بقلم مصطفى فاكر الشماعية
كان بودي أن ألتزم الصمت لما جري ويجري في الساحة السياسية و الحزبية بالمغرب،من تبادل الاتهامات بين المكونات الحزبية يمينها ويسارها ووسطها أو بين مكونات الحزب الواحد بين القيادة و القاعدة حول الديمقراطية الحزبية و كيفية تنزيلها على أرض الواقع،لاسيما وأن موعد الاستحقاقات الانتخابية باتت قاب قوسين أو أدنى من الصراع .
كان بودي أن أنأى عن كل هذه الاحداث التي طفت مباشرة على السطح ،وشغلت بال المحللين وسالت مداد كتاب الرأي و المنتقذين و المؤثرين في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي،خاصة وأنني عاهدت نفسي كم مرة أن أتخذ مسافة فاصلة بيني و بين ما يحبل به المجتمع من تحولات و دينامية في الرؤى و التفكير ،لكن حينما أتذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه:”من أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.” تنتابني حيرة في التفكير أانزوي في خلوتي لا أبغي إلا طهرانية روحي أو أشارك إخواني المسلمين همومهم و أحزانهم،و إبداء الرأي فيما يخصهم رغم أنني أعرف حق المعرفة أنه لن يغير من الأمر شيئأ،وأنه لا تأثير لي عليهم،المهم أن أخالطهم و أصبر هلى آذاهم.
الصمت أحيانا أبلغ من الصراخ فحين تختنق الساحة بالضجيج و تضيع الرؤيا بين الصراخ و المزايدة يصبح الصمت فعل تأمل،و التأمل هو نوع من التعبير.
وأنا أتأمل تصريحات زعماء الأحزاب السياسية قبل استوزارهم،حين كانوا يقبعون في المعارضة وما يتشدقون به من ممارسة الديمقراطية و إعطاء الفرصة للجيل الجديد في تحمل المسؤولية،والمطالبة بتخليق الحياة السياسية والنزاهة و الشفافية في تدبير و تسيير شؤون الدولة،ظننت حينها أننا فعلا نسير نحو المفهوم الجديد للسلطة ،و أننا فعلا نعيش في دولة تحترم مبادئها و أخلاقها،لكن حين أرى ما يقع من تحولات مفاجئة و تغيير جذري في المبادئ و انقلاب فجائي في الممارسة و التنزيل،تأخذني الدهشة و الاستغراب و تسمح لي بإعادة تركيب المشهد السياسي و تفكيك ما يحدث في المغرب من تحولات خفية تتجاوز ما يبدو في السطح من أحداث متفرقة.
السياسة في المغرب تعيش حالة من التكلس،جعلت التداول على السلطة مجرد طقس شكلي يكرس الاستمرارية أكثر مما يعبر عن التغيير وهي صورة مصغرة لبنية وعي سياسي عاجز عن إنتاج بدائل أو مقاومة رمزية.
إن المشكل ليس في الأشخاص وحدهم ،فالمشكل مشكل وعي مجتمعي،أزمة ذوات فقدت الإحساس بالمسؤولية.زعماء يرون في السياسة البقرة الحلوب و الدجاجة التي تبيض ذهبا،لارسالة نبيلة و أخلاق و مبادى،فالأحزاب يجب أن تكون مدرسة يتخرج منها مواطنون صالحون يقدرون حجم اللحظة التاريخية،لاسماسرة يخضعون لمنطق الربح و الخسارة.
إن التغيير الحقيقي لا يكون بتغيير الأشخاص من مناصبهم بل بتغيير بنية التفكير التي جعلت المواطن مستهلكا للخطاب بدل أن يكون مشاركا في صناعته،والنجاح الحقيقي لا يكون بنجاح حزب على آخر بل بنجاح وطن في القضاء على المحسوبية و الزبونية و الرشوة.