أخر الأخبار
الرئيسية » اخبار » من التغريدات الى الاحتجاجات: جيل زيد بالمغرب نحو فهم شامل لوعي جديد””الجزء الثاني””

من التغريدات الى الاحتجاجات: جيل زيد بالمغرب نحو فهم شامل لوعي جديد””الجزء الثاني””

يعتمد عل الاستقلالية وعل إعادة تشكيل الذات بشكل مستمر. كما ولّد هذا السياق إحساسا متناميا بالهشاشة، لكنه  في الوقت نفسه فتح المجال أمام أشكال جديدة من المبادرة، سواء  في مجال المقاولة أو  في الاقتصاد الرقمي أو  في الهجرة المهنية. وهذه الازدواجية بين الهشاشة والقدرة عل المبادرة تشكل أحد أهم ملامح الوعي الفئوي لجيل زيد.

إن التحليل الاقتصادي للخلفية التي شهدت ولادة هذا الجيل يكشف أن التغيرات لم تكن سطحية، بل مست البنى العميقة للمجتمع. فقد أدت التحولات المرتبطة بعولمة الاقتصاد إلى توسيع الفوارق بين الفئات، وإلى خلق فجوة بين من يمتلك المهارات والمعرفة ومن لا يمتلكها. وأدى ضغط التحولات الرقمية إلى إعادة توزيع الفرص بشكل غير متساو، مما جعل هذا الجيل يعيش في بيئة تتداخل فيها فرص غير مسبوقة مع مخاطر متزايدة . كما خلقت الهجرة، سواء الداخلية أو الخارجية، تحولا  في أنماط العيش والانتماء، مما أعاد تشكيل علاقة الفرد بالمجتمع وبالدولة. و في ظل هذه التحولات العميقة، نشأ وعي جديد داخل جيل زيد، وعي يعكس إدراكه للفوارق البنيوية، وللحاجة إلى اعتماد مسارات متعددة للاندماج.

وهكذا يتبين أن الظروف التاريخية والاقتصادية التي رافقت ولادة جيل زيد ليست مجرد خلفية تفسيرية، بل هي الإطار البنيوي الذي يحدد خصائص هذا الجيل وقيمه وتطلعاته.  التي أنتجت وعيا يقوم عل إدراك الهشاشة وعل التطلع إلى تجاوزها، وعلى

البحث عن فرص جديدة خارج الأطر التقليدية. كما أنها شكلت قاعدة لتكوين تصورات جديدة حول العمل، والهجرة، والاندماج، مما جعل جيل زيد جيلا مختلفا عن الأجيال السابقة، ليس فقط من حيث السلوك، بل من حيث العلاقة مع الزمن ومع الفضاء الاقتصادي والاجتما عي.

 الفقرة الثانية: قراءة البنية الاجتماعية والثقافية المر افقة لنشأة جيل زيد 

تستد عي قراءة البنية الاجتماعية والثقافية التي رافقت نشأة جيل زيد الوقوف عند مسار التحولات العميقة التي مست الأنشة والمدرسة ووسائل التواصل الحديثة، باعتبارها فضاءات حددت اتجاهات التنشئة وساهمت . في صياغة القيم والسلوكيات التي تميز هذا الجيل. وتكتسي هذه القراءة أهميتها من كونها تسمح بفهم المقدمات التي أفرزت بنية ذهنيةجديدة، قوامها تداخل المرجعيات وتعدد مصادر الثأتير وتراجع وحدات التنشئة التقليدية لصالح فضاءات رقمية اكثر تمددا ونفوذا. عرفت الأنشئة تحولات متاكمة أعادت تشكيل وظائفها ومكانتها . في البناء الاجتما عي. فبينما كانت تمثل الإطار المركزي لنقل القيم وتنظيم العلاقات وتحديد مسارات الاندماج، أصبحت اليوم تواجه ضغطا متزايدا بفعل تتغير أنماط العيش، وتوسع التعليم، وارتفاع نسب الشغل النسا ين، وتراجع القدرة عل الضبط الداخلي نتيجة تعدد مصادر السلطة الرمزية. وقد أدى هذا التحول إلى انتقال الأنشئة من نموذج يقوم على التاتبية الصارمة والضبط المبا شر إلى نموذج أكثر انفتاحا يسمح بظهور استقلالية فردية مبكرة لدى الأبناء. غير أن هذه الاستقلالية لم تكن ثمرة استراتيجية تربوية بقدر ما كانت نتيجة تراجع الوظيفة التوجيهية للأشة، مما أفسح المجال لبروز تفاعل اكثر بين  الشباب ومصادر التنشئة الخارجية، وهو ما انعكس على انتظام القيم وعل طبيعة بناء الهوية.

ومع تراجع دور الأشة  في تحديد القواعد السلوكية، برزت المدرسة باعتبارها الفضاء المنظم الأكثر قدرة على التأثير . غير أن المدرسة بدورها عرفت تحولات متصلة بضعف استقرار سياساتها، وتوسع الفجوة بين مضامينها التعليمية والمتطلبات المتسارعة للسوق وللتكنولوجيا، إضافة إلى تزايد الضغوط الاجتماعية التي جعلتها تتحول من مؤسسة لصناعة

المعرفة إلى مؤسسة لتدبير  الانتظارات. ومع مرور الوقت، أصبحت المدرسة عاجزة عن أداء دورها التقليدي . في إنتاج انسجام قيم بين المتعلم  بفعل ازدحام الفصول، وتفاوت جودة التعليم، وتراجع مكانة المعرفة العلمية كمحدد للمص ت الاجتماعي  . في أذهان الشباب. هذا العجز دفع الجيل الصاعد إلى البحث عن مصادر بديلة للتعلم، سواء عبر المنصات الرقمية أو من خلال الانخراط . في شبكات اجتماعية تتجاوز حدود المؤسسة التعليمية. ونتج عن ذلك انتقال تدريجي  من تنشئة مدرسية رسمية إلى تنشئة هجينة، تربط بين المعرفة المؤسسية والمعرفة الشيعة المتولدة عن المحتوى الرقمي.

وإذا كانت الأشة والمدرسة قد فقدتا جزءا من قدرتهما عل إنتاج تصور موحد للعالم، فإن وسائل التواصل الحديثة اكتسبت مكانة فارقة . في تحديد اتجاهات السلوك والقيم. فقد وفرت هذه الوسائل فضاء واسعا للتفاعل والتجريب والتمثيل، ما جعلها الحامل المركزي لإعادة بناء العلاقات الاجتماعية وتوسيع دوائر الانتماء. ولم يعد حضورها مقتصرا على المستوى أو الإخباري، بل تجاوز ذلك إلى إعادة ترتيب مكانة الفرد داخل المجتمع،من خلال منح قيمة أكثر  للظهور والقدرة عل التعبير، مقابل تراجع معاي ت الخ رتة والانضباط والمسار ال :تاك يم للوجاهة الاجتماعية. إن المحتوى الرقمي، بما يتيحه من وفرة معلوماتيةوتدفق سريع للمعا ني، أحدث إعادة تشكيل مستمرة للمرجعيات االتي يستند إليها الجيل الجديد في الحكم عل الأشياء، حيث أصبح التل : يف يتسم بالتش . يظ، والاختيار يتم عبر  الانتقاء السريع ، والمع .ت يعاد إنتاجه خارج المؤسسات التقليدية.

وأسهم هذا التحول .في ولادة قوالب سلوكية جديدة تجمع بين نزعة فردانية تبحث عن التحقق الذا تي عبر امتلاك أدوات التعبير الرقمي  وبين حاجة قوية إلى الاندماج ضمن شبكات متسعة توفر الاتعراف والدعم الرمزي. هكذا نشأ جيل يجمع   . بين تطلع عال إلى الاستقلال الشخ  يض وبين  شعور متزايد و ضرورة الانتماء إلى جماعات رقمية تمنحه ال رشعية

الرمزية. هذا التوتر   . بي الفردي والجم  ياع يمنح صورة دقيقة عن البنيات النفسية والاجتماعية التي تتحكم في اختياراته، ويكشف عن أن الميل إلى التحرر من السلطة التقليدية لا يعيت انسلاخا عن الجماعة، بل انتقالا نحو جماعات جديدة تمتلك شرعية مختلفة. كما أفرزت هذه الفضاءات الرقمية أنماط تفاعل تقوم عل الشعة وآنية الاستجابة وكثافة المقارنة. فأصبح الجيل يعيش في وضعية فرط تعرض لمعطيات وصور وتجارب، مما عمق حساسية التقييم الذاتي  وربط المكانة الاجتماعية بمعايير  متحركة. ونتج عن ذلك ارتفاع مستوى التوقعات من المجتمع والدولة، حيث أصبح الشباب يقيسون جودة المؤسسات بمدى قدرتها عل الاستجابة الشعبية، وهو معيار متأثر بشكل مبا شر بالمنطق الرقمي الذي يربط الفعالية بالآنية لا بالتدرج. كما أن اتساع فضاءات المقارنة جعل هذا الجيل أكثر  وعيا بتفاوت الفرص، وأكثر ميلا إلى المطالبة بإعادة توزيعها بشكل يضمن قدرا

اكثر من العدالة.

وعل المستوى الثقافي، ساهم هذا التفاعل  في إنتاج عناض هوية مفتوحة عل مرجعيات متنوعة، لكنها غير متجانسة بالض  فالجيل يتل :ف محتوى سياسيا، ودينيا، وثقافيا، وفنيا من قنوات متعددة، مما أدى إلى تراجع المرونة التقليدية التي كانت تسمح بتعايش سلبي المرجعيات. و في مقابل ذلك، برز منطق الانتقائية، حيث ينت : يف الفرد ما يناسب تجربته المباشرة دون بنسق   يقيم مغلق هذه الانتقائية قد تمنح قابلية للتكيف، لكنها تخلق بالمقابل صعوبة في بناء رؤية متماسكة للمجتمع، وهو ما يظهر بوضوح في التذبذب  بين المحافظة  في بعض المواقف واللي رتالية  في مواقف أخرى، دون إحساسبوجود تناقض داخل  وبذلك تشكلت لدى جيل زيد توقعات اجتماعية مم .تة، تنظر إلى المستقبل باعتباره مسارا فرديا قابلا للتحقق إذا توفرت رشوط الإنصاف والاعتراف وتنظر إلى المؤسسات باعتبارها مسؤولة عن توف ت مناخ يسمح بهذا التحقق. ولم يعد الجيل يقبل الأدوار التقليدية التي تمنحه موقعا تابعا داخل الهرم الاجتماعي، بل يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة مع الدولة والسوق والمجتمع عل أساس المشاركة وتقاسم السلطة الرمزية. ويعود هذا التحول إلى التجربة اليومية مع وسائل التواصل التي ألغت المسافة بين الفاعل وأتاحت للفرد إمكانية الظهور في الفضاء العمومي دون وسيط، مما خلق شعورا بأن ال رشعية لم تعد حكرا على المؤسسات، بل يمكن بناؤها رقميا.

ومحصلة هذه التحولات أن البنية الاجتماعية والثقافية التي رافقت نشأة هذا الجيل لم تكن مجرد سياق خارجي، بل كانت أداة فعالة في إعادة تشكيل وعيه، وساهمت في إنتاج جيل يستند إلى مزيج من الاستقلالية الرقمية، والحساسية تجاه العدالة والاع :تاف، والنفور من الضبط التقليدي، والرغبة في المشاركة الفعلية . في صياغة المعايير التي تنظم حياته. إنها بنية أعادت تعريف مع .ت الانتماء، وحدود السلطة، وشكل الهوية، وطبيعة التوقعات من الدولة والمجتمع،   يوه بذلك تمثل مدخلا أساسيا لفهم ديناميات هذا الجيل . يف علاقته ببقية المحاور التي يتناولها التقرير.

يقدم هذا المحور تحليلا معمقا للخصائص القيمية والسلوكية تي تميز جيل زيد، باعتبارها انعكاسا مباشرا للبنيات الاجتماعية والثقافية التي رافقت نشأته. ويستند هذا التحليل إلى المقارنة مع الأجيال السابقة، قصد إبراز عناض الاستمرارية والانقطاع، وتفسير  اتجاهات الجيل تجاه العمل والسياسة والدين، ثم تفكيك أنماط سلوكه الي  يوم بما فيها آليات المشاركة المدنية واس :تاتيجيات التوظف وطرق التفاعل الرقمي. ويسمح هذا المدخل بفهم طبيعة التحولات التي أحدثها هذا الجيل داخل الحقل  الاجتماعي والمؤسسي، والوقوف عند الأسس الذهنية التي تحكم إدراكه لذاته وللمجتمع والدولة.

     الفقرة الاولى: توجهات الجيل نحوالشغل، السياسة، والدين 

تظهر القيم والمواقف العامة لدى جيل زيد نتيجة تفاعل مركب بين  متغيرا  اجتماعية واقتصادية وثقافية، ما جعل بنيته القيمية تتسم بقدر كبير من التنوع والانسيابية مقارنة بالأجيال السابقة. ويبرز اتجاهه نحو العمل والسياسة والدين باعتباره مؤ شرا مركزيا عل كيفية إدراكه للفرص المتاحة وحدود النظام الاجتماعي، وعل طبيعة الرهانات التي تحكم تصوراته للمستقبل. فالقيم هنا ليست مجرد مواقف جاهزة، بل هي حصيلة مسار طويل