أخر الأخبار
الرئيسية » اخبار » ملحمة أسود الأطلس .. بصمة مغاربة العــالم

ملحمة أسود الأطلس .. بصمة مغاربة العــالم

 

– بقلم:عزيز لعويسي

على الرغم من الإقرار أن ما حققه أسود الأطلس في ملاعب قطر من ملحمة مونديالية، كان نتاج عمل جماعي مغربي خالص، لابد من الاعتراف في ذات الآن، أن  هذه الملحمة الكروية غير المسبوقة في تاريخ كــرة القدم المغربية والعربية والإفريقية، تبقى حاملة لبصمة مغاربة العالم، لما يزخــر به عرين الأسود من  لاعبين مميزين من مغاربة العالم، يمارسـون في أقـوى البطولات الأوربية، من أمثال حكيم زياش وأشرف حكيمي وسفيان امرابط وسفيان بوفال، ونصير مزراوي وسليم أملاح، وعبدالصمد الزلزولي وعبدالحميد الصابيري  وزكرياء بوخلال والقائمة طويلة، دون إغفال الناخب الوطني وليد الركراكي “مايسترو” ملحمة قطر.

 

وهؤلاء الأسود وغيرهم، الذين يشكلون قوة ودعامة المنتخب الوطني المغربي، كــان بإمكانهم اختيار الانضمام إلى منتخبات بلدان المهجر، لكنهم اختاروا الدفاع  عن ألـوان الوطن الأم، في رسالة مفتوحة لاتحتاج  إلى تفسير أو تأويـل، مفادها أن  مغاربة العالم، تجــري في  أوعيتهم،  دمـاء “تامغرابيت”، رغم ما يواجهونه من صعوبات وإكراهات في بلدان المهجر، وأن الأسر المغربية المهاجرة، تبلي البــلاء الحسن رغم أوجاع الاغتراب، في سبيل تربية أبنائها وتمكينهم من  القيم الدينية والوطنية، التي تقوي أحاسيس الانتماء للوطن وترفع من جرعات “تامغرابيت”، ويكفي  الإشارة  في هذا الصدد،  إلى عشرات الآلاف من مغاربة العالم، الذين اجتاحوا الشوارع والساحات العمومية عبر بقاع العالم طيلة المونديال، حاملين الأعلام الوطنية، احتفـاء بما صنعه أسود الأطلس في ملاعب قطر.

 

أسود المهجر،  بما أبلوه من بــلاء حسن في ملاعب قطر،  أكدوا،  بما لايدع مجــالا للشك، أن  مغاربة العالم، لهم من الخبرات والكفاءات، ما يجعلهم قادرين على  صناعة أمجاد الوطن، والإسهــام الحقيقي  في معركة البناء والنماء والإشعاع، سواء تعلق الأمر بالرياضة وعلى رأسها كرة القدم، أو بالاقتصاد و المالية، أو الطاقات المتجددة أو الصناعات العالية التكنولوجيا أو البيوتكنولوجيا، أو الدبلوماسية أو التربية والتكوين  أو الثقافة أو التواصل أو الإعلام أو البحث العلمي والاختراع ، وغير ذلك من القطاعات  والحقول المعرفية والعلمية.

 

لكن الاهتمام الرسمي بالجالية وقضاياها، لازال محتشما ولايرقــى إلى مستوى الطموحات والانتظارات، وهذا الاهتمام في مجمله، لايتجاوز حدود عملية العبور “مرحبا” وبعض التحركات والتدخلات “المناسباتية” من جانب بعض المؤسسات المعنية بقضايا الجالية من قبيل مجلس الجالية المغربية بالخارج،  أو من جانب التمثيليات الدبلوماسية المعتمدة بالخارج، على الرغم  من  إسهامات هذه  الجالية في  إنعاش الاقتصاد الوطني باعتبارها مصدرا مهما للعملة الصعبة، وما تحدثه من دينامية تجارية وسياحية وخدماتية كل عطلة صيفية، وما تضطلع به من أدوار محورية في صون الثقافة المغربية عبر بقاع العالم وضمان استمرارية القيم الدينية والوطنية عبر الأجيال.

 

وإذا كان من دروس وعبر يمكن استخلاصها من ملحمة الأسود بمونديال قطر، فبدون شك، فهي كثيرة ومتعددة الزوايا، تطرقنا إلى بعضها في مقالات سابقة، وبعضها فرض ويفرض فتح عدد من الملفات، من ضمنها ملف “الجالية المغربية بالخارج” التي ترسم قصص نجاح متعدد الزوايا عبر بقاع العالم،  في عدد  من القطاعات  الاقتصادية والحقول المعرفية والعلمية، وهذه الجالية، تستحق المزيد من  الاهتمام والعناية، لاعتبارين اثنين، أولهما: أنها تشكل الجبهة الأمامية في معركة الدفاع  عن  مصالح الوطن وقضاياه المصيرية،  بالنظر إلى كثلتها العددية التي  تقدر بحوالي خمسة ملايين، فضـلا عن  مئات الآلاف من اليهود المغاربة بالخارج، وثانيها: أن لها من القدرة والكفاءة، ما يجعلها، تنخــرط في  صلب ما  تتطلع إليه الدولة من بناء ونماء شامل،  في  ظل النموذج التنموي الجديد.

 

جلالة الملك محمد السادس، ومنذ جلوسه على العـــرش، أولى ويولي اهتماما بالغا ورعاية خاصة لمغاربة العالم،  عبـر عنها في عدد من المحطات و المبادرات  الخلاقة، التي قوت وتقوي ارتباط الجالية المغربية  بوطنها الأم وتبقـي على لحمة تشبثها بثوابت الأمة، كما عبر عنها في عدد من الخطب الملكية، كان آخرها ما ورد في خطاب الذكرى 69  لثـورة الملك والشعب، الذي  قدم ما يشبه “خارطة الطريق”، التي من شأنها النهوض بأوضاع الجالية المغربية، والتعامل مع قضاياها، وفـق منظـور جديد، يضـع أفرادها في صلـب ما يتطلع إليه مغرب اليوم من إصلاح وتحديث ونمـاء وإشعـاع.

 

“خارطة طريق” تمر   كما ورد في ذات  الخطاب الملكي، عبر معالجة ما يواجه أفراد الجالية من “عراقيل وصعوبات، لقضاء أغراضهم الإدارية، أو إطلاق مشاريعهم”، و”إشراكهم في مسـار التنمية”،  و”تمكين الجالية، من المواكبة الضرورية، والظروف والإمكانات، لتعطي أفضل ما لديها، لصالح البلاد وتنميتها”،  كما تمر عبر “إقامة علاقة هيكلية دائمة، مع الكفاءات المغربية بالخارج، بما في ذلك المغاربة اليهود”، و”إحداث آلية خاصة، مهمتها مواكبة الكفاءات والمواهب المغربية بالخارج”، و”انفتاح المؤسسات العمومية، وقطاع المال والأعمال الوطني، على المستثمرين من أبناء الجالية، وذلك باعتماد آليات فعالة من الاحتضان والمواكبة والشراكة، بما يعود بالنفع على الجميع”، إضافة إلى المضي قدما في اتجـاه “تحديث وتأهيل الإطار المؤسسي، الخاص بالجالية” و”إعادة النظر في نموذج الحكامة، الخاص بالمؤسسات الموجودة، قصد الرفع من نجاعتها وتكاملها”.

 

توجيهات ملكية سامية متعددة الزوايا، آن الأوان لتفعيلها وتنزيلها على أرض الواقع، من باب لم شمل “تامغرابيت” وصون اللحمة الوطنية سواء على مستوى الداخل، أو على مستوى الخارج، عبر الجالية المغربية، والتي لا تقف فقط في الجبهة الأمامية، فيما يتعلق بمعركة الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة والدفاع عن مصالحها وقضاياها المصيرية، بل وتضطلع بعدد من المهمات، تجعل من أفرادها سفراء حقيقيين للوطن، فيما يتعلق بالإسهام في إشعاع المملكة وصون القيم الوطنية والدينية وضمان ديمومتها عبــرالأجيال، فضلا عن أدوارها المحورية، في خدمة الاقتصاد الوطني ودعم المسار التنموي.

 

وبالعودة إلى ملحمة مونديال قطر، التي تحمل بصمة  أسود المهجر، فمن الصعب استحضار هذه الملحمة الكروية  غـير المسبوقة في تاريخ كرة القدم المغربية والعربية والإفريقية، دون  الإشارة إلى ما حظي به أسود الأطلس، من احتفـاء شعبي وجماهيري ومن استقبـال ملكي، وهذا الاستقبال الأسطــوري، وإن كان يشكل شهادة اعتراف بصناع هذا المـجد الكــروي من لاعبين وأطر تقنية وطبية وإدارية،  فهـو في ذات الآن، ” تقدير خاص” من جلالة الملك، للجالية المغربية بالخـارج، ممثلة في أسـود المهجـر ومن حضر معهم من الأمهات، و “اعتــراف ملكي” بوطنية هذه الجالية ومـدى ارتباطها بثوابت الأمـة وقيمها الوطنية والدينية، وفي هـذا الإطار، لايمكن أن ندع الفرصة تمـر، دون الإشارة إلى الرسالة الملكية السامية التي بعث بها جلالة الملك، إلى اللاعـب زكرياء أبو خـلال، والتي تضمنت  معاني  التهاني  لمـا حققـه اللاعب  مــع الفريق الوطني، وعبارات التقديــر لما يتحلى بـه من التـــــزام  وانضباط،  ومن تشبث  واعــتزاز  بالانتمـاء للمغرب، وهــذه الرسالة الملكية السامية، ما هي إلا مــرآة عاكسة لملك متضامــن، يتفاعل مع قضايا وانشغالات شعبه، ويضـع الجالية المغربية بالخارج، في صلب اهتمامه ورعايته المولويـة، ويسعـى  جاهدا، إلى  لم  الشمل وتعزيـــز اللحمة الوطنية، وكسب رهانات الإقـــلاع  التنموي الشامـل في إطار “المغرب الممكـن”.