننتظر رصاصة الرحمة لعلها تكون الخلاص ؛ لكنهم شاؤوا ان نموت ببطئ؛ في غياب ادنى أساليب الانسانية؛ كل واحد منا منعزل في زنزانة منفردة بلا إنارة ولا ضوء خفيف؛نشم رائحة الحياة من ثقب صغيرة لا تتجاوز عددا قليلا ؛ محصورة في احجام تابثة وراسخة؛ وكأنها عدت في مساحات مدروسة لا تتحاوز نسبة الفرص التي فرضت ان نحياها في زمن مشروط مسبقا. اما الامكنة فهي مجرد قبور صغيرة مغلقة؛ الفرق بين المكان؛ الذي سجننا فيه والقبر الذي ندفن فيه؛ هو ان الاول موجود فوق الأرض والثاني تحتها. ونحن بين الوصفين مجرد جثث فرض عليها ان تتحرك حسب الرغبات المريضة ؛ التي شاءها الحاكم ان تتحرك بفلسفة بشرية لا يعلم عمقها سوى هو وحده وحاشيته التي جعلها كائنات لا تفكر ولا تحس؛ ما يهمها هو الرضى؛ طبعا وسينتجه هذا الرضا من مكاسب وغنائم؛ على حساب صناعة الموت المرسومة في لوحة ادمية يعيشها الانسان البشري في قناع زينوه بمواصفات مختلفة:على الشاشة اقنعونا بالنعيم القادم.. وفي القبور التي نعيش فيها نرى هذا النعيم عذابا وجحيما ؛ في جلباب حقيقي ؛ مصدره العمق الحقيقي للانسان الحقيقي؛ الذي ضحى المواطنون الفدائيون الغيورون بعودته من المنفى؛ بعد حلم كبير اسمه اسقلال الوطن.
طبعا لم أجد سوى أشباحي لأصنع منها كائنات أشاطرها هذه الأحوال القدرة التي وضعونا فيها. شبحي الغابر في عمقي يعرفني جيدا؛ كما اعرفه أكثر مما يعرف نفسه. اتفقنا معا في عدة اختيارات؛ وهو غالبا ما يجعلني قريبا من الواقع؛ أما أنا أخرجه من الزمن الحاضر فأجعله طرفا من ذاكرة لا تريد أن تنتهي او تنقرض. فبقي الزمن معلقا بيننا؛ بين صيغتين مختلفتين؛ وغالبا ما يكونا معا متعانقتين:
الذاكرة ماضي مر وانتهى؛ بشكل تام ومحدد.
اما حاضر يسير رويدا رويدا لا أحد منا يريد او يخرج منه؛ لانه أصبح من الحتميات التي فرضت علينا؛ بحسبان خارج كل تفكيرنا؛ كنا نتحرك ما بين الزمنين المذكوريين بمنطق فرض علينا أن نتقبله؛ شئنا أم أبينا؛ فأصبح الحمق والجنون حالة مؤجلة في أقدار مجهولة وغابرة…يتبع
منار اليوم – جريدة شاملة مستقلة





















