بقلم مصطفى فاكر الشماعية
ما وقع داخل مجلس النواب بحر الأسبوع الفائت أثناء مناقشة مدونة الإنتخابات لسنة 2026 لم يكن مجرد نقاش تشريعي بسيط ،بل كان عرضا مكثفا لميزان قوى معتل،تمسك به أم الوزارات-وزارة الداخلية- بمقود العملية السياسية وتتحكم فيه بقوة دون مجاملة أو لباقة لفئة معينة.وزير الداخلية لم يتوانى ولم يتردد في إطلاق عبارته القوية”التعديل غير مقبول”يرددها ببرودة دم وبلا انفعال و كأن النصوص القانونية مجرد لوحة تلميذ تحتاج إلى ممسحة.
الأغرب من هذا هو أن الرجل الفولاذي لم يقدم تفسيرا أو تبريرا يبرر مقولته ،وفي هذا تأويل واحد وتفسير واحد هو أن وجود المستشارين البرلمانيين وجود شكلي،و أن القرار حسم فيه قبل دخوله قبة البرلمان،وهي رسالة واضحة بأن وزارة الداخلية ترسم معالم الانتخابات المقبلة وفق ما تراه مناسبا وصالحا لتصوراتها و تطلعاتها وهذا التصور لا يقبل مقارعة و لا منازعة.
في مقابل هذه القوة الفولاذبة لوزارة الداخلية و تحكمها في الهندسة السياسية ظهرت المعارضة ضعيفة لا حول لها و لاقوة كالجندي الذي يقف أعزلا في ساحة الوغى في حرب غير متكافئة.فكل تعديل تقدمه يسقط بضربة واحدة،وكل مداخلة تبتلع داخل آلة تنفيذية تعرف ماذا تريد ولا يهمها كثيرا من هو مع أو ضد أو ممتنع.
أما الاغلبية فهي جسد بلا روح مجرد كثلة صوتية مكسورة الجناح مبحوحة الصوت مجرد ببغاوات تردد ما يقوله الوزراء دون أن تمتلك القوة على التحليل أو الفهم أو أن تكون لها الجرأة على الإعتراض.أغلبية تماهت كليا مع الحكومة حتى انصهرت وفقدت هويتها وتحولت من سلطة تشريعية إلى ملحقة للوزارة.
ما وقع داخل مجلس النواب يعكس بالملموس جوهر الأزمة السياسية و الدستورية في المغرب و أن لا رأي فوق رأيها و لا سلطة فوق سلطتها وأن إرادة المنتخبين شيء و إرادة أم الوزارات شيء آخر.
سلطة تنفيذية تتصرف كمرجعية مطلقة و أنها فوق الرقابة و المساءلة و أغلبية برلمانية لا تمتلك الجرأة و ليس لها القدرة على تنفيذ القرار السياسي ،بل تكتفي بتطبيق و تنزيل ما تقوله و تريده السيدة الحكومة أمام معارضة محدودة الأدوات و الوسائل.
في الأنظمة ااديمقراطية ،التشريع يصنع داخل قبة البرلمان أما في المغرب فالبرلمان يتحول إلى غرفة نوم يمر فيها ما تريده السلطة التنفيذية وخاصة أم الوزارات باعتبارها الفاعل الأكثر قوة في هندسة العملية السياسية.
ما حدث ليس مجرد رفض التعديلات إنه إعلان صريح عن أن الانتخابات المقبلة دخلت بالفعل مرحلة التصميم المسبق وأن دور البرلمان-معارضة و أغلبية- يتقلص لصالح رؤية أمنية سياسية تريد التحكم الكامل في المسار،ولعل السؤال الذي يفرض نفسه : هل مازالت لدينا سلطة تشريعية قادرة على ممارسة وظيفتها؟أم أننا أمام زمن سياسي جديد تدار فيه السياسة من فوق وتترك للنواب وظيفة التصفيق أو الصمت؟؟؟